رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نقاش «نص البلد» عن الدور الإقليمى لمصر

فى لقاء محدود العدد شاركت باستمتاع وفضول فى جلسة عصف ذهنى شائقة عن دور مصر الإقليمى. المتعة مصدرها ثراء النقاش وما اتسم به من عملية تخصيب الأفكار التى تقود غالباً لاكتشاف حقائق جديدة. أما الفضول فمبعثه سرعة تغير الأحداث فى منطقتنا وفى العالم كله فى لحظة تعيش فيها فكرة المؤامرة أزهى عصورها، أو لنقل الاستهداف لمن لا يستريحون لكلمة المؤامرة من ذوى الظن الحسن بالقلب الطيب الكبير للقوى الدولية الكبرى! فلم يعد خافياً أن وجود مصر كقوة إقليمية متقدمة ومؤثرة هو أمر لا يرحب به الآخرون، كل الآخرين.

وما قد يُقال من إننا مهووسون بفكرة المؤامرة لأن هذه المزعومة لم تمنع من صعود وتقدم دول أخرى فى شرق آسيا مثلاً، فهذا لأن تلك القوى لم تمثل صداعاً استراتيجياً فى الرأس الغربى سواء من حيث موقعها الاستراتيجى أو مصادر الطاقة أو تهديد إسرائيل أو ارتباطها كمركز تاريخى وجيوبوليتيكى وثقافى لدول الجوار مثلما تمثل مصر بالنسبة لمحيطها العربى. فقد أدركنا بالتجربة التاريخية الطويلة كيف ينظر الآخرون لمصر كدولة/ أمة تختزن فى أحشائها بذرة امبراطورية أثارت كثيرا الهواجس فيما لو توافرت الشروط والظروف والسياقات مهما بدا ذلك اليوم أمراً بعيد المنال.

المفارقة أن فكرة المؤامرة التى يسخر منها البعض تبدو اليوم شبه معلنة، بل ولا يتردد أصحابها فى الجهر بها، كل ما هنالك أنهم يمنحونها تسميات أخرى. بالطبع وجود المؤامرة لا يعفينا من التقصير وتحمل مسئولية إخفاقنا التاريخى، فالمؤامرة معادلة لا تنجح إلا بقدر وجود متآمر ذكى أو قوى فى مواجهة متآمر عليه أحمق أو ضعيف. أما فيما عدا ذلك فكل مؤامرة ذات أطراف ندية أو إرادات متكافئة مآلها الفشل أو الانكشاف بالحد الأدنى.

ولئن كان تمحيص فكرة المؤامرة ضرورى فإن الحديث عن دور مصر الإقليمى يحتاج بدوره إلى تمحيص. فهل نقصد بدور مصر الإقليمى معناه السياسى الضيق بمعنى قدرة التأثير فى تفاعلات الأحداث والأزمات من حولنا أم نقصد به معنى أكبر وأوسع وأبعد يتمثل فى مجموع القدرات الصلبة للدولة المصرية من اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وقواها الناعمة الثقافية والتعليمية والإعلامية؟ إذا كنا نقصد بدور مصر الإقليمى المعنى الأول أى تنشيط دورها الدبلوماسى ودفع حركة سياستها الخارجية للتفاعل مع الأحداث والأزمات والتأثير فيها فهذا حاصل بالفعل،

ربما بدرجات متفاوتة من ملف لآخر ومن أزمة لأخرى. وثمة ما يشبه الإجماع على أن السياسة الخارجية لمصر تبدو اليوم موفقة وناجحة إلى حد بعيد. تبقى تساؤلات البعض بشأن خفوت أو تردد الدور المصرى فى هذا الملف أو ذاك. هنا أُثيرت فكرتان الأولى خلاصتها الترقب الاستراتيجى وعدم الاندفاع والثانية تدعو إلى دور مصرى أكثر إيجابية وانخراطاً فى أحداث المنطقة باعتبار دور مصر العربى حتميةً وليس اختياراً. بظنى أن الرؤيتين قائمتان ومتداخلتان بالفعل،

وواقع الحال يقول إن سياسة مصر الخارجية تبدو تارةً أقرب إلى الترقب الاستراتيجى وتميل تارةً أخرى إلى الإيجابية والحركة النشيطة بحسب طبيعة الأحداث والأزمات، وبظنى أن فكرة الترقب الاستراتيجى مطلوبة، وهى لا تعنى الانكفاء بل الترقب اليقظ حتى تنضج حركة التفاعلات وتتضح الحسابات والمحاذير فى وقت تخوض فيه مصر تحديات تنموية جساما. ما سبق هو مجرد مفاتيح أفكار شارك الزملاء فى حوار نص البلد فى تعميقها والبناء عليها بتصورات وسيناريوهات وبدائل، وكلها تصب فى ممارسة الدور الإقليمى لمصر بالمنظور السياسى والدبلوماسى.

لكن الدور الإقليمى لمصر بالمعنى السابق يحتاج إلى عملية تدوير للزوايا وتوسيع للرؤية ليشمل دوراً آخر أبعد وأعمق هو بناء قدرات الدولة المصرية الصلبة والناعمة على حد سواء. هذه القدرات هى التى تسبق الدور الإقليمى وتصنعه وتجعل منه النتيجة المنطقية كدور يسعى إلى أصحابه بأكثر من مطالبتهم به. هذا المعنى الثانى لا يلغى المعنى الأول أو يحل محله لكنه يعززه ويمثل رافعة له. نحن نحلم فى بناء قدرات مصر بدولة قوية ومتقدمة وملهمة، والألفاظ الثلاثة الأخيرة ليست مترادفة بل متمايزة ومقصودة.

فالدولة القوية -أولاً- هى دولة الجيش الوطنى القوى وسط حالة الفوضى والمخاطر التى تعيشها المنطقة، ولدينا من هذه الناحية جيش وطنى أصبح مضرب الأمثال فى المنطقة ليس فقط بتصنيفه العسكرى المتقدم عالمياً لكن أيضاً بما أنجزه على صعيد تثبيت أركان الدولة وشحذ الهمم وإطلاق الطاقات وتحقيق الاستقرار الداخلى. أما الدولة المتقدمة- ثانياً- فهى الدولة التى تلملم أشتات تعثرها وما ضاع عليها من زمن وفرص خلال العقود الماضية.

هنا لا يمكن لمنصف إنكار ما تحقّق فى السنوات الماضية من إنجاز فى مجال البنية الأساسية من طرق وجسور وأنفاق ومدن وتجمعات سكانية جديدة، وسياسات لمكافحة الفساد تبدو لأول مرة متسلحةً بإرادة سياسية لا تخطئها العين، والإصلاحات الهيكلية فى المجالات الاقتصادية والاستثمارية والنقدية والتى تُوجت بمعدل نمو هو الثالث عالمياً بعد الصين والهند. وجود سلبيات هنا أو هناك أمر طبيعى لا يمنع من كون المحصلة الإجمالية شديدة الإيجابية. لكن ما زالت الدولة المتقدمة التى نحلم بها هى التى تنفض عن نفسها غبار التراجع الذى لحق بمؤسسات مثل التعليم والإدارة والإنتاج والصحة. ثمة جهد هائل وجبار ينتظرنا لإصلاح هذه المؤسسات وتطويرها.

أما السمة الثالثة للدولة التى نحلم بها لكى تؤدى مصر دورها الإقليمى المطلوب فهى قدرتها على تقديم نفسها كدولة نموذج قادرة على إلهام محيطها. ربما يبدو مصطلح الدولة الملهمة غريباً، وقد يرى فيه البعض مبالغة، لكنه بالاستقراء التاريخى لمصر يمثل حقيقة. فقد قدمت مصر لمحيطها العربى فى الأعوام المائة الأخيرة أربعة نماذج لليبرالية والقومية والإسلام السياسى وحتى التصالح مع إسرائيل، وجميعها تأثر بها العرب وسعوا إلى محاكاتها بصرف النظر عما آلت إليه هذه النماذج لاحقاً، فهل تقدم مصر اليوم نفسها كنموذج قادر على التأثير والإلهام؟ لهذا حديث طويل وثيق الصلة بمسألة منظومة القيم فى مصر المعاصرة. المهم أن دور مصر الإقليمى يبدأ من بناء قدراتها كدولة قوية ومتقدمة وملهمة.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: