يصعب تجاهل الكتابة عن فيلم الممر للمخرج شريف عرفة برغم كل ما كُتب عنه. الفيلم لا يلامس المشاعر الوطنية فقط بل يتدفق بمجموعة من المعانى والخلاصات التاريخية والسياسية والاجتماعية التى نحتاج اليوم لاستحضارها. فالسينما التى سماها الناقد الفرنسى كانيدو بالفن السابع لاتقدم فقط المتعة والإبهار والتسلية لكنها أيضاً أداة جمالية للتوثيق التاريخى وصناعة الذاكرة الوطنية بل الإنسانية عموماً. ولعلّ من شاهد عشرات أفلام هوليوود المتقنة عما تعرض له اليهود فى الحرب العالمية الثانية يدرك أحد أبعاد التعاطف الغربى مع إسرائيل وتجاهل عدالة القضية الفلسطينية. لهذا يحق التساؤل: أين السينما العربية مما جرى ويجرى للفلسطينيين من مظالم ومآس؟ وأين السينما المصرية إحدى أعرق صناعات السينما فى العالم من بطولات حرب أكتوبر وغيرها من الأحداث الكبرى فى تاريخنا؟...
يجيء اليوم فيلم الممر لكى ينبهنا إلى دور السينما فى توثيق تاريخنا من خلال قصة تمتزج فيها البطولة العسكرية بالأبعاد الإنسانية والسياسية، لهذا فالتحية واجبة للشخص الذى برق ذهنه يوماً بفكرة تقديم مثل هذا العمل الذى يبقى برغم أى ملاحظات نقدية فيلماً ملهماً بمعان لا تخطئها العين.
المعنى الأول أن الفيلم يشتبك بإيجابية مع الوعى الوطنى للنشء والشباب ويذكّرهم بفترة تاريخية لم يعاصروها بأنفسهم، ويثير فخرهم بجيش بلدهم، ويخلص وعيهم من حالة الارتباك والتشوّش التى لاحقته بفعل عوامل شتى لا مجال هنا لمناقشتها. ولهذا كانت الملاحظة اللافتة أن أغلبية المشاهدين من الشباب. هنا يتأكد دور الفن فى حياة الشعوب وخصوصاً فى مراحل التحوّل حينما تلتبس وترتبك القيم فى عقول ونفوس الشباب، ولهذا تصبح فنون الموسيقى والغناء والرواية والمسرح والشعر مدعوّة لأن تقول كلمتها فى قضية الوعى الوطنى ليس بلغة دعائية أو شوفينية جوفاء لكن بلغة عاقلة ومقنعة وصادقة. فيلم الممر لا يسهم من فراغ فى صناعة الذاكرة الوطنية بل بقوة الواقع وبرهان الإنجاز والانتصار من خلال قيام قوة كوماندوز مصرية بالتسلل خلف قوات العدو وتدمير معسكر إسرائيلى وتحرير مجموعة أسرى مصريين تصادف وجودهم فيه. فى الفيلم تذكير كنا نحتاج إليه بمسألة الثقة فى الذات أمام المحن الكبرى والأيام العصيبة، تلك هى اللحظات الذهبية برغم مأساويتها التى تعيد فيها الشعوب والأمم اكتشاف نفسها وإرادتها.
المعنى الثانى فى فيلم الممر أنه يقدم مراجعة ذاتية شجاعة وأمينة لأخطائنا بدءاً من الدخول المتسرع فى حرب يونيو 67 من خلال مشهد جنود غير مدربين يتم إرسالهم إلى جبهة القتال بجلابيب وعيون زائغة إلى درجة أن بطل الفيلم الضابط أحمد عز يرفض قبولهم فى البداية ثم ينصاع للأوامر فى النهاية. نقل إلينا الفيلم مشاعر التمزق لدى بعض القيادات الوسطى بين الرغبة فى القتال، وأوامر بانسحاب عشوائى لا بد من تنفيذها. بدا مؤثراً مشهد المحاجاة بين الضابط «أحمد عز» وقائده الأعلى الذى يطلب منه الانسحاب وإلغاء العملية خلف قوات العدو خشية انكشاف أمرهم فيذكره بيوم أن أرغموه فى يونيو 67 على تنفيذ أمر الانسحاب ضد رغبته وإرادته فى مواصلة القتال فلا يملك القائد سوى الموافقة على مغامرته العسكرية البطولية. فى مشهد عابر يوحى الفيلم بأزمة الصراع المكتوم بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر حين ارتبك الضابط الغيور أحمد عز فى مواجهة ضابط زميل يسأله أين مكتب القائد؟ فينظر أحمد عز بطرف عينه إلى صورة عبدالناصر المعلّقة على الحائط ثم يدير وجهه بسرعة ليصف له مكتب القائد قائلا فى الآخر على الشمال وكأنه يعبر عن حيرته الداخلية بين المسئولية السياسية لعبد الناصر والمسئولية العسكرية لعبد الحكيم عامر. شجاعة النقد الذاتى بدت أيضاً فى مشهد خاطف يجيب فيه موشيه ديان على تساؤل أحد القادة بشأن مدى صواب اتباع نفس الخطة المعروفة لتدمير الطائرات المصرية المكشوفة على مرابض المطارات التى سبق استخدامها من قبل أن المصريين لا يتعلمون من أخطائهم. إن فيلماً كهذا يقدم مراجعةً ذاتية واعترافاً بالخطأ، هو فيلم لا يتسم بالشجاعة فقط بل يبعث على الثقة ويمنح الأمل، فلن نقتحم المستقبل بنجاح ولن ننهض ونأخذ مكاننا الجدير بنا فى هذا العالم ما لم يبدأ كل شيء فى حياتنا بالمراجعة ونقد الذات.
المعنى الثالث الذى أعتقد أنه لن يغيب عن ملاحظة الإسرائيليين أنفسهم وحرصهم المتوقع على مشاهدة فيلم الممر وتحليله مثلما كانوا حريصين على متابعة حفلات أم كلثوم وملاحظة وجود ملقن خلفها فى حفلتها الأخيرة قبل الحرب واستخلصوا من ذلك ما استخلصوه.. هذا المعنى يكمن فى تفنيد الرؤية الدينية التوراتية للصراع العربى الإسرائيلى من خلال النقاش المتراشق بين قائد العملية وبين الضابط الإسرائيلى وكيف ظهر الضابط المصرى مثقفاً سياسياً واعياً بالجذور البعيدة للصراع مع إسرائيل واثقاً من عدالة قضيته ليس الوطنية فقط نتيجة احتلال سيناء فى حرب 67 ولكن التاريخية والاستراتيجية أيضاً بدحض المزاعم والأساطير الإسرائيلية.
معنى آخر دقيق ومهم يقدمه الفيلم فى شجاعة يتعلق بأهلنا من بدو سيناء. فما كان لهذه العملية البطولية أن تنجح فى تدمير المعسكر الإسرائيلى وإنقاذ من فيه من أسرى مصريين بغير أبو رقيبة دليل المجموعة المصرية فى صحراء سيناء، ولولا قبيلته ودور أخته فرحة أثناء احتجازه من قبل الإسرائيليين. لا أعرف ما إذا كان لدينا كتاب مرجعى كبير يوثّق بطولات أهل سيناء أم لا، لكن على أى حال نجح فيلم الممر بدرجة امتياز فى تسليط الضوء على بطولات أهلنا فى سيناء وهم الورقة التى طالما حلمت بها إسرائيل وحاولت اللعب بها. لكن مرة أخرى تجلّت شجاعة المعالجة السينمائية فى طرح قضية العلاقة بين المركز فى الوادى والأطراف فى سيناء والنوبة. بدا ذلك فى كلمة فرحة البدوية التى تزوجت فى نهاية الفيلم أحد أفراد المجموعة البطولية وهى تخاطب بعفوية أفراد المجموعة بكلمة انتم المصاروة فيصحح لها الضابط المصرى كلمتها معاتباً. ثم كانت عبارتها المؤثرة فى نهاية الفيلم حتى تصير السكة بينا واصلة.. ويا لها من عبارة!.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: