رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نعم هناك حاجة إلى الثقافة الإنسانية

تلقيت عددا من ردود الأفعال المرحبة بفتح باب النقاش حول موضوع الثقافة الإنسانية، الذى خصصت له مقالا فى الأهرام فى عدد (السبت 3 أغسطس). بالفعل هناك طلب على الثقافة الإنسانية فى المجتمع المصرى الذى بات يعانى بعض الأمراض الثقافية والاجتماعية التى تتطلب نقاشا جادا، وكثير مما نعانى منه فى مجتمعنا تواجهه مجتمعات أخرى. النزعة الاستهلاكية المفرطة، تراجع المشاعر وغلبة التفكير المادى، الانحياز للمصالح الذاتية الضيقة، التبلد تجاه معاناة الفقراء والمهمشين، الخ. أحد مداخل مواجهة هذه الحالة المناهضة للإنسانية هو بث ثقافة جديدة تُشعر المرء بإنسانيته فى إطار مجتمع يتحمل مسئوليه تجاه مواطنيه. وتُعد المسئولية الاجتماعية من الفرائض الغائبة فى المجتمع.

الثقافة الإنسانية، التى نعيد التذكير بها ليست ضد الثقافة الدينية، وليست نقيضا أو بديلا لها، بل هى تعطى للإنسان مسحة روحية إنسانية للحياة يتلاقى فيها مع المجتمع بطريقة ايجابية، لا يهم وسطه الاجتماعى، ولكن كل ما يهم أن يجد مساحة يتفاعل فيها مع إنسانيته. وهذه بعض مظاهر الثقافة الإنسانية:

أولا: إبراز دور الشخصيات العالمية الذين أثروا الحياة بإبداعاتهم فى شتى المجالات، وغلبت عليهم النزعة الإنسانية فى عملهم، ولم يجعلوا من الشكل الدينى بطاقة تعريفهم الاساسية. فى مجالات عديدة بزغت رموز إنسانية من كل بقاع العالم، مثل ليوناردو دافنشى، ووليم شكسبير، وفرنسيس بيكون، وجيمس وات، ولويس باستر، ومارى كورى، والكسندر فلمنج، وأحمد زويل، ونجيب محفوظ، وغيرهم. هؤلاء الشخصيات المبدعة عالميا ينبغى أن تكون حاضرة فى برامج التعليم والإعلام والتدريب، وغيرها. مما يولد شعورا عاما بالإنسانية، والنظرة الرحبة للحياة.

ثانيا: تهذيب السلوك العام، خاصة للأطفال والشباب، من خلال برامج مكثفة للتطوع، سواء فى مشروعات اجتماعية أو مبادرات إنسانية، مما يجعلهم أكثر إدراكا لاحتياجات، ومعاناة الناس، ويبتعدون عن النظرة الجامدة، والخشنة، والتى تفتقر إلى المشاعر الإيجابية. وتُعد هذه ضرورة للحفاظ على السلامة النفسية للمجتمع فى ظل التقلبات الاجتماعية، والتغيرات الاقتصادية، والضغوط المعيشية. فى كثير من الدول المتقدمة، تلعب برامج التطوع، التى تتسم بالكثرة والتنوع، دورا مهما فى المساندة الاجتماعية. وبالمناسبة هناك فرضية غير دقيقة نجدها فى الكتابات الاجتماعية أحيانا مفادها أن ثقافة التطوع غير متجذرة فى المجتمع المصرى، والدليل على ذلك أن فى كل المناسبات التى تتطلب التطوع نجد إقبالا من الشباب، وآخرها تنظيم دورة كأس الأمم الأفريقية، والذى ظهر فى مظهر حضارى لافت. وحتى لا يكون الأمر رهنا للمناسبات أقترح أن يكون التطوع لمدة زمنية معينة شرطا يستوفيه الطالب أو الطالبة بالجامعة قبل الحصول على الشهادة النهائية.

ثالثا: تشجيع المبادرات الإنسانية سواء التى تقوم بها منظمات مجتمع مدنى، والمجموعات الشبابية، أو الأندية والروابط التى تقف فى وجه زحف الثقافة المادية على المجتمع سواء فى صورة المجتمع الاستهلاكى، أو الترويج الإعلامى وكذلك الإعلانى على وجه الخصوص لأفكار خاطئة خاصة تجاه المرأة سواء باعتبارها سلعة تباع وتشترى، أو النظر إليها على أنها مجرد جسد، أو عارضة للوجاهة، أو مادة للتحرش، أو ما شابه.

رابعا: تعاون مؤسسات الدولة مع رجال الأعمال فى الاحتفاء بالمبادرات الإنسانية، سواء من خلال رصد تمويل وجوائز مالية سخية لأى مبادرة إنسانية جادة، ولاسيما إذا كان أطرافها من الشباب، وقد يكون هناك اعتبار للمبادرات الشابة التى تجمع مجموعة متنوعة من الأعضاء سواء من الشباب والشابات، مسلمين ومسيحيين، ينتمون إلى مناطق جغرافية مختلفة، باعتبار أن مثل هذه المبادرات، حتى إن كانت بسيطة، تشكل خيوطا فى شبكة الأمان الاجتماعى التى يسعى المجتمع إلى بنائها، وتؤدى ـ دون قصد أو افتعال ـ إلى دعم السلم الأهلى، والانفتاح بين المواطنين المختلفين فى النوع أو المعتقد أو الوضع الاجتماعى.

هذه الأفكار، والتى لا تحتاج كثيرا من الجهد أو المال حتى تترجم إلى أنشطة، نطلق عليها رأس المال الاجتماعى العابر, أى التى تجمع مواطنين مختلفين يتلاقون على تحقيق هدف أو غاية، وهو ما يختلف عن رأس المال الاجتماعى الجامع, أى الذى يضم أفرادا من نفس العائلة أو الجماعة الدينية أو الطبقة الاجتماعية من أجل مصالحهم الذاتية فى المقام الأول. وبالرغم من أن المجتمع بحاجة إلى النوعين معا، إلا أن الأفضل دائما هو تحقيق الانفتاح، والخروج من أسر الجماعات المغلقة على أصحابها، وهو ما يتحقق من خلال رأس المال الاجتماعى الذى يمتلكه الأفراد المتنوعون من خلال العبور على المناطق الاجتماعية المغلقة إلى المساحات الواسعة المنفتحة، التى تغيب فيها النظرة التمييزية أو الشعور بالأفضلية، وترى الناس انفسهم يعملون من أجل غاية واحدة مهما تختلف مشاربهم أو انتماءاتهم. هذه هى الثقافة الإنسانية التى نحن دائما بحاجة إليها.


لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى

رابط دائم: