رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أخطر ما قاله الرئيس عن التعليم (1-3)

ما قاله الرئيس السيسى عن التعليم فى خطابه الأخير بمناسبة عيد العمال لم يسبق أن قاله رئيس مصرى فىالأعوام الخمسين الماضية. فيما مضى كنا نسمع فى الخطب الرئاسية مجرد ينبغيات وقوالب بلاغية محفوظة عن أهمية التعليم ودوره. هذه المرة نحن أمام رئيس يتجاوز الإنشائيات التى بلا روح والكلمات المنمّقة ليتحدث عن سلبيات وتناقضات نظامنا التعليمى بدرجة بالغة من الصراحة تُحسب له بكل تأكيد. نكأ الرئيس جرحا طالما تجاهلناه وفتح بجسارة وغيرة وطنية ملفات ظل مسكوتا عنها عشرات السنين، ومنها ملف الانفصال الكامل والجزر المنعزلة بين سياسة القبول فى الجامعات ومتطلبات أسواق العمل وقطاعات الإنتاج والتصنيع والتقدم التكنولوجى.

حين دعا الرئيس أصحاب الأقلام للمشاركة فى قضية تطوير التعليم الجامعى داخلنى شعور مزدوج بالرضا والتساؤل فى آن معا. مبعث الرضا أولا أننى ظللت أكتب فى هذا المقال الأسبوعى لسنوات وبإلحاح مضجر أحيانا عما آلت إليه سياسة القبول فى التعليم الجامعى فى بلادنا ولا من مجيب، وها هو الملف يُفتح أخيرا من رأس الدولة نفسه مع أنه كان الواجب والمنتظر أن يأتى ذلك من المنوط بهم المسئولية المباشرة عنه. أما التساؤل ثانيا فهو ماذا بعد ما قاله وطالب به الرئيس؟هل ننجح بالفعل فى اقتحام هذا الملف الشائك ونتحلى بالشجاعة والغيرة المطلوبين لهذا التطوير الجذرى أم نتخذ من كلمة الرئيس مجرد لافتة للتطوير نزايد عليها لا لشيء إلا لكى نرتدى قميص التطوير مع أن ما تحت هذا القميص لا يمت للتطوير بصلة؟ أقول هذا عن علم بمشروعات ومبادرات كان ظاهرها فى المجتمع وأمام الناس هو التطوير أما حقيقتها التى لا يعرفها إلا أهل البيت الأكاديمى فكانت للأسف نوعا من الشكليات والمظاهر الخادعة لا أكثر. وبصرف النظر عن أى احتمال لمضايقات شخصية عما سأقوله لتشتيت الانتباه عن جوهر القضية سأمضى أكتب طالبا حماية رئيس الدولة لإرضاء ضميرى العلمى والوطني.

ولكيلا يكون كلامى السابق ضربا من التخيّل أو التحامل فإننى أستحضر هنا مثالا حيا على أن التلاعب بلافتة التطوير بلغ حد إنشاء شعبتين لتدريس القانون باللغتين الفرنسية والإنجليزية فى إحدى كليات الحقوق العريقة بجامعة ساحلية كبرى لطلاب يدرسون 90% من مقرراتهم باللغة العربية، من مراجع عربية، ويؤدون امتحاناتهم باللغة العربية، ثم يحملون شهادة ليسانس تفيد أنهم حاصلون على ليسانس الحقوق باللغة الفرنسية أو الإنجليزية!. وحين خلصت دراسة تقييمية عن هاتين الشعبتين عُهد بها لأحد الأساتذة إلى وجوب إغلاقهما حتى يوجد العدد الكافى من الأساتذة القادرين على التدريس باللغتين الفرنسية والانجليزية أودعت هذه الدراسة فى الأدراج حتى هذه اللحظة. لحسن الحظ ما زالت نفس التجربة تمضى لكن بنجاح واحترام فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة. ولربما يكون واقع شعبة اللغات مشابها فى كليات أخرى أصبح الشكل فيها يُغنى عن الجوهر.

وجه القلق الأول فيما حذّر منه الرئيس الجسور والغيور هو أن كليات الحقوق فى مصر تضخ فى سوق العمل سنويا نحو 60 ألف خريج سنويا وفقا لأرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء. وهذا رقم يتجاوز كل احتياجات سوق العمل القانونى التى تُقدّر سنويا بما لا يتجاوز عشرة آلاف فرصة عمل. معنى ذلك أنه من بين كل عشرة خريجين من كليات الحقوق يحظى اثنان فقط بفرصة عمل. بُحّ صوتى من قبل فى القول بأن سياسة الأبواب المفتوحة على مصاريعها للالتحاق بالجامعات تتجاهل أن التوسع المنفلت فى سياسات تعليم الكم فى ظل ضعف الإمكانات من مبان وقاعات وأعداد هيئات تدريس ومختبرات ولوجستيات قد أدي، وكان لا بد أن يؤدى، إلى غياب الحد الأدنى من معايير الجودة التعليمية، ولم يحقق بالضرورة الدور التثقيفى والتنويرى الذى كان مأمولا أن تضطلع به الجامعات، وأخفق فى الوقت نفسه فى تلبية متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل مع أنه كان ومازال بوسعنا بوسائل شتى ترشيد وعقلنة سياسة القبول فى الجامعات بما يوفّق بين مقتضيات الحق فى التعليم الجامعى ومتطلبات التنمية وسوق العمل. يدافع البعض عن سياسة تعليم الكم بأن معدّل الالتحاق بالتعليم الجامعى فى مصر «28 لكل مائة شاب فى الشريحة العمرية 18-24» مازال أقل من معدّلات الدول المتقدمة التى تصل إلى 83 فى الولايات المتحدة الأمريكية، و77 فى روسيا، و98فى كوريا الجنوبية «وهى أعلى المعدّلات العالمية». لكن الحاصل اليوم أن النقاش يدور فى كوريا الجنوبية صاحبة أحد الاقتصادات الصناعية العشرة الأولى فى العالم حول مدى ملاءمة هذه السياسة التعليمية فى ظل حركة تنمية صناعية نشيطة تحتاج إلى المهارات بأكثر مما تحتاج إلى شهادات جامعية تقليدية. لا ننسى أن هناك دولا يقل فيها معدل الالتحاق بالتعليم الجامعى عن المعدّل فى مصر مثل الصين «27 طالبا لكل مائة فى سن التعليم الجامعى» والهند «14 طالبا» مع أن هذه الدول تسبق مصر بكثير فى قطاعى الانتاج والتصدير الصناعى وهما قطاعان مرتبطان بشدة بمستوى التعليم. هذا يدحض إذن مقولة إن التوسع فى سياسة القبول فى الجامعات هو الباب الوحيد لضخ الكفاءات المهنية المطلوبة فى شرايين حركة التنمية.

الوجه الآخر للقلق يتمثل فى تضخم أعداد الحاصلين على درجة الدكتوراه والماجستير لا سيّما فى مجال الدراسات الاجتماعية، والقانونية منها على وجه الخصوص، وهو تضخم يثير علامات استفهام شتي. من واقع أرقام رسمية وموثّقة منحت الجامعات المصرية خلال عشر سنوات 655 ألف درجة علمية فوق جامعية «أى دكتوراه وماجستير ودبلوم دراسات عليا»، ربما كان 80% من هذا الرقم فى مجال الدراسات القانونية وحدها. وهو رقم لا يعبر بالطبع عن حقيقة البحث العلمى فى مصر.يبرر البعض سياسة الأبواب المفتوحة بلا معايير فى الدراسات العليا بحجة البحث عن موارد مالية، لكن تجوع الجامعة ولا تأكل بشهادتها!.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم

رابط دائم: