رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السوريون فى مصر

ثمة جدلٌ متناثر فى الآونة الأخيرة حول وجود أشقائنا السوريين فى مصر. وككل جدل تكبر مساحة اللغط فيه بقدر ما يختلف المنظور الذى يرى كل منا القضية من خلاله. هناك أولاً منظور ضيّق يختزل المسألة برمتها فى المنافسة التجارية التى أظهرت فى بعض القطاعات أنهم أنشط وأمهر (ما العيب فى ذلك دعونا نتعلم). هناك منظور آخر سياسى وعروبى يوجبه دور مصر القومى. ثمة منظور إنسانى يرتبط بالاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين، وأيضاً منظور اقتصادى يتعلق بجوانب تنموية واستثمارية مهمة لمصر. كل هذا مطلوب أخذه فى الاعتبار. منشأ الجدل هو تنامى الدور التجارى للإخوة السوريين فى مصر وما اقترن به وفقاً للبعض من مخالفات فى مجال الأنشطة التجارية غير المرخصة. لكن، وهنا مبعث الخطورة، فإن الحديث راح يتجه نحو التنابذ والتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعى التى أصبحت إعلاماً شعبياً موازياً متحرّراً من القيم والضوابط. بل وصل الأمر إلى رفع دعوى غريبة ومريبة أمام القضاء. ونسينا وسط هذا المناخ التحريضى أن قضية لجوء الأشقاء السوريين إلى مصر أكبر وأخطر من أن تُترك لمثل هذا النوع من التداول، وما يكشف عنه من رؤية ضيقة الأفق تتجاهل الأبعاد الأخرى للقضية القومية، والسياسية، وإلإنسانية، والاستثمارية. وبدايةً فإن أعداد الإخوة السوريين فى مصر المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين تبلغ نحو 140 ألف سورى بحسب تصريح للسفير محمد البدرى ممثل مصر لدى الجامعة العربية. لكن إجمالى الرقم يرتفع إلى نصف مليون سورى بإضافة غير المسجلين منهم فى مفوضية اللاجئين. من منظور قومى عربى قامت مصر بأداء دورها المنتظر منها كأرض ملاذ لكل العرب الذين يعيشون ظروف الحرب والدمار وقسوة الحياة فى بلدانهم. فعلت مصر ذلك وهى ليست الدولة الغنية أو قليلة السكان الباحثة عن عمالة وافدة، لكن فعلته مصر وهى الدولة المكتظة سكانياُ شحيحة الثروات والموارد. ولعلً ما سيذكره التاريخ لمصر (حكومةً ومجتمعاً) أنها لم تعرف معسكرات إيواء حدودية أو مخيمات مغلقة للاجئين السوريين، ولا للإخوة الفلسطينيين من قبل، ولا لغيرهم. لكن استقبال الأشقاء السوريين كان فى قلب مدننا وأحيائنا وغرف بيوتنا ومقلة عيوننا. نقول هذا ليس عن منّة أو تفضل بل تأكيداً لدور مصر القومى الذى مارسته بالأمس القريب مع ثوار حركات التحرر الوطنى العربى والإفريقى، وطوال القرنين التاسع عشر والعشرين ومع كل المبدعين والمثقفين والكتّاب العرب الذين كانت مصر بحق موطنهم الإبداعى الذى حقق شهرتهم، ولم يسأل المصريون يوما من أين وفد هذا أو جاء ذاك حتى أن البعض لا يعرف موطن الميلاد أو بلد الجنسية الأصلية للكثيرين من المبدعين الذين تعامل معهم المصريون دائماً بوصفهم إخوة وطن. هذا الدور نفسه تمارسه مصر اليوم بنفس عاطفتها القومية وشعورها السياسى الناضج بالمسئولية مع المهجّرين واللاجئين الذين اكتووا فى بلدانهم بالهجير والرمال ونقص الثمرات وضياع الأموال وغياب الأمن والأمان. والواقع أن مصر حين تعامل الأشقاء السوريين المعاملة ذاتها التى يعامل بها المصريون من حيث التعليم المجانى والخدمات الصحية ووسائل النقل العام وحق العمل والتملك وتأسيس الشركات.. حين تفعل مصر ذلك فليس فقط إعمالاً لواجباتها الإنسانية والقانونية باعتبارها من الدول المنضمة لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 والبروتوكول اللاحق عليها لسنة 1967، ولكن أيضاً وعلى وجه الخصوص استجابة لمسئوليتها القومية التى لا تحتاج فيها مصر إلى اتفاقيات أو مواثيق، ووعياً بدورها الحضارى الذى مارسته مع كل الأشقاء العرب طوال القرنين التاسع عشر والعشرين كما أسلفت القول. وبعيداً عن كل هذه الاعتبارات فإنه من ضيق الأفق وقصر النظر تجاهل الدور النشيط والمبدع للجالية السورية فى مجال التنمية والاستثمار. فى التحقيق المهم المنشور بصحيفة المصرى اليوم فى 18 يونيو الحالى عن دور السوريين فى سوق المنسوجات فى مصر شهادات ودروس جديرة بالتأمل. فالإخوة السوريون كانوا أصحاب باع كبير فى هذا المجال فى المنطقة العربية قبل اندلاع الصراع الأهلى عام 2011، وليس عيباً أن نستفيد منهم ونجارى اجتهادهم ونجاحهم. لقد بدأوا من نقطة الصفر وتجاوزوا فى مثابرة وهمة لحظات الضياع واليأس.

يقول حسّان التاجر السورى النشيط فى التحقيق المشار إليه بكلمات بسيطة لكن عميقة التشخيص اكتشفنا أن المُصنّعين فى مصر قليلون لكن المستوردين كثيرون جداً، استطعنا تحقيق التوازن فى السوق المصرية بين التصنيع والاستيراد. قدمنا للمستهلك المصرى احتياجاته بجودة أكبر وبسعر أكثر عدالة. أى شىء فى الدنيا ليس له منافس طبيعى يكون المسيطر هو الذى يتحكم فى سعره. التطور الذى لحق بصناعة المنسوجات على يد الإخوة السوريين له أمثلة أخرى فى قطاع المطاعم وخدمات توصيل الأطعمة إلى المنازل. هذا أمر مفيد ومطلوب لنا كمصريين مادامت كانت المنافسة إحدى شفرات الإبداع الإنسانى. أما الترهات الخائبة على وسائل التواصل الاجتماعى أو دعاوى وجود مخالفات فى ممارسة الإخوة السوريين بعض الأنشطة التجارية فهناك قانون يطبق على الجميع من سوريين ومصريين على حد سواء، وسلطات مراقبة وإنفاذ تطبيق القانون فى مصر يقظة وغير محتاجة لتحريض من هنا أو مناكفة من هناك.. فى النهاية يبقى أن دور مصر العربى كملاذ قومى وإنسانى لكل عربى قُدّر عليه أن يلجأ إليها هو دور أكبر وأبعد وأعمق وأنبل كثيراً من كل ترهات أو مزاعم. ما زلت أتذكر حكاية صديقى عازف العود العالمى العراقى نصير شمّة. كان من المقرّر أن تكون القاهرة هى محطة عبور نصير شمّة القادم ذات يوم من أحزان وصراعات بلاد الرافدين لكى يستقر فى لندن، لكن حطت طائرته فى مطار القاهرة فتصبح مصر بلد استقراره وليست محطة عبوره ويعيش الموسيقى المبدع محاطاً بدفء وحب المصريين كما فعل أسلافه من المبدعين العرب. اتركوا السوريين يعملون ويجتهدون ويرتزقون ويبدعون فى وطنهم الثانى مصر، تحملهم مقلة عيوننا إن لم تحملهم الأرض التى يقيمون عليها حتى يلوح لهم صباح جديد، ويعود الوطن السورى معافى موحّداً مستقلاً لكل السوريين على اختلاف طوائفهم وأعراقهم.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: