حين كنت أدرس فى فرنسا منذ ثلاثة عقود كان لى صديق كورى يدرس الاقتصاد. كنا ندخل محل الأجهزة الفرنسية الشهير «دارتي» القريب من الجامعة وقد تملكتنا حالةٌ من الانبهار نحن القادمين من دول العالم الثالث. فى نهاية عام 1991 كنت وصديقى الكورى ندخل المحال نفسها، وغيرها فإذا بنا نجد ملابس وأجهزة كهربائية كورية الصنع تضاهى تقريباً مثيلاتها الفرنسية. انتقل الصديق الكورى من حالة الانبهار بالصناعة الفرنسية إلى الافتخار بصناعة بلده بينما بقيت وحدى أتساءل: ما الذى يمنعنا أن نكون مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو سنغافورة فنعمل وننتج ونصنع ونتقن ونصدّر إلى الخارج مثلهم؟ لدينا بالطبع نماذج ناجحة لصادرات تغزو السوق الخارجية فى مجال المنسوجات والأدوات الكهربائية والسيراميك لكن تبقى قيمة صادراتنا السنوية من الملابس أقل بكثير جداً من دول آسيوية مثل فيتنام كانت حتى عشرين سنة مضت ترسف فى أغلال التبعية والتخلف.
أحدث رقم متاح عن قيمة صادراتنا السلعية غير النفطية يبلغ نحو 25 مليار دولار عن عام 2018. الإيجابى فى الرقم أنه يمثل زيادة قدرها 10% على العام الذى سبقه، وأنه يقترن أيضاً بانخفاض فى قيمة وارداتنا السنوية بعد حقبة الاستيراد العشوائى الشره الذى شهدنا طوفانه منذ سنوات. لكن يظل السؤال الذى أطرحه هنا للنقاش هو: لماذا فى بلد المائة مليون نسمة، ذات الموقع السحرى القريب من أهم أسواق العالم، وذات أقل كلفة للعمالة فى المنطقة ما زالت قيمة صادراتنا لا تتجاوز 12% فقط من صادرات بلد مثل ماليزيا ذات الثلاثين مليون نسمة؟ الأسئلة نفسها مطروحة بشأن فاتورة الاستيراد التى انخفضت قيمتها ولو نسبياً لكنها ما زالت تتراوح حول رقم 60 مليار دولار. لا أقصد هنا استيراد المعدات المتقدمة وأدوات ومستلزمات الإنتاج الضرورية بل استيراد ما بمقدورنا واقعياً أن ننتجه بأنفسنا. ثمة اعتقاد، وأرجو أن أكون مخطئاً فيه، هو أن (معظم) قطاعنا الصناعى والانتاجى مقتنع بأن سوق المائة مليون نسمة هى سوق واسعة نهمة ترضى بأقل معايير ومواصفات الجودة. فهؤلاء المستهلكون القانعون البسطاء يمثلون حافزاً سلبياً يجعل المنتجين والصنّاع غير مبالين كثيراً بقضية الجودة والإتقان، لأن سوقهم الداخلية ترضى بأى وكل شيء!
السؤال إذن: كيف تتحوّل مقولة صُنع فى مصر من شعار نردده ولا نطبقه إلى ثقافة واقتناع وسلوك؟ بالطبع ليس المقصود هو الضغط على زر فنصبح ضمن الدول المتقدمة فى صناعة السيارات أو الآلات المعقدة أو التكنولوجيا الفائقة، ولكن الطموح البسيط هو أن نلتزم بمعايير الإتقان فى منتجات وصناعات بسيطة ومتوسطة مثل المنسوجات والملابس، والأثاث، والأدوات المكتبية، والأجهزة المنزلية وغيرها من الصناعات التى نملك إذا ما أردنا وخلصت نوايانا أن نجيدها ونتقنها ونصدّرها إلى الأسواق الخارجية، فنحن لسنا أقل من ماليزيا أو كوريا أو سنغافورة. الفارق الوحيد والحاسم بيننا وبينهم أن لديهم ثقافة للنظام والانضباط والإتقان يمكن اختزالها فى كلمتين هما (الضمير المهني). فما هو المطلوب لكى يتحقق هذا؟
ثلاثة أمور جديرة بالنقاش. أولها توعية الناس وإيقاظ شعورهم الوطنى بأهمية تشجيع المنتج المصري. بالطبع هذا وحده لا يكفى لأنه إذا كان المصرى مواطناً ننتظر منه إثبات شعوره الوطنى فهو أيضاً (مستهلك) له احتياجات وحقوق، لكن يظل مطلوباً فى كل الأحوال استخدام كل أدوات التأثير الممكنة والمقنعة لتوعية المصريين. ليس فى ذلك عيبٌ إذا كنا فى مجتمع يحتاج إلى من يخلصه من عقدة الخواجة أو السلعة ال signé ذات العلامة التجارية الشهيرة والتى أصبحت متداولة فى الكثير من محال الملابس حين يقول لك بائع على قدر متوسط من التعليم أحيانا (يا بيه دى signé) والمضحك أنها قد تكون مقلدة أو مزيفة! لقد رأينا كيف نجح الصينيون فى ترويض جموح الرئيس الأمريكى ترامب حين رفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بإقبالهم الجماعى الواسع على شراء هاتف هواوى المحلى الصنع بدلاً من جهاز آيفون الأمريكي. تكتب الأستاذة فايزة المصرى فى تحليلها الإخبارى الموجز والشيق المنشور فى أهرام 27 أبريل الماضى أنه عندما بدأت شركة أمازون الأمريكية نشاطها فى الصين كان الصينيون متعطشين لشراء البضائع الأجنبية، حيث بلغت نسبة المستهلكين الصينيين الذين يفضلون الماركات التجارية الأجنبية على المحلية 85%، وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال فإن 60% من الصينيين المستطلعة آراؤهم فى عام 2016 أعربوا عن تفضيلهم السلع المحلية على تلك المستوردة. بالطبع لم يكن تغير موقف المستهلك الصينى سوى نتاج الشعور الوطنى جنباً إلى جنب مع ارتفاع معايير جودة وإتقان المنتجات الصينية المحلية فتهاوت لديهم عقدة الخواجة التى نعانيها اليوم.
الأمر الثانى هو أهمية أن يضرب المسئولون والمشاهير ونجوم المجتمع القدوة والمثل لتحفيز الناس على الاعتزاز بمنتجاتهم الوطنية. ماذا لو فاجأنا مجلس الوزراء يوماً (بمن فيهم الوزيرة سحر نصر) وقد ارتدى أعضاؤه جميعاً ملابسهم من صناعة وطنية؟ ماذا لو تبنى تلك الدعوة نجوم المجتمع الذين تتابعهم الملايين وتقلدهم فى اختيار ملابسهم؟ وما يُقال عن الملابس يمكن بالطبع أن يسرى على سلع ومنتجات أخرى لا تتطلب تكنولوجيا فائقة تتجاوز إمكاناتنا.
الأمر الثالث يتعلق بالتزام رجال الإنتاج والصناعة بالمعايير العالمية فى الجودة والإتقان. الحديث هنا يطول ويجيده المتخصصون بأكثر مني، لكنى فى هذا المقام لا أرى مدخلاً وحيداً له سوى من بابين، أولهما باب الغرف التجارية والصناعية وباب جهاز حماية المستهلك. الباب الأول له شفرة قد لا نفهمها، أما الباب الثانى فرقمه معروف، ومكانه معلوم، والمسئولون عنه يدركون أن معرفة شفرة «صنع فى مصر» تبدأ من احترام حقوق المستهلك المصرى قبل الخارجي.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: