كثيرا ما يطرأ هذا السؤال على الذهن: لماذا لم تستفد كثير من المجتمعات من الثقافة الرياضية فى تهذيب سلوك مواطنيها، وتحقيق السلم والوئام بينهم، وتمكينهم من أن يتحولوا إلى مواطنين منجزين يسعون إلى البناء أكثر من سعيهم إلى الهدم، ويجنحون إلى السلم بدلاً من التطرف وفوضى الحروب وويلاتها؟ ولماذا لم تخترق ثقافة الرياضة الجُدر الصلبة للمجتمعات؟ ولماذا لم ينتقل النموذج الذى تقوم عليه الثقافة الرياضية إلى ضمائر الناس وعقولهم؟ وثمة شرعية لهذه الأسئلة تنبع من التاريخ الطويل للألعاب الرياضية الذى يرجع إلى المجتمعات القديمة، وهى تطور دائماً من أساليبها وقواعدها لتصل بنا إلى نموذج مثالى فى التفاعل الرياضى، على درجات متباينة فى ذلك. ورغم أن التطورات السياسية والاقتصادية قد أثرت على الرياضة ومستوى استقلالها عن السياسة، وعن الاقتصاد، فإنها ظلت تحتفظ بثقافتها الخاصة، بل إنها ظلت تطور من هذه الثقافة لتصبح أكثر دقة وأكثر عدلاً. وهذا هو التناقض الكبير الحاصل فى مجتمعات العالم المعاصر، ومفاده أن النظم السياسية والاقتصادية تستفيد من دنيا الرياضة، وتحاول أن تخضعها أحياناً لمتطلباتها، ولكنها لم تستفد كثيرا من النموذج الرياضى، أقصد أسلوب التفاعل فى الأداء الرياضى بما يحمل من معان ودلالات وقيم. ونحاول فيما يلى أن نحصى بعضاً من هذه المعانى والدلالات.
ومن أول الأمور التى تلفت النظر فى النموذج الرياضى أنه يقوم على العدل، والمساواة المطلقة بين طرفين يحصل كل منهما على نفس الفرص، ويحاسب على الأخطاء بنفس الطريقة، ولا يستطيع أى طرف أن يطغى على حقوق الآخر أو حتى مناقشتها أو طرح أسئلة حولها؛ ويتحول الحَكم فى هذه العلاقة إلى طرف مستقل، هو ومن يساعده أشبه بالدولة العادلة التى تنظم العلاقة بين الأطراف فى إطار من الاستقلال وعدم التحيز لأى طرف على حساب الآخر، بحيث تسير العملية التفاعلية فى مجرى المباراة بشكل مثالى. فى إطار هذا النموذج الرياضى توجد كل القيم النبيلة التى كثيراً ما ندعو إلى أن يتحلى بها الإنسان؛ فهنا يوجد الاحترام من جانب كل طرف للطرف الآخر، وهنا يوجد الاحترام لقرارات الحكام والانصياع لها وتنفيذها؛ وهنا الثقة والتسامح والترفع.. وغيرها من القيم النبيلة التى ننشدها. صحيح أن هناك أخطاء تحدث وتكسر هذه القيم، أحياناً، ولكن الغالب الأعم أن هذه القيم هى الأكثر سيادة وانتشاراً فى العالم الرياضى.
من ناحية ثانية، فإن المباريات الرياضية دائما ما تنتهى بانتصار أحد الطرفين وهزيمة الطرف الآخر. وهنا يكون «الاعتراف» هو سيد الموقف. وتعتبر فكرة الاعتراف بالهزيمة أحد المكاسب التى حققتها البشرية من جراء الألعاب الرياضية؛ فقد كانت الألعاب فى بعض المجتمعات القديمة تنتهى بأن يقتل الطرف المنتصر خصمه، ولكن الأمر قد تطور بعد ذلك ليعترف المهزوم بهزيمته، ويكتفى المنتصر بهذا الاعتراف. وقد لعب مفهوم الاعتراف الذى انتقل من عالم الرياضة إلى عالم السياسة، وإلى الحياة بشكل عام، دوراً كبيراً فى أن تخطوا البشرية خطوات كبيرة نحو الحضارة المعاصرة؛ وأصبح التنافس فى كل المجالات يعتمد على الانتصار والهزيمة، أو الربح والخسارة، أو النجاح والرسوب، أو الفوز والفشل. ورغم هذا التحول فى المستوى الحضارى بالاعتراف بنتائج السباق والتنافس فى مجالات الحياة، فإن بعض المجتمعات مازالت تطور أشكالاً من الاستبعاد والوصاية ونفى الآخر وعدم الاعتراف به، بل خلق صور من الصراع والصدام التى تصل فى بعض الأحيان لشن الحرب على الطرف الآخر أو قتله؛ ولذلك فإنه كلما تكاثرت الحروب، تراجعت الحضارة عن مفهوم االاعتراف«، وخسرت كثيرا من مكتسباتها التاريخية. وهى إذ تأخذ بالنموذج المثالى للرياضة، وتجعل الاعتراف مفهومًا محوريًا فى الحياة فإنها سوف تحقق الكثير من المكاسب.
ويقدم النموذج الرياضى - ثالثا مفهوما محترفاً للقدرة على الإنجاز والتنافس، والقدرة على تحقيق الأهداف بشكل منظم وفقاً لأطر تدريبية، مع تنويع استراتيجيات التفاعل الرياضى لتحقيق أكبر درجة من الإنجاز. والأكثر من هذا هو سلوك القيادة داخل المباراة؛ هذا القائد الذى يحمل شارة القيادة، ولكنه يتخلى عنها لمن يأتى بعده فى ترتيب الأقدمية، دون أن يناقش ودون أن يعترض؛ فهو يتخلص من شارة القيادة سريعاً فور أن يصدر له الأمر بالخروج، ويناولها إلى رفيقه بهدوء. وفى هذا السلوك درس مهم فى أمر نقل السلطة أو تفويضها، وفيه درس أيضاً لأولئك الذين يخافون من عمليات تفويض السلطة أو التخلى عنها عندما ينضب الأداء ويشح العطاء.
وقد لا يتوقف الأمر عند هذه الدروس التى يلقنها النموذج الرياضى لمجتمعاتنا المعاصرة، بل يتعداه إلى النظر فى الدور الاجتماعى والثقافى الذى تلعبه الرياضة فى حياة الشعوب. فالرياضة بما تحمله من مهرجانية الألوان، وبهجة التنافس، وآمال الفرح بالانتصار، بكل هذا وغيره، فإنها (أى الرياضة) تخرج الشعوب من روتينها اليومى، ومن أعباء حياتها؛ فتفرح الحزين، وتدخل السرور على النفوس التى أرهقتها وطأة الحياة. كما أن الرياضة تعمل على توطين ثقافة عامة عالمية، وتسهم بذلك فى خلق لغة عالمية مشتركة، وهى بذلك تقرب ما بين الشعوب، وتكسر حدة العلاقات الجامدة بين النظم السياسية المختلفة.
وبعد، ألا يحق لنا أن نعى من النموذج الرياضى درساً لتحسين وجودنا فى العالم كأفراد؛ فيسعى الفرد منا نحو تحقيق العدل والانصاف، ويعمل فى إطار من الاحترام والثقة والاعتراف بالقدرات والجدارة والاستحقاق، وتسليم الراية للأجيال الجديدة عندما يشبون عن الطوق. وأيضاً ألا يحق للمجتمعات أن تعى النموذج الرياضى فتعلم أولادها ممارسة الرياضة منذ الصغر واستيعاب ثقافتها، وأن تعى دروس الاعتراف وتسليم الشارة. أعتقد أننا جميعًا بحاجة إلى استيعاب واستدماج الثقافة الرياضية فى تفاعلاتنا اليومية حتى يتسنى لنا رؤية الحياة بنظرة مختلفة، أو قل بنظرة مثالية.
لمزيد من مقالات د. أحمد زايد رابط دائم: