رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فتاوى رمضان.. معان ودلالات

كلما هل علينا شهر الصيام يتكاثر الحديث حول الصيام وشروطه وأهدافه، لكن هذا الحديث كثيرا ما يزخر بطلب الفتوى حول أمور بسيطة قد تبدو بديهية بحكم العادة والفطرة، ولا تؤثر على جوهر الإيمان أو جوهر العبادة. من ذلك على سبيل المثال, الفتاوى حول بلع الريق، واستخدام شطاف الحمام، واستخدام الحقنة الشرجية، وغير ذلك من الأمور البسيطة. وفى المقابل نجد المتحدثين باسم الدين يتسابقون من تلقاء أنفسهم فى طرح فتاوى تعالج أمورا بسيطة، ولكنها تتشدد فيها، ومن أمثلة هذه الفتاوى تلك المتصلة بأكل أنواع معينة من الحلوى، وخروج النساء فى رمضان، ومضغ اللبان، وفروق التوقيت فى الإفطار..الخ. ثمة إذن طلب على الفتوى فى الأمور السطحية البسيطة، وثمة مبادرات بالفتوى فى أمور أشد سطحية، فكيف يمكن أن نقرأ هذا المشهد المتناقض. والغريب فى الأمر أن القائمين على شئون الدين لا ينكرون على العامة هذا الميل نحو الدخول فى تفاصيل بسيطة فى أمور دينهم، بل إنهم أنفسهم يدعمون هذا الموقف من خلال جرأة بعضهم على الادلاء بآراء فى أمور أشد بساطة.

قد يدعونا التحليل الأولى إلى أن ننظر فى شئون الناس طالبى الفتوى، ونسأل عن السبب فى انشغالهم بهذه الأمور السطحية البسيطة فى مخيالهم الإيمانى. ينصرف الذهن هنا إلى دلالات مهمة تتعلق بطبيعة الوجود الثقافى والدينى للبشر فى مجتمعاتنا العربية. فهم يعيشون فى نطاق سيطرة للحقل الدينى، وتمدده إلى كل حقول الحياة. فنحن نواجه أشكالاً من تجسيدات التدين فى حياتنا العامة والخاصة، بل وتطاردنا أينما يممنا وجوهنا. لهذه التجسيدات صور مختلفة تبدأ من التشدد والغلو وتنتهى إلى دعاوى النقد والتجديد، مروراً بالمبالغة فى طقسية الأداء الدينى، والولوج إلى دوائر التصوف أو إلى دوائر الخرافة والشعوذة. ويزخر هذا الحقل بكثير من النقد والتحذير والتخويف، ويذكر الناس دائما بأن إيمانهم ناقص. وأحسب أن هذا التمدد للحقل الدينى بما يحمل من رسائل، ومن طقوسية وشكلانية، وكثير من الابتعاد عن الأصول والجواهر، يسهم فى إشاعة ضروب من القلق على الحياة والمستقبل والمصير فى الحياة الدنيا والآخرة، تعمل بدورها على خلق نمط من التدين القلق أكثر ارتباطًا بالخوف وأكثر ابتعادًا عن الطمأنينة.

وتساعد الوسائط المعيشية للناس على انتعاش هذا القلق وانتشاره، فهذه الحياة تنبئ عن ضروب من المشقة تخلق بدورها بيئة لتوطين القلق الوجودى فى نسيج الحياة اليومية. تستقبل هذه الحياة اشعاعات الحقل الدينى التى تأتى مثقلة بمشاعر الخوف والقلق فيعمق القلق الوجودى الناتج عن ضروب المشقة المحيطة، ويبدأ فى التحول إلى قلق على الإيمان، والآخرة. قد أبالغ فى التأويل هنا بالقول بأن هذا الموقف يساعد على تكوين حالة من تحويل الأهداف الحياتية، لتتجه نحو الآخرة، ويصبح القلق على الآخرة أكثر وأعمق من القلق على منجزات الحياة الدنيا، لا بل إن القلق يصبح قلقًا على الإيمان ذاته وما يرتبط به من عبادات وطقوس، ذلك القلق الذى ينتج هذه الأسئلة البسيطة، ويفتح الأفق ممتدًا بين الدنيا والآخرة، بين العاجلة والآجلة. تصبح الحياة الدنيا هنا منطقة عبور تنتهى اليوم أو غدا، وتصبح الحياة المؤجلة فى الآخرة هى الهدف الأسمى، يخاف المرء أن تضيع منه فيقطع الطريق إليها وهو محمل بعدم يقين حول سلوكه الإيمانى والتعبدى.

إذا ما تركنا المجتمع وذهبنا إلى الجانب الآخر من النهر حيث تتدفق الفتاوى الغريبة والشاذة من منصات إعلاميه واتصالية متعددة تغرق العالم الإسلامى برمته، فسوف تتكشف لنا دلالات أخرى. يبدو المشهد هنا وكأن الحقل الدينى يخبر صراعًا بين المتنفذين فيه، فهم يتبارون فى السيطرة عليه عبر خطابات اختراقية تثير الاستغراب والدهشة وهم يذهبون فى ذلك مذاهب شتى لا داعى لأن نعدد مجلياتها، ولكنها تكشف عن حجم التنافر والصراع داخل الحقل نفسه، وهو صراع يتجلى فى صور فوقية ينزع كل منها إلى أن يستحوذ على أكبر قدر من السيطرة على الجمهور. وهو نزوع تعضده وسائل الإعلام، وقوى إيديولوجية خفية. ويكشف هذا النزوع نحو السيطرة على الحقل الدينى، ومن ثم امتلاك السلطة الدينية عن ضرب مفرط من الوصاية، يتجاوز الوصاية على العقل إلى الوصاية على الجسد أيضاً. فإذا كان العقل المؤمن يجب أن يعتقد فى هذا أو ذاك، فإن الجسد المؤمن يجب أن يمتنع عن هذا أو ذلك. إن هذا الحكم هو حكم دينى صحيح، فالأصل فى الدين هو الحلال والحرام من الفكر والقول والفعل، ولكن الوصاية المفرطة على العقل والجسد تطرق أمورًا لا تدخل بالضرورة فى باب الحلال والحرام، بل تؤشر أحياناً لا على خرق كامل لأصول الدين، بل على إدخال بدع جديدة لأنماط التدين كالإفتاء بتحريم أنواع من الحلوى، أو الإفتاء بتحريم خروج النساء أثناء الصيام، أو الإفتاء بنوع معين من الاغتسال أثناء الصيام. ولاشك أن مثل هذا الوضع يزيد من حالة القلق التى أشرنا إليها، بل إنه يحولها إلى خوف كبير من الخطيئة، يؤدى إلى استقالة العقل، فلا يلجأ إليه المؤمن ليستفتيه، ولا يطمئن إلى حكمه العقلى قدر اطمئنانه للأحكام التى تأتيه من منصات الفتوى.

وفى النهاية، فإننى أتمنى ألا أكون قد أسرفت كثيرًا فى كشف بعض الدلالات الاجتماعية والنفسية للفتاوى الغريبة، ولكن الأمر فى النهاية ينبع من قلق فكرى حول المستوى الذى يتم به تجريف العقل، والتأصيل لإطار من التدين الشكلى القلق الذى يرمى الحياة الدنيا خلف ظهره، ولا ينشغل بقضايا الحضارة والتقدم، ولا يضع أهدافًا يقينية للحياة، بل على العكس من ذلك، يزرع بذورًا للشك والخوف وعدم الاطمئنان على الحياة والمستقبل أو حتى الإيمان نفسه. وأختم بالقول بأن الإيمان الحق هو ما تطمئن إليه نفس المؤمن وما يألفه عقله، وهو وسيلة لبناء الدنيا قبل الآخرة، وبناء الاطمئنان والسكينة فى النفس وحجب كل الخوف والهلع عنها. وأحسب أن الحضارة لا يمكن أن تبنى إلا بهذا النوع من الإيمان المطمئن.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: