ثمة نقاش يدور اليوم حول العروبة والقومية ودور مصر العربى، وهو نقاش قديم جديد يبدو فى ظاهره أيديولوجياً لكنه يختزن عمقاً استراتيجياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وأمنياً. إذن هو نقاش حيوى وملح ذو أهمية خاصة لمصر لمائة سبب وسبب. لكن اللافت فى هذا النقاش الذى ربما تصاعد هذه الأيام بمناسبة الذكرى السنوية لثورة يوليو 1952 أن جزءاً من اختلاف وجهات النظر فيه قد تحوّل إلى ما يشبه الحديث عن جنس الملائكة، وهو تشبيه مجازى يُضرب به المثل كنايةً عن الاستغراق فى التنظير الذى لا جدوى من ورائه.
بالطبع للمفاهيم العلمية دقتها وقيمتها بما لا يجوز الخلط بينها. وأساتذة العلوم السياسية والاجتماعية يفرقون بين العروبة والقومية والهوية ومفاهيم أخرى مجاورة. لكن هذا لا يبرر إنكار العروبة كحقيقة وجودية أو التشكيك فيها من باب انتقاد القومية العربية وكل ما يُشتق من الطروحات القومية عموماً ومحاولة إحداث التماهى ولو بشكل مضمر بين القومية العربية وحركات اليمين القومى المتطرف فى أوروبا وأمريكا. الملاحظ أيضاً أن هناك إصراراً شديداً وغريباً على تصوير الفشل العربى والتشرذم العربى كما لو أنهما ينفيان العروبة كحقيقة جغرافية وتاريخية ولغوية وثقافية. هناك فارق بين العروبة والمشروع العربى بحيث أن الفشل التاريخى لأى مشروع عربى وحدوى أو تكاملى لا يعنى أن العروبة وهم أو خيال. بل ولا ينفى إمكان أن تتحول الرابطة العروبية إلى مشروع عربى حينما تتغير الظروف وتتبدّل الأحوال، ولا سبب علمياً أو منطقياً يمنع من تصوّر هذا التغيير يوماً ما. إن بعض الدول الوطنية فى أوروبا كانت حتى عدة قرون قليلة مضت مجرد إمارات ومناطق تتقاتل وتتصارع، بل إن أوروبا نفسها كانت منذ ثمانين عاماً فقط أكبر ساحة حرب دموى فى تاريخ البشرية. سيقول البعض وأين نحن من أوروبا؟ وهذا صحيح ولكن أين كانت أوروبا من نفسها بالأمس وكيف أصبحت اليوم؟ المسألة كلها عندنا وعندهم محكومة بنظرية السببية المنطقية وليس الحتمية التاريخية، ويوم تتغير الأسباب ستتغير النتائج لا محالة. أما الاعتقاد باستحالة أن تتحول العروبة إلى حاضنة لمشروع سياسى واقتصادى كبير فأمر غير علمى.
والحقيقة/ المفارقة أن التيار الذى يعتقد بأن العروبة حاضنة اجتماعية وثقافية وحقيقة تاريخية استوعبت الانتماءات المختلفة من دينية وعرقية وثقافية وعلى قدر تسامحه وانفتاحه (على الأقل لدى العروبيين الجدد) لا يبدو مقبولاً من تيار ثان يعتقد على العكس أن القومية العربية تتناقض مع واقع الاختلاف الدينى والطائفى والعرقى. اختلاف النتائج هنا مبنى على اختلاف المفاهيم التى ينطلق منها كل تيار. ربما نستخدم صفة القومى أحياناً كمرادف لصفة العربى، وهذا لا يعنى اعتناق القومية كانتماء عرقى منغلق. بالإجمال لا أحد ضد تدقيق المفاهيم وضبطها، فتلك فضيلة فكرية عموماً وضرورة علمية ومنهجية على وجه الخصوص، ولكن حينما يواجه العرب ما يرقى إلى حد التهديدات الوجودية ضد أوطانهم، وجغرافيتهم السياسية، وثرواتهم، وأمنهم، بل وضد لغتهم الأم فإن تدوير الحديث عن العروبة وعن مشروع عربى لمواجهة هذه التهديدات إلى حديث عن أفكار قومية توحى بالتعصب والتطرف والانغلاق يبدو أمراً غير مفهوم.
السؤال الصحيح هو: كيف نحوّل حركة النقاش من طروحات التنظير الابستمولوجى وتأملات جنس الملائكة إلى اتجاه البحث عن عناصر مشروع عربى عاجل للحد الأدنى، وصياغة دور مصر الإقليمى فى أسسه، وأدواته، ومجال حركته، وأهدافه، والأهم شروطه وضوابطه. هناك من يقول إن العروبة ودور مصر الإقليمى كان ولا يزال معناه العلمى هو ربط (المصير المصري) مع مصير الصراع العربى الإسرائيلى والذى أصبح الآن الفلسطينى الإسرائيلى. المقولة تستدعى ملاحظات أولها أن عبارة «المصير المصرى» تبدو مخيفة وثقيلة ذات حمولة زائدة من المخاوف الانطباعية كما لو أن هناك حرباً كبرى تدور رحاها على حدودنا ومطلوب من مصر إعلان الحرب فوراً! دور مصر الإقليمى والعربى يتحدّد عاجلاً بالسعى لإيقاف تسارع حركة انهيارات الجغرافيا السياسية فى المنطقة وتحييد المخططات الغامضة المطروحة، وعلى المدى المتوسط بخلق حالة اقتناع عربى بأهمية التطوير الجذرى لمؤسسات جامعة الدول العربية، وتنشيط حركة العمل العربى المشترك فيما هو اقتصادى وتنموى وسياسى ودبلوماسى وأمنى، وعلى المدى البعيد بوضع ما سبق موضع التنفيذ.
بخلاف المنطق الاستراتيجى إذا أمسكنا بالورقة والقلم لتقدير العائد الاقتصادى لدور مصر العربى فإن أموراً ملتبسة تبدو أكثر وضوحاً. كون أن المصريين فى دول الخليج يحصلون على رواتبهم مقابل دورهم وجهدهم مثل غيرهم فهذا لا ينفى وجوب الاعتراف بهذا الواقع وفوائده للاقتصاد المصرى. لا يمكن تبسيط المسألة بعبارة «مثل غيرهم» لأنه ليس سراً أن للمصريين تفضيلاً وأولوية فى الوظائف النخبوية فى دول عربية مثل القضاة وكبار الخبراء والأطباء والمستشارين لدى جهات عليا. لقد رأيت وعايشت بنفسى كيف يعامل الإخوة اللبنانيون العمال المصريين البسطاء بقدر كبير من الحب والاحترام والتعاطف قلّما يحظى به الآخرون. هذا لا ينفصل أبداً فى العقل الباطن للشعوب عن مكانة مصر، ودورها، وتضحياتها التاريخية، وقوتها الناعمة. وإذا كانت اللغة العربية أحد مقومات عروبة مصر التى ضجر البعض بها فهلا حسبنا بالأرقام ما عاد على مصر اقتصاديا بشكل مباشر وغير مباشر من مجمل بيع صناعاتها الثقافية والإبداعية من مؤلفات وكتب وأفلام ودراما وغناء وموسيقى وغيره على مدى مائة عام.
مشكلة مصر ليست مع العروبة ولا مع محيطها العربى مهما كان يعج بالخيبات والأزمات، مشكلة مصر الحقيقية كانت دائما فى داخلها ومع نفسها. فلنمض بحركتين، حركة البناء والتنمية طويلة النفس فى الداخل، وحركة ممارسة دور إقليمى وعربى نشيط لمواجهة وترويض الاختراقات والطموحات الإقليمية وغير الإقليمية. بقدر نجاحنا الداخلى فى البناء والتنمية بقدر ما سننجح لا محالة فى ممارسة دور إقليمى وعربى فاعل وربما رائد.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم رابط دائم: