عندما يتأمل المرء صور التنافس المختلفة التى توجد فى مجتمعاتنا يجد أنها فى مجملها صورا مشوهة بعيدة كل البُعد عما يمكن أن نطلق عليه التنافس المهنى المدني. ولكن قبل الولوج إلى ذلك يجدر بنا أن نعدد بعض صور التنافس المشوهة التى نود أن نتجاوزها أو نقضى عليها تماما إذا أردنا أن يتحول التنافس بيننا إلى تنافس مدنى أصيل. لعل السمة الغالبة فى أشكال التنافس المشوهة أنها تتحول فى الغالب إلى أمور شخصية، وكأننا نتنافس على شيء نادر يريد كل طرف أن يأخذه من الطرف الآخر وحرمانه عن طريق الاقصاء و الاستبعاد، والتهميش. يتحول التنافس هنا إلى شكل من أشكال الاستحواذ الذى لا يترك للآخرين فرصة للاختيار أو الحكم, فالاستحواذ يقوم دائماً على نزعة تؤمن بما يسمى بالتوزيع الصفرى للقيم, وهو توزيع غير عادل يحصل فيه أحد الأطراف على كل القيم، وتحرم الأطراف الأخري. وهى إذا ما حصلت على شيء، فإنها تحصل دائما على المتروك، أو غير المرغوب فيه، وما يترتب على ذلك من إحباط وامتعاض وعنف فى كثير من الأحيان. وبجانب الاستحواذ، فإن التنافس المشوه يعتمد نمطاً من الثقافة تقترب جدا مما يطلق عليه علماء الاجتماع ثقافة الخير المحدود. وهذه ثقافة تأكد وجودها فى المجتمعات الريفية الفقيرة، ولكنها انتقلت فى كثير من المجتمعات إلى سكان الحضر من المتعلمين، الذين لم يستطيعوا استملاك معطيات ثقافية حديثة تجعلهم يتجاوزون الثقافة التقليدية. وتقوم ثقافة الخير المحدود على افتراض ندرة الخير أى ندرة الموارد، التى يكثر التنافس حولها، ويحصل كل طرف على جزء قليل منها. ويخلق هذا الموقف ثقافة خاصة تقوم على الحقد والحسد تجاه ما يحصل عليه الآخرون، خاصة إذا ما حصلوا على نصيب أعلي، لأن ثمة افتراضا هنا بأن ما يحصل عليه الآخرون يحصلون عليه على حساب آخرين. ومثل هذه الثقافة تنتهى دائما إلى رغبة شديدة فى الاستحواذ والتهميش والاقصاء.
ويفترض أن ينبذ المجتمع الحديث، الذى يقوم على الثقافة المدنية، كل هذه الصور المشوهة من التنافس على السواء، وأن يميل إلى تطوير ثقافة للتنافس حول العطاء والانجاز.، لا الأخذ والخطف والاستحواذ. سوف يكون التنافس هنا عطاءً متدفقا، واسهاما مضافا، وتراكماً يربو على تراكم سابق، فيكون التقدم للجميع: للأفراد والوطن على حد سواء. إن مثل هذه الثقافة هى ثقافة مدنية حديثة بمعنى أنها تلتزم بالفهم العميق لاحترام فردية الأفراد واستقلاليتهم، وتقديرهم وفقا للإنجاز والعطاء وليس وفقاً للانفعالات والمشاعر الفطرية، وتوطيد العلاقات مع الآخرين فى ضوء مبادئ الثقة والاحترام، وخضوع الجميع لعلاقات قانونية تتجاوز حدود الأفراد وترتفع فوقهم جميعاً.
وتنتج مثل هذه الثقافة الحديثة ثقافة تنافس مدني، يمكن أن يتحدد نمطه المثالى فى خصائص عامة منها: أولا: التخلص من المشاعر الشخصية، وتبنى نظرة موضوعية فى الحكم، وعدم تطوير أى شكل من أشكال العداء تجاه النظراء. إن النظراء هم زملاء عمل، ونحن نعمل معهم من أجل إنجاز أهداف واحدة. وثانيا: إذا كان التنافس فى الحلبة المهنية أو فى غيرها من حلبات الانجاز فى الحياة يجب أن يتخلص من المشاعر الشخصية، فإن عليه أن يوجه تنافسه نحو الخير العام والأهداف العامة والمصالح العامة. فالمتنافسون يختلفون فى قدراتهم وفى الطريقة التى يستخدمون بها ما لديهم من مهارات، ولكنهم يعملون من أجل هدف واحد، وهو الانجاز والجودة وتنمية القيم الإيجابية. يحدث هذا حتى وإن كان التنافس فرديا، كما هو الحال فى المسابقات الفردية. ففى هذه الحالة يكون النجاح الفردى مؤكدا لمبدأ الجدارة والاستحقاق، ومعبرا عن قيمة الانجاز والإضافة، وحافزا للآخرين لمزيد من تحقيق النجاح، وهنا نصل إلى نقطة ثالثة فى هذا الحديث، وهى تخص طبيعة العلاقة بين المتنافسين. إن النظراء الذين يمارسون مهنة واحدة، أو المتنافسين فى المسابقات المختلفة يجب أن يتعلموا من بعضهم البعض، فكلما حقق الواحد منهم إنجازا متميزا فإنه يدفع الآخرين نحو مزيد من الإنجاز ويعمل هؤلاء الآخرون على تقديره وتهنئته، ويسعى كل منهم إلى أن يجعل تنافسه سعيا نحو الاقتراب من الناجحين فى إنجازاتهم. ولو حدث هذا فإن كل طرف سوف يتحول إلى محرك للطرف الآخر، فتتحول المؤسسة التى يعملون فيها إلى خلية نحل لا تعرف إلا الدأب والعمل المتواصل، ويتحول التنافس فى المسابقات الفردية إلى موقف للتعلم الدائم والاستفادة من خبرات الآخرين. وأخيرًا فإننا نستطيع أن نشير إلى سمات مهمة يجب أن يعاهد الشخص الذى تفرض عليه ظروف مهنته أن يتنافس بشرف مع الآخرين، يجب أن يعاهد نفسه على تجنبها. من ذلك مثلا، أن يبتعد عن استخدام آلية النفاق والتزلف والتقرب إلى ذوى السلطة من أجل جنى مكاسب لا يستطيع أن يحصل عليها من خلال قدراته ومهاراته؛ ومنها التحلى بروح المسئولية والشفافية والنزاهة والعدل. إن مثل هذه الخصال النفسية تساعد على أن يكون التنافس حرا نزيها، وهذا ما يجعله يصطبغ بالصبغة المدنية.
وبعد فلقد بدأت الإشارة إلى صور التنافس المشوه، وسردت حديثا عما سميته المنافسة المدنية، ولقد بحثت عما أنهى به هذا الحديث فلم أجد أفضل من عبارة ابن خلدون التى وصف بها العرب بأنهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة فى الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم. نعم إن الأهواء يجب أن تكون مختلفة، ولكنها يجب أن تجتمع على هدف واحد، والبشر يختلفون فى طباعهم، ولكنهم يجب أن يتعلموا الانقياد بعضهم لبعض ويساعدهم ذلك على التعاون والتنافس من أجل تحقيق الهدف العام، وفى كل الأحوال يجب أن يجعلوا المنافسة فى أشياء أخرى غير المنافسة على استملاك السلطة (التى أطلق عليها ابن خلدون المنافسة فى الرئاسة)، فكلما تزايد التنافس على السلطة قل التنافس على إجادة الصناعة، و فَتْرت الهمة، وضعفت العزيمة للإنجاز والنجاح، وقل الجد فى الأمور، وزاد الاهتمام بالصغائر والدنايا، وانخفض الطموح إلى المعالي.
لمزيد من مقالات د. أحمد زايد رابط دائم: