رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مفيد شهاب الأستاذ كما ينبغى أن يكون

من حق العالم الجليل دكتور مفيد شهاب أن يعتبر أمسية الاثنين الماضى فى مكتبة الإسكندرية بمناسبة حصوله على جائزة النيل أمسية استثنائية فى مسيرته الحافلة بالعمل والعطاء. جاء الاحتفاء أكثر من مجرد تكريم تقليدى ليبدو أشبه باستفتاء إنسانى تلقائى موثّق بالوقائع والشهادات الحيّة على شخصية الدكتور مفيد شهاب، استهله الدكتور مصطفى الفقى مدير المكتبة بمداخلة عن تاريخ المحتفى به بذاكرة يقظة ونابضة بأدق التفاصيل.

الدكتور مفيد شهاب، وبمعزل عن المناصب الوزارية التى تولاها، كان بالأساس، وما زال، أستاذا جامعياً بارزاً، لكن الجامعة لديه لم تكن محاضرةً وكتاباً أو حتى منصباً أكاديمياً (مثل رئاسته لجامعة القاهرة) بل كانت دوراً وجسراً للعبور إلى ضفة قضايا مجتمعه ووطنه. هو أحد الأكاديميين الثقات الذين تجاوزوا أسوار الجامعة وقاعاتها التى مهما بدت كبيرة تظل محدودة مقارنةً بما يجب على أستاذ الجامعة الطليعى القيام به من دور تنويرى ومجتمعى فى القضايا المتصلة بتخصصه الأكاديمى. وقد فعل الدكتور مفيد شهاب ذلك منذ بداياته الأكاديمية كمدرس شاب وحتى الآن. ولهذا فإن زوال مناصبه السياسية، وقد كان وزيراً لثلاث وزارات تحمل تسميات مختلفة، لم يؤثر على رصيده الأدبى فى المجتمع أو الاحترام الذى يحظى به بين الناس، فقد كان حاضراً بالرأى والفكرة والموقف فى العديد من القضايا القانونية والوطنية بصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف حول آرائه لأن الأمر المؤكد أنه كان ينطلق فى هذه الآراء والمواقف من أرضية وطنية مصرية خالصة.

تبقى قضية استرداد طابا التى أرادتها إسرائيل كمسمار جحا الذى يربطها بسيناء هى أكثر القضايا التى ارتبطت باسم الدكتور مفيد شهاب. فبعد أن حاولت إسرائيل التلاعب فى علامات الحدود ورفضت الانسحاب من طابا المصرية تم الاتفاق على التحكيم كآلية لحل النزاع، وكان الوفد المصرى يضم نخبة بارزة من الأشخاص الذين أعطوا من جهدهم وعلمهم الكثير. كان دور مفيد شهاب فى هذه القضية كاشفاً عن شخصيته، فلم يكن فقط مجرد أستاذ قانون دولى قدير, لكنه كان شخصاً وافر الجهد شديد الانضباط والتنظيم، وهى إحدى سماته الشخصية المعروفة. أفكاره دائماً مرتبة ومنظمة فى أحاديثه الشفهية العادية مثلما هى فى كتاباته. ولعلّ أهم موقف كاشف بظنى عن شخصيته هو حين تم تسريب شائعة مقصودة من الجانب الأمريكى بأن قرار التحكيم المرتقب سيصدر لمصلحة إسرائيل واقترح الأمريكيون أن تتنازل مصر عن قبولها قرار التحكيم مقابل خطة أمريكية للانتفاع الثلاثى المتبادل بطابا كوسيلة لحل النزاع. استدعى الرئيس المصرى الأسبق آنذاك حسنى مبارك أعضاء الفريق المصرى ليستطلع رأيهم فجاءت مجمل الآراء فى حضرة الرئيس غير حاسمة، ربما خشية تحمل المسئولية أو لمسك العصا من المنتصف أو لترك الرئيس يأخذ قراره وحده، لكن مفيد شهاب تصدى لإبداء رأيه فى شجاعة واقترح رفض الخطة الأمريكية شارحاً للرئيس مبررات ثقته فى أن قرار التحكيم سيصدر لمصلحة مصر، وقد كان بالفعل.

جانب آخر جدير بالإعجاب والاحترام فى شخصية د.مفيد شهاب نبدو أحوّج ما نكون اليوم لاستحضاره يتعلّق بما يجب أن يتحلى به المسئول السياسى من تواضع واقتناع حقيقى بأن المنصب العام هو لخدمة الناس وليس تجاهلهم أو التعالى عليهم. فقد فاجأنا الدكتور سمير تناغو أستاذ القانون المدنى المرموق فى حقوق الإسكندرية فى أثناء مداخلته بتقديم مهندس شاب حكى فى بساطة وتلقائية أنه كان يمارس أثناء دراسته بكلية هندسة الإسكندرية عملاً يدوياً شاقاً لتدبير نفقات دراسته فلمح يوماً على شاشة التلفاز الدكتور مفيد شهاب يتحدث وقت أن كان وزيراً للتعليم العالى، فما كان منه إلا أن كتب رسالة بخط يده يطالب الوزير بمساعدته ثم وضع خطابه فى صندوق للبريد ومضى. وما هى إلا أيام حتى استدعاه رئيس الجامعة وقرر صرف مساعدة مالية شهرية له بناء على اتصال الدكتور مفيد شهاب بعد قراءته خطاب الطالب عماد. ومعروف عن الدكتور مفيد شهاب أنه لا يتجاهل اتصالاً ويرد على كل مكالمة ولو لم يكن يعرف صاحبها، بل يبادر هو بالاتصال بالأرقام التى لم يستطع الرد عليها فى وقتها. لا بد أن رجلاً بهذه الدرجة من احترام الغير والشهامة لا يرد من يطرق بابه ولو لم يكن يعرفه من قبل، أن يبقى حتى اليوم محاطاً باحترام وحب الناس بمعزل عن أى مناصب تولاها فيما مضى.

ربما لا يتفق البعض مع مواقف د. مفيد شهاب المقترنة بخدمة نظام سياسى راحل عقب ثورة شعبية، وهذا حقهم، لكن ما ليس حقاّ هو أن نجرّد الرجل من الفضائل الأخلاقية والمهنية والوطنية التى طالما ظلت لصيقة بشخصيته. ولهذا كانت نزاهته الوظيفية واستقامته الأخلاقية حائلاً دون المساس به أو الاقتراب منه عقب سقوط نظام الرئيس مبارك. جوهر تميز وجدارة د. مفيد شهاب بحصوله على جائزة النيل أرفع الجوائز التى تمنحها الدولة المصرية هى بالطبع كتاباته، لأنه حصل عليها فى مجال العلوم الاجتماعية. وهنا تتسم كتابات مفيد شهاب فى الأسلوب كما فى الفكرة بسمة منهجية وأخلاقية فى آن معاً تتجلّى فى كل ما كتبه بلا استثناء، وهى شمول الإحاطة بموضوع كتابته وأمانة عرض مختلف جوانب الفكرة قبل الوصول إلى خلاصة رأيه. ولو أن الجملة لديه تتكوّن من سطرين فقط لذكر فى السطر الأول المواقف المعارضة قبل أن يخلص فى السطر الثانى إلى اجتهاده الخاص، حتى لتبدو كتاباته أشبه بتقدير الموقف فى القضايا الاستراتيجية.

تحيةّ لأستاذٍ جليل، وإنسانٍ رقيق متواضع، ورمزٍ وطنى كبير بمناسبة حصوله على جائزة النيل، وشكراً لمدير مكتبة الإسكندرية د. مصطفى الفقى لمبادرته بتكريم صاحب الجائزة فى أمسية لامست المشاعر وأثارت العقول.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: