رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الثانوية العامة.. مرآة أحوالنا وثقافتنا

لو أننا حاولنا بلا تنظير البحث عن واقع نظامنا التعليمى ومجمل أحوالنا وثقافتنا فلن نجد أفضل من نتائج شهادة الثانوية العامة هذا العام، وطيلة العقود القليلة الماضية. ثلاثة ملامح تنضح بها كما العادة نتيجة هذا العام، وهى ملامح/حقائق تتوه للأسف وسط الضجيج المصاحب لإعلان النتيجة وما يرتبط بها من عملية القبول فى الجامعات.

أول الملامح هو استمرار ظاهرة الدرجات الخارقة لأوائل الثانوية العامة والتى وصلت إلى 99.8% لعشرات من الطلاب، وهى نسبة يندر إن لم ينعدم وجود مثيل لها فى الدول المتقدمة، لا سيّما أن هذه الدرجات الخارقة لا يحصل عليها طالب واحد فلتة لكن عشرات من الطلاب. ما يثير الانتباه أيضاً هو حصول 190 ألف طالب (36% من إجمالى الناجحين) على أكثر من 90% من مجموع الدرجات، وهى نسبة تمثل فى النظم التعليمية (الناضجة) درجة امتياز استثنائى لا يحظى بها سوى قلة نادرة من الطلاب.

بدايةً بوسعنا أن نتصوّر وجود طلاب نابغين، هذا أمر طبيعى، لكن أن يصل نبوغهم إلى 99.9% وإلى حصول أكثر من ثلث إجمالى الطلاب على ما يعادل تقدير ممتاز فهذا يعنى أحد تفسيرات ثلاثة، فإما أننا نستخف بمعايير التقويم، وإما أن الامتحانات لدينا لا تقيس سوى أدنى القدرات وأكثرها سطحية وهى القدرة على الحفظ، وإما أن جوهر العملية التعليمية يكمن فى كيفية اجتياز الامتحان وليس التعليم فى ذاته، والفارق كبير بين الاثنين، وإن كنت أرجح أن ظاهرة الدرجات الخارقة مردها أساساً إلى الاستخفاف بالمعايير الواجبة للتقويم.

وهذا أمر نلمسه فى ظواهر شتى فى مجتمعنا ابتداء من ظاهرة تقارير كفاءة الأداء لدى موظفى الدولة وحتى منح درجات الدكتوراه والماجستير ومروراً بظاهرة حصول طلاب جامعيين على 23 و24 من 20 درجة. لا يمكن لعاقل أن يقتنع بأن كل الأجيال التى تخرجت فى الثانوية العامة فى مصر قبل استشراء ظاهرة الدرجات الخارقة وكانوا يحصلون على 75 و80% هم أقل ذكاء ونبوغاً من الجيل الحالى، ومن هؤلاء أحمد زويل ومصطفى السيد ومجدى يعقوب وفاروق الباز وغيرهم! وبالرغم من أن البعض ينتقد أو يتساءل حول مدى معقولية ظاهرة الدرجات الخارقة لطلاب الثانوية العامة فإن نظامنا التعليمى يبدو وكأنه يستمرىء الظاهرة ويعتقدها دليلاً على نجاحه! ناسين أننا لا نعيش فى هذا العالم وحدنا. الملمح الثانى الذى يشى بالخطورة دون أن يثير قلقنا هو اعتراف أوائل الثانوية العامة أنفسهم باعتمادهم الأساسى على الدروس الخصوصية التى يتلقونها خارج المؤسسة التعليمية،

بل إن بعضهم يعترف فى شجاعة بأنه لم يكن يرتاد المدرسة تقريبا. أمر الدروس الخصوصية ليس جديدا بالطبع، فجميعنا يدركه ويلمسه وربما يتواطأ معه، فليس منا من لم يكن له أولاد عاشوا أو يعيشون هذه الازدواجية التعليمية. أبادر بالقول إن الدروس الخصوصية واقع لا تخلو منه مجتمعات أخرى غيرنا لكن الفارق بيننا وبين الآخرين يبقى كبيرا. فالدروس الخصوصية لدينا أصبحت تعليما موازيا بكل معنى الكلمة، والأخطر أن الطلاب المتفوقين يقبلون عليها بنفس درجة إقبال الطلاب ذوى المستوى الضعيف أوالمتوسط، ويُقال إن الكثير من المدارس الخاصة ذات المصروفات الباهظة تسللت إليها هى الأخرى ظاهرة الدروس الخصوصية. الكارثى فى الظاهرة أنها لا تقصم ظهور الأسر الفقيرة فقط لكنها تعنى تغييب مؤسسة المدرسة عن أداء دورها التربوى والقيمى والأخلاقى فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى مثل هذا الدور. يبرر البعض منا كآباء قبولهم بواقع الدروس الخصوصية وتواطؤهم معها كضرورة للحصول على مجموع مرتفع،

وبالتالى دخول كليات مثل الطب أو الصيدلة أو الهندسة ناسين أن اختفاء الدروس الخصوصية والدرجات النهائية لن يغير من أعداد الملتحقين بهذه الكليات، كل ما هنالك أن المتفوقين سيلتحقون بها بـ 75 أو 80% كما كان يحدث لأقرانهم المتفوقين والنوابغ فى الماضى، وستوفر الأسر المصرية نقودها ويعود للمدرسة دورها.آفة الدروس الخصوصية أنها تكرّس ثقافة تعليمية سلبية هى التعليم من أجل امتحان آخر العام وليس التعليم من أجل اكتساب المعارف والقدرات والمهارات، وهنا يكمن تحديد أصل الداء وموضع الخلل العميق فى جسد المنظومة التعليمية.

أما الملمح الثالث فهو تجذر عبارة كليات القمة فى قاموسنا الحياتى بل والتعليمى الرسمى،وهو ملمح يرتبط بثقافتنا وطريقة تفكيرنا الجمعى بأكثر مما يرتبط بالنظام التعليمى نفسه. عبارة كليات القمة تبدو أشد عباراتنا تخلفا وكشفا لضحالة تفكيرنا ليس فقط لأنه لا مثيل لها فى أى دولة متقدمة لكن ايضا لأنها أحد أسباب تواضع عملية التنمية البشرية الشاملة فى بلادنا. فالمجتمعات تتقدم والأفراد ينجحون ويرتقون حينما تتوزع الكفاءات والقدرات على كل التخصصات العلمية والمهنية التى لا تتقدم المجتمعات إلا بها. الالتحاق بكليات مثل الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو الاقتصاد والعلوم السياسية ليس بذاته ضمانة للنجاح المهنى أو الثراء المادى فنسبة قليلة من خريجى هذه الكليات هى التى تحقق ذلك لأن المسألة تتوقف على الاجتهاد والكفاءة والنبوغ. أتذكر يوم التحقت بكلية حقوق الاسكندرية وكان الحد الأدنى للالتحاق بها51٫4% بينما كنت أحد أوائل الجمهورية فى الثانوية العامة أننى كنت أختار الدراسة التى تروق لى وأجد نفسى مهيئاً لها بمعزل عن أى معيار مجتمعى سائد وقتها أو اعتبار مادى بما ستجلبه عليّ المهنة التى سأحترفها.

إننا نحتاج إلى دراسة مسحية لما يسمى بكليات القمة لتدلنا ليس فقط على المستويات الاقتصادية والمهنية لخريجيها بعد ثلاثين عاماً مثلاً على ضوء احتياجات سوق العمل ولكن أيضاً لتدلنا على مستقبل مساهمة هؤلاء فى عملية التنمية البشرية الشاملة وتقدم المجتمع. وربما لو أن جزءا من هؤلاء الذين اختاروا هذه الكليات قد ذهبوا منذ البداية لدراسات وتخصصات أخرى لنجحوا أكثر وأفادوا عملية التنمية فى بلدهم.

خلاصة الأمر أن القاسم المشترك للملامح الثلاثة السابقة هو أن نظامنا التعليمى لم يفرز بنفسه كل سلبياته وأخطائه لكن جزءا من هذه السلبيات والأخطاء تتحملها ثقافة المجتمع وطرائق تفكيره وربما عقده أيضا!


لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم

رابط دائم: