لم تكن مصر يوما دولة ثرية أو دولة رخاء، على الأقل فى تاريخها الحديث، لكنها بدت فى بعض الحقب التاريخية أمةً ملهمة حتى وهى فقيرة. فماذا لدينا اليوم وماذا ينقصنا لنعود أمةً ملهمة؟ لو تأملنا أولاً حالة غيرنا لوجدنا أمماً من الغرب والشرق تمثل نماذج ملهمة مثل أمريكا التى ارتبطت فى الأذهان بأرض الحلم والفرص والتنوع الإنسانى، وفرنسا بلد الثقافة والفنون والقوانين، وألمانيا بلد العقل والفلسفة والانضباط، واليابان بلد الجدية والانتماء والنظام، والصين بلد الحكمة والإنجاز. القاسم المشترك بين كل هذه الدول هو ثقافة العمل الجاد. وهناك بلدان أخرى صغيرة، لكنها لا تخلو من إلهام ما مثل فيتنام التى هدتها الحرب وفقدت 3 ملايين من أبنائها لتنهض من تحت الركام وتصبح قبلة اقتصادية واعدة، وجنوب افريقيا التى تعد اليوم رمزاً ملهماً للتسامح والتحول السلمى من دولة فصل عنصرى إلى دولة مواطنة تعامل جميع أبنائها على قدم المساواة، فماذا عن مصر؟
كانت مصر تمثل نموذجاً ملهماً عبر مراحل مختلفة فى تاريخها. فمصر الفرعونية طالما ألهمت العالم كله قديماً وما زالت حتى اليوم تثير شغف وولع الآخرين. ومصر الناهضة فى عهد محمد على كانت أول نموذج نهضوى وتنويرى ملهم لمحيطها العربى فى العصر الحديث. ثم بدت مصر فى عهد عبد الناصر خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى ملهمة لعالمها العربى بل ولشعوب افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بروح التحرر الوطنى والتطلعات القومية. وفى كل الأيام التى مرت بها مصر، بخيرها وشرها، بحلوها ومرها، بدت هناك لحظات كالوميض قدمت فيها مصر نموذجاً ملهماً ما. حدث هذا فى لحظة انبهار العالم بالأيام الأولى من ثورة يناير، ثم فى حالة انتباه العالم وهو يرى مصر تمر بسرعة خاطفة من مناخ الفوضى ونذر التشرذم عشية ثورة 30 يونيو إلى حالة الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة لهيبتها وانطلاقتها التنموية الهائلة. ربما يختلف البعض على مدى نجاعة ما تحقق، لكن تظل الفكرة هى أن مصر فى أحلك الظروف الانتقالية لم ينفرط عقدها ولا انهارت مؤسساتها أو اُستبيحت حدودها أو تصارع أهلها برغم ما نراه حولنا من مشاهد حزينة للدمار والاقتتال الأهلى والنزوح الجماعى والتدخل الأجنبى والمغامرات العسكرية غير المدروسة. هنا يكمن النموذج المصرى الجدير بالتأمل.
اليوم وبعد ثمانى سنوات من 2011 يمكن القول إن مصر تملك مشروعاً يتسم برغم قصر مدته بالهمة والبناء والانجاز ويمضى بإيقاع نشيط وسريع فى كل أرجاء البلاد. فأينما وليت وجهك فى مصر ترى مشروعاً كبيراً وسواعد تبنى وثلاث ورديات عمل فى اليوم الواحد واقتحامات جديدة وجريئة لقضايا وتراكمات مزمنة. والمسألة لا تكمن فقط فى إنشاء أكبر شبكة للطرق والأنفاق والجسور، ولا فى تشييد المناطق السكنية الحديثة بديلاً عن عشوائيات مؤلمة وجارحة للعيون، أو تحول مصر السريع لتصبح مركزاً للطاقة البيضاء فى منطقة المتوسط، ولا فى تحقيق معدل للنمو يقارب 6%، ولا فى إنشاء مدن جديدة ومتطورة تعالج اختلالات الخريطة السكانية والتنموية لمصر بصرف النظر عن أى انتقادات توجه إلى هذه المدن، ولا فى استرداد أكثر من مليون فدان و130 مليون متر مربع مبان من أرض مصر التى نهبت بليل (بمباركة) صامتة، وإطلاق أيدى جهات مكافحة الفساد التى ظلت لعقود مضت إما معطّلة وإما تعمل وفقاً لحسابات كانت تبدو كالشفرة غير المفهومة. المسألة هى أن يتحقق كل هذا عقب فترة اضطراب سياسى وأمنى واجتماعى ارتجت له مصر، وأثار القلق والخوف من المستقبل. المسألة هى أن ذلك يجعلنا نتساءل ألم يكن ممكناً إطلاق هذا المخزون من قوى التنمية والإصلاح فى وقت كانت ظروفنا الداخلية أفضل والمخاطر الخارجية حولنا أقل مما نراه اليوم بكثير؟
ومع ذلك فإن ما أنجزته مصر فى السنوات القليلة الماضية لا يمنع أن هناك ما ينقص مشروعها النهضوى التنموى لكى يصبح نموذجاً قادراً على الإلهام. هناك ملفات يجب اقتحامها بالشجاعة نفسها التى تصدينا فيها لأوضاع اقتصادية ومجتمعية متفاقمة، مثل الملف التعليمى، والحقوقى، وملف القيم. وهى ملفات تتحملها الحكومة والمجتمع معاً، فالاعتراف واجب بأن الحصاد المر لعقود من الزمن لم يكن فقط نتاجاً لتقصير حكومى ولكنه أيضاً نتاج لتخاذل مجتمعى وتدهور قيم وسلوكيات. فى الملف الحقوقى ثمة مبادرات منشودة بعد أن فرضت الدولة هيبتها واستعادت مؤسسات إنفاذ القانون سطوتها. صحيح أن الإرهاب الجبان ما زال يفاجئنا من حين لآخر بسلوكه الخسيس المروّع لكن مراجعة بعض الأوضاع الحقوقية ستمثل سنداً للدولة فى معركتها ضد الإرهاب، وستدحض مقولة السببية بين الإرهاب والأوضاع الحقوقية، وستجرد خصوم المشروع الوطنى المصرى فى الخارج أفراداً ودولاً من أهم أسلحتهم، فضلاً عن كون ذلك يضيف إيجاباً إلى رصيد المشروع كله الذى يقوده الرئيس السيسى ونموذج مصر الجديدة التى نحلم بها. جيد أن نرى أبواب السجون تفتح بعفو رئاسى، هذا يزيد من مساحة الأمل فى معالجة ملفات حقوقية لشباب ربما خالف القانون دون أن يمارس عنفاً أو يحمل سلاحاً أو يتواطأ مع إرهابيين. تسامح الدولة هنا ليس ضعفاً لكنه قوة تسهم فى تحقيق السلام المجتمعى والتكاتف الوطنى والشعور بالأمان بعد أن استتب الأمن. هناك أيضاً مساحة ممكنة للعمل الحقوقى فيما لا يمثل مساساً بمقتضيات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب لتطبيق ما تنص عليه القوانين ولوائح السجون وتوفير الرعاية الطبية للسجناء المرضى والمسنين، وتفعيل ما ينص عليه القانون من بدائل آمنة وناجعة للحبس الاحتياطى. هذا الإصلاح الحقوقى لا يتعارض بل يتكامل مع خطاب أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ، وأن للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أولويتها، لأن حرية الإنسان الحقيقية تبدأ من تحريره من الفقر والمرض والجهل، ولهذا تصبح التنمية الاقتصادية المتوازنة، والتأمين الصحى، وإصلاح التعليم البنية الأساسية لتحرير الإنسان. مصر على طريق نموذج تنموى ونهضوى وإصلاحى، ماذا لو اقترن هذا النموذج بإصلاحات حقوقية من نوع ما لا يكلف أو يعوّق أو يهدد مسيرة التنمية ومناخ الأمن والاستقرار؟
لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم رابط دائم: