رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن أحقية مصر فى استرداد رأس آمون

ما أقدمت عليه مؤخراً دار Christie البريطانية بعرض وبيع رأس أثرى بملامح وجه توت عنخ آمون يثير قضيةً قديمةً ومتجدّدة. فمسلسل الاتجار غير المشروع بالآثار المصرية ما زال يتواصل منذ قرون. ندرك أن للظاهرة جانباً اقتصادياً له أباطرةٌ ووسطاءٌ وقاعاتُ مزادات وتداول، لكن الإدراك واجب أيضاً بأننا أمام حالة تلبس فى وضح النهار بحيازة ممتلكات تراثنا الثقافى المسروقة. يطول الحديث فى هذه القضية متعدّدة الجوانب. هنا فى حدود المساحة المتاحة ملاحظات حول المسئولية القانونية لدار كريستيز وغيرها من قاعات عرض وبيع الآثارالمصرية خارج مصر.

تقول كريستيز إن لديها ما يثبت ملكية حائز رأس آمون متجاهلةً أن المسألة ليست هنا لكن فى عجزها عن إثبات مشروعية خروج هذا الأثر من مصر بما يعنى أنه أثر مسروق ومهرّب. يُفترض أن دار كريستيز مُلمّة بالجوانب القانونية للمسألة، ولديها خبراؤها بالطبع، ولعلّها تستند إلى اتفاقية اليونسكو لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية لسنة 1970التى تمنح الدول حق استرداد الآثار المسروقة منها ابتداء من عام 1970 فقط. ومعروف أن جزءاً كبيراً من آثار مصر تم نهبه وتهريبه خارج مصر قبل هذا التاريخ. الاتفاقية تكرّس وتُطهّر ضمنياً كل حالات سرقة الآثار وتهريبها وحيازتها والاتجار غير المشروع فيها التى تمت قبل عام 1970 (فيما يشبه غسيل الآثار)، وبرغم ذلك فى الاتفاقية إيجابيات إذ تحظر نقل ملكية الآثار سواء كانت نتاج حفائر أثرية قانونية أم غير قانونية، لكنها تفاجئنا بالنص على أن حجز وإعادة الآثار المهرّبة بعد عام 1970 مشروط بأن تدفع دولة المنشأ الطالبة تعويضاً عادلاً للمشترى بحسن نية أو للمالك بسند صحيح (المادة 7 من الاتفاقية).

والواقع أن اتفاقية اليونسكو ليست أكثر من إطار تعاهدى للتعاون الدولى فى مجال مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية لكن يظل القانون الداخلى للدولة المتضررة صاحبة الحق هو مصدر التجريم وأساس الملاحقة القانونية، كما تعتبر المبادئ القانونية فى النظم القانونية المعاصرة أساساً إضافياً معزّزاً للمطالبة بحق مصر خصوصاً أن الاتجار غير المشروع فى الأثريات يبدو جريمة منظمة غير وطنية يمكن أن تندرج تحت طائلة اتفاقية الأمم المتحدة (باليرمو) لسنة 2001. فهى نشاط لجماعات منظمة عبر الحدود، وممارسة للفساد المتمثل فى اختلاس الآثار العامة وتهريبها، وضرب من ضروب غسيل الأموال أحياناً، وعرقلة لسير العدالة، وهذه بالتحديد أفعال منصوص عليها فى اتفاقية الأمم المتحدة التى كانت بريطانيا من أوائل الدول التى انضمت إليها وصادقت عليها!!

تعوّل دار «كريستيز» على الادعاء بأن الحيازة سابقة على تاريخ العمل باتفاقية اليونسكو، ولهذا صرّحت فى اطمئنان بأن تعقب الآثار لآلاف السنين أمر غير ممكن! هنا يلوح تهافت حجة «كريستيز» لأن جريمة حيازة آثار مسروقة هى بالتكييف القانونى الدقيق فى كل الأنظمة القانونية المعاصرة مما يسمى بالجرائم المستمرة، ما يعنى أن مدة تقادم هذا النوع من الجرائم لا تبدأ إلا منذ تاريخ انتهاء الحيازة أى عملاً من تاريخ اكتشاف الجريمة. وبالتالى لا يحق لجهة أو فرد الادعاء بتقادم جريمة حيازة آثار مسروقة. يُضاف إلى ذلك أن القانون المصرى ينص على ان جرائم الاعتداء على الآثار أو الاتجار فيها لا تسقط بالتقادم.

تتنصل دار «كريستيز» من مسئوليتها وتحاول اختزال القضية فى مجرد نزاع مدنى تدعو مصر إلى معالجته مع حائزى الأثر، وتتجاهل أنه لايمكن بحث مدى مشروعية حيازة الأثر بمعزل عن القانون المصرى رقم 117 لسنة 1983 والمعدّل فى 2018 والذى يعتبر الآثار من قبيل الأموال العامة، ويعتبر حائزاً بدون وجه حق كل من كان يحوز أثراً وقت صدور القانون ولم يقم بإخطار هيئة الآثار لتسجيله،ولا يجوز لحائز الأثر التصرف فيه إلا بموافقة كتابية من هيئة الآثار وبشرط ألا يترتب على التصرف إخراج الأثر خارج البلاد، وتصل عقوبة سرقة الآثار أو تهريبها فى تعديل 2018 إلى السجن المؤبد بصرف النظر عن كون الأثر مسجلاً أو غير مسجل.

تحاول كريستيز جرنا لمتاهة أن لديها قائمةً مختصرة بالأشخاص الذين تداولوا رأس توت عنخ آمون خلال الخمسين عاماً الأخيرة، وهو كلام لا يحسم مسألة مشروعية حيازة الأثر ابتداء، ما هو حاسم فى المسألة هو المستند الذى يثبت خروج الأثر من مصر بطريق مشروع لأن كل أفعال حيازة الأثر أو عرضه أو تداوله أو التصرف فيه أو الوساطة فى بيعه ليست إلا أفعالاً تبعية تستمد عدم مشروعيتها من عدم مشروعية الفعل الأصلى الذى تم به اكتساب الحيازة لأول مرة إعمالاً لنظرية la responsabilité en cascade .هكذا يتحدّد أساس المسئولية القانونية لدار «كريستيز» عن حيازة وعرض والتوسط فى بيع أثر مسروق ومهرّب. هذا الفعل مقترن بالضرورة بالقصد الجنائى لأنه لا يمكن لدار «كريستيز» الادعاء بحسن نيتها أو بانتفاء علمها بكون الأثر مسروقاً لأن حيازة الآثار، تبقى غير مشروعة ما دامت غير مسجلة أو غير مرخص بحيازتها. وحتى بافتراض حسن نيتها المزعوم فى البداية فإن مجرد علمها اللاحق بكون الأثر مسروقاً من خلال المطالبة المصرية كان يوجب عليها وقف عملية البيع، لكنها استمرت واستمرأت بما يجعل سلوكها فعلاً غير مشروع وفق ما يقضى به مفهوم الجريمة المستمرة السابق الإشارة إليه. لا مجال إذن للقول بحسن نية «كريستيز» لأنها دار متخصصة فى التعامل مع الآثار والأعمال الفنية، وليست وسيطاً عادياً كآحاد الناس.

تبدو المفارقة فى النهاية أن القانون البريطانى يوجب على حائز رأس آمون الحصول على ترخيص إذا ما أراد إخراج الأثر من بريطانيا لكن دار «كريستيز» تنكر على مصر دولة المنشأ وصاحبة الأثر المسروق أن تسترد أثرها لأنه لم يخرج منها بترخيص!!قيام مصر بإخطار إنتربول وسعيها للمطالبة القضائية بحقوقها هو خطوة فى الاتجاه الصحيح، ليس فقط لاسترداد رأس آمون، ولكن كرسالة أيضاً بأن مصر لن تسكت على استباحة حقوقها القانونية. وهل كانت بريطانيا التى أبحرت ثمانية آلاف ميل إلى جزر فوكلاند لتسكت عن حقوقها؟!


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: