لا سبيل إلى اكتمال أى مشروع لبناء الأمة على المستوى الوطنى أو المستوى العربى العام دون التفكير مليًا فى ظروف الاجتماع الإنسانى، بمعنى ظروف بناء مجتمع يسع لسكانه شمولًا واحتواءً، ويوفر لهم كل سبل العيش الكريم، ويمنحهم قدرًا كبيرًا من المعارف التى تمكنهم من تحقيق تكيف كبير وسريع مع الظروف المتغيرة من حولهم. ورغم أهمية الجوانب السياسية والاقتصادية فى تكوين مشروعات بناء الأمة، إلا أن أصل التكوين وجوهره يكمن فيما يتصل بتكوين العلاقات الاجتماعية التى تشكل السند الرئيس فى البناء، بل إن هذه العلاقات تستغرق العلاقات الاقتصادية والسياسية أيضًا، هذا إذا نظرنا إلى الاجتماعى على أنه مفهوم شامل لكل مكونات العيش المشترك.
ونحاول فى هذا المقال أن نطرح بعض الأفكار والفرضيات العامة حول الطريقة التى يمكن أن تتشكل بها ظروف الاجتماع الإنسانى. ونؤسس هذا الطرح على ثلاث مقدمات. الأولى: أن الاجتماع الإنساني, سبل العيش بما تتضمنه من العلاقات بين الأفراد وبعضهم البعض، وبينهم وبين النظم المؤسسية، والأطر الثقافية الحاكمة للسلوك, هو الذى يشكل الأرضية التى يقوم عليها تشييد أى بناء، ولا يصح البناء ولا يكون له استمرار فى الوجود، إلا إذا كان التكوين الاجتماعى سليمًا. أقصد هنا نوعية الوجود الاجتماعى للبشر، ومستوى الحرية والاستقلال الذين يتمتعون بهما، وحجم السعادة والرضا فى حياتهم، ومستوى دافعيتهم للعمل والإنجاز والمشاركة فى صناعة المشروع المجتمعى، وطبيعة الأطر الثقافية التى يتبنونها لحكم سلوكهم وتفاعلاتهم.
فكلما تقدمت هذه العناصر وارتفعت كان البشر قادرين على أن يؤسسوا النهضة والتقدم. والثانية: إن بناء أى مشروع يحتاج إلى بشر يؤمنون به، فلا سبيل إلى بناء ديمقراطية بغير ديمقراطيين، ولا سبيل إلى بناء اشتراكية بغير اشتراكيين، كما يقال. ومعنى ذلك فإن بناء المجتمع يجب أن يؤسس على إيمان راسخ بأن بناء الأمة ليس أمرًا سهلًا يمكن لأى شخص أن يقوم به، وإنما هو علم راسخ، ومعرفة عميقة بأحوال العمران وسبل بنائه. ولذلك فإن إقامة مثل هذا المجتمع لا بد أن يعتمد على تكاتف الإرادة السياسية مع الخبرة العملية والهمة والشدة والعقل. والثالثة: أن الوعى بضرورة بناء الأمة، بتكوينها الاجتماعى فى أى مشروع للنهضة يجب أن يعى ثلاثة دروس: أحدها التعلم من دروس الماضى، خاصة التعلم من الفشل أكثر من التعلم من النجاح, والثانى ضرورة التخلى عن مفهوم بناء الدولة الوطنية عبر حراسة النظم السياسية، وتبنى مفهوم حراسة المجتمع وتحقيق أقصى درجة من الشمول الاجتماعى داخله. والثالث عدم الرهان على قوى بعينها كالدين أو القبيلة فى إضفاء الشرعية على النظام، واعتماد الشرعية العامة المستمدة من إرادة الشعب.
على خلفية هذه المقدمات يمكن بلورة الأسس التى ينهض عليها بناء الاجتماع الإنسانى المدنى. ففى مثل هذا المجتمع تكون الحاجة ملحة إلى إجماع حول قيم التنمية والحداثة، التى تدفع المجتمع إلى الأمام، وتحجب عنه كل صور الظلم والوهن الخلقى والتباعد الاجتماعى. ويعتبر خلق هذا الإجماع - الذى يتم من خلال الاتفاق على قيم مركزية تؤسس للعدل والشفافية والنزاهة - يعتبر أمرًا مهمًا لتماسك المجتمع، ووضع أفراده على طريق واحد، وهدف واحد فى تحقيق النهضة المنشودة.
إن مثل هذا المجتمع لا بد أن يكون مجتمعًا متماسكًا، لا تباعد بين أفراده، عادلًا لا ظلم يَسْرِى بين جنباته، واثقًا لا يتسرب إليه الظنون والشكوك، منجزًا يتحقق فيه كل يوم لبنة جديدة تضيف إلى اللبنات القديمة، نزيها وشفافًا يتسابق أفراده نحو تحقيق فيض العطاء والمشاركة، مدافعًا عن المصلحة العامة، منظمًا يخضع للقانون وضوابط السلطة الرسمية، وتتحول فيه أجهزة الدولة إلى أجهزة خادمة للمصلحة العليا للوطن، ويتحول فيه المواطنون إلى ذوات ملتزمة تعرف واجباتها قبل أن تبحث عن حقوقها. ولا يعرف مثل هذا المجتمع تدخل الدين فى السياسة أو الوصاية عليها، بل يدافع بشكل دائم عن إرادة المجموع وتحريرهم من الوصاية والقهر.
قد تبدو هذه الصورة للمجتمع على أنها صورة مثالية، ولكن المشروع التنموى الناهض لا يتحقق إلا بالمثل العليا والأهداف الطموحة. فمثل هذا المجتمع سوف يكون مجتمعًا دافعًا للتقدم ومحفزًا عليه، ولذلك فإنه لن يحقق فقط هذه الصورة المثالية، ولكن عليه أن يعمل جاهدًا لكى يبعد كل الصور التى تكبح عمله وتعطل مسيرته ومنها: الفشل فى إدارة الموارد الاقتصادية، وفى حوكمة الأطر المؤسسية، والتفنن فى تطوير طرق مختلفة لخرق قوانين المجتمع، وما يترتب على ذلك من تدنى مراتب الوجود الاجتماعى، وانتشار الفقر والتهميش، والفساد بصوره المختلفة، ومنع التعددية والتفتح,
أى منع المجتمع من أن يعبر عن تعدديته وميوله المختلفة، وتوجيهها نحو خدمة المصلحة العامة، وعدم وجود توازن بين السلطات المختلفة للدولة، وطغيان سلطة على أخرى، أو احتكار السلطات جميعًا لصالح اتجاه واحد أو فئة واحدة، وعدم وجود مجال عام للحوار والنقاش من أجل بلورة المصالح العملية والصالح العام فى المجتمع، أو وجود هذا المجال مع تشوه أدائه وفاعليته وتحوله إلى مجال لتأجيج الصراع بدلا من الحوار الحر المتعدد، وتراجع دور المجتمع المدنى لنقص همة التطوع والمشاركة أو عدم القدرة على الاستقلال، والتحيز لصالح فئات معينة،
ومن ثم نشر روح التباعد والفرقة التى تصب فى فقدان الروح العامة وتفتيت الذات الكلية، وعدم إنتاج القوة اللازمة للضبط والمراقبة وتنفيذ القانون والمساءلة الاجتماعية وضبط العلاقة المتوازنة بين مؤسسات المجتمع وسلطاته. وفى الختام فإن مثل هذا الحديث يجعلنا أكثر ميلا إلى مراجعة ما ذهب إليه الفلاسفة القدماء من أن الإنسان كائن اجتماعى، وأن الاجتماع الإنسانى ضرورى، ليس هذا فحسب بل الاجتماع الإنسانى المدنى المنظم الذى يخلق سياقا للنمو والتقدم وسعادة البشر هو الأكثر ضرورة. ولا خلاف على أنه شرط مهم لتكوين الظروف التى يتأسس عليها المجتمع الحديث الناهض.
لمزيد من مقالات د. أحمد زايد رابط دائم: