ها نحن نقتحم أخيرا ملف سياسة القبول فى الجامعات، أحد أكثر ملفات التعليم وعورةً ودقة، وعلى يد من؟ رئيس الجمهورية نفسه الذى كان إدراكه لأزمة التعليم الجامعى أكثر من الذين يعيشون هذا الواقع نفسه! فقد اتضح تماماً أن تعليم الكم قد أخفق فى تحقيق معايير الجودة بقدر انفصاله التام عن سوق العمل. السؤال الآن هو كيفية معالجة هذا التضخم الهائل غير المعقول وغير العاقل فى أعداد طلاب الكليات النظرية والعلوم الاجتماعية بما يتجاوز تماما احتياجات سوق العمل؟ والسؤال لا ينفك عن سؤال آخر مواز هو كيف يمكن خلق الطلب وتحفيز الطلاب نحو التخصصات العلمية المحركة لقطاعات التكنولوجيا والتصنيع والبيئة والعلوم الزراعية فى المجتمع، بل ونحو العلوم البينية وعلوم المستقبل؟ السؤالان متلازمان بحكم أن آخر الإحصاءات ما زالت تؤكد أنه بين كل مائة طالب جامعى فى مصر هناك 78 يختارون الدراسات الأدبية والاجتماعية مقابل 22 طالباً فقط يتجهون إلى الدراسات العلمية بنوعيها (التطبيقية والحقّة).
لا مفر من ترشيد وعقلنة سياسة القبول فى الجامعات برؤية متدرّجة، وبعيدة المدى، ومتعدّدة المحاور. متدرّجة أولاً لأنه ليس من الحكمة معالجة الأمر دفعة واحدة بقرارات راديكالية، ولكن يمكن مثلاً وضع خطة خمسية يتم فيها تقليل أعداد الملتحقين بتخصصات لا تتوافق مع أولويات التنمية ومتطلبات سوق العمل بنسبة 20% كل عام. وبعيدة المدى ثانياً بحيث تقترن عملية ترشيد (الكم) بعملية متوازية لتطوير (نوعية) العملية التعليمية فى كافة عناصرها. أما عن ضرورة اقتران ترشيد سياسة القبول فى الجامعات برؤية متعددة المحاور فهذا هو صلب حديث اليوم. وهنا أعتقد أن ترشيد القبول فى التعليم الجامعى يتوقف على نجاحنا فى الإجابة عن أربعة أسئلة تتعلق بـ 1- تغيير ثقافة المجتمع، 2- توافر الإرادة السياسية والتعليمية، 3- مؤازرة المجتمع الأكاديمى، 4- وجود بديل لاستيعاب الفائض من خريجى التعليم الثانوى.سؤال تغيير ثقافة المجتمع هو أهم الأسئلة على الإطلاق. هذا أمر طبيعى، فكل مشكلاتنا المتراكمة ذات منشأ ثقافى وعقلى بالأساس. مجتمعنا كان مصابا بعقدتين تخلص من إحداهما ولم يتخلص من الثانية بعد. العقدة الأولى كانت هى تقديس الوظيفة الحكومية (التمرغ فى الميري)، وقد زالت تقريباً. أما الثانية فهى عقدة شهادة الليسانس أو البكالوريوس حتى ولو كانت لا تضمن وظيفة ولا تعبر عن تعليم جيد حقيقى. وما زالت هذه العقدة مستمرة حتى اليوم بل تفاقمت حتى أصبحت نسبة البطالة بين خريجى الجامعات تمثل 27.9% بينما تبلغ هذه النسبة 3.8% فقط لدى الحاصلين على مؤهل فوق المتوسط وأقل من الجامعى وفقاً لأرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء. هذا يعنى أنه لا بد من تغيير ثقافة المجتمع وطريقة تفكيره فى العلاقة بين التعليم والعمل. التغيير الثقافى المطلوب يبدأ من إعلاء قيمة العمل فى ذاته ولو كان عملاً يدوياً أو بسيطاً أو مهنياً. لقد فعلناها من قبل فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى حين كانت فنون السينما والغناء والإعلام والشعر والأدب والفكر تُعلى من قدر الفلاحين والعمال والمهنيين والبنائين والأسطوات وتصورهم فى صورة الجدعان وملح الأرض وصانعى النماء. وما زالت أغنيات الراحل سيد درويش عن هؤلاء مؤثرة وملهمة بأرق وأرقى المعانى حتى يومنا هذا.
سؤال الإرادة السياسية والتعليمية فى تطوير سياسة القبول فى الجامعات هو وحده الكفيل بتحويل الأفكار إلى أفعال. فنحن جميعاً نرى وندرك الخلل الحاصل فى هذا الملف منذ سنين طويلة ولا أحد يريد أن يخطو الخطوة الأولى. كل وزراء التعليم العالى وهم بالأساس أساتذة جامعيون أجلّاء يدركون تمام الإدراك أن الأعداد الهائلة الملتحقة بالجامعات تفوق كل إمكانات ومعايير الجودة المتاحة لكنهم لا يقرون بذلك ولا يصرّحون به إلا بعد مغادرتهم مقعد الوزارة! علمتنا التجربة فى بلادنا أن المسئول لا يعترف بخطأ السياسات ويجهر بالانتقاد ويعثر على الحلول إلا بعد أن يصبح مسئولاً سابقاً! الجديد اليوم أن رئيس الدولة نفسه إصلاحى النزعة يمارس النقد الذاتى مثلما لم يمارسه رئيس مصرى من قبل واقتحم مشكلات وأوضاعا متراكمة ومزمنة كان السابقون يخشون الاقتراب منها، فهل نرى أصداء ذلك فى ملف التعليم الجامعى بدلاً من الـ 650 ألف درجة فوق جامعية فى عشر سنوات، وبدلاً من أقسام لغات أجنبية تمنح شهادات صورية تحت بصر وسمع الجميع؟!سؤال مؤازرة المجتمع الأكاديمى ثالثاً لا يمكن تجاهله. وقوف هؤلاء مع سياسات إصلاح وترشيد القبول فى الجامعات ضرورة لنجاح هذه السياسة. لكن تقتضى الصراحة القول إن الكتاب الجامعى يمثل مصدر الدخل المؤثر لأعضاء هيئات التدريس لا سيّما الشباب فى الكليات الكبيرة العدد، وبالتالى يتعين التفكير فى محفزات مادية أو بدائل أخرى لتقليل الطلب على الكتاب الجامعى التقليدى. ثمة أفكار مطروحة لكنها ما زالت تحتاج إلى نقاش وتعميق.
يتبقى السؤال الأخير الذى ربما يتوقف على إجابته مصير إصلاح وترشيد سياسة القبول فى الجامعات، وهو سؤال: ما البديل الذى يمكن إتاحته أمام الأعداد التى لن تتمكن من الالتحاق بالتعليم الجامعي؟ كان البديل الذى اعتقدناه متاحاً منذ ثلاثة عقود هو ما عُرف بمشروع مبارك-كول لتطوير التعليم الفنى، والذى لا يعرف أحد أين أصبح وإلى ماذا انتهى. لكن ما زال القطاع الخاص هو كلمة سر هذا البديل فى ظل ظروف الموازنة المالية الحكومية. إذا كنا نشكو كمجتمع وقطاع خاص من غياب العمالة الكفء المؤهلة وتدهور معايير اتقان المنتج المصرى فالسؤال الذى يطرح نفسه هو: لماذا لا يقوم رجال الأعمال والصناعة فى مجتمعنا بتمويل مراكز تدريب مهنى وتطوير مدارس فنية مقابل استفادتهم من العمالة الكفء المؤهلة التى يبحثون عنها؟ هناك تجارب ناجحة بل واعدة بدأها بعض رجال الأعمال بالفعل. المطلوب الآن هو تعميم مثل هذه التجارب والأفكار على أوسع نطاق ممكن. ما الذى يمنع أن تكون التجربة ألف تجربة والنجاح ألف نجاح لكى نصل إلى تعليم وتدريب مهنيين بمستوى ما بلغته ماليزيا وكوريا الجنوبية؟
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: