رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن ترتيب الأولويات فى مصر

كان للمفكر الراحل جمال حمدان مقولة هى أن أعظم سياسة خارجية ممكنة لمصر اليوم هى البناء الداخلى، كل ما عدا ذلك عاد بلا جدوى. ابن قوتك داخلياً ثم انطلق. حتى الدول العربية لن تقبل عليك وتعترف بك إلا من موضع القوة.. ثم يعود ليؤكد فى علاقة مصر بمحيطها العربى مصر ليست قلعة المصريين لكن قلعة العرب أيضاً بمعنى أنها ليست منطوية على نفسها ولا انفصالية، لكنها على العكس حصن لنفسها والعروبة. تعاصرت هذه المقولة التى قيلت منذ أربعين عاماً مع حقيقة النهوض الصينى العظيم حين كان متوسط دخل الفرد الصينى من الناتج الإجمالى المحلى فى 1980 لا يزيد على 312 دولارا سنوياً «أى ما يعادل 26 دولارا فى الشهر» ليصل بعد أربعين عاماً إلى 16750 دولارا «أى ما يعادل 1400 دولار تقريباً فى الشهر» من هنا يحق التساؤل وفقاً لأى معيار تتحدّد الأولويات؟ وهل تتطابق بالضرورة طموحات الشعب مع أولويات الدولة «بمعناها المؤسسى»؟

لنتفق ابتداء على أن ترتيب الأولويات جزء من «شفرة» النجاح لا سيما فى البدايات. يتوقف هذا النجاح بالطبع على ذكاء ورشد عملية ترتيب الأولويات. فقد يكون للفرد, كما للدولة, قدرات وإمكانات كبيرة لكن السعى إلى توظيفها واستخدامها بشكل عشوائى وغير مدروس قد يأتى بمردود متواضع، وربما يكون مصدر إنهاك وإرباك أحياناً. ولعلّ السؤال الجدير بأن نطرحه «اليوم» هو هل تصلح كل طموحات الأفراد البشرية المشروعة والمستحقة لأن تكون أولويات واجبة التطبيق للدولة؟ نظرياً ليس هناك ما يحول دون ذلك بل هو بالتأكيد أمر محبّذ ويعنى تسجيل درجة النجاح الكاملة فى مسيرة تقدم الشعوب والدول، لكن من الناحية الواقعية يختلف الأمر. فحين تتراكم المشكلات وتتعقّد، وتزداد وطأة الاحتياجات وتثقلها قلة الموارد، وفوق ذلك تتباين مطالب وتطلعات البشر، وتتفاوت أحوالهم الاقتصادية والمعيشية وأيضاً السياسية والثقافية فإن الحاجة إلى ترتيب الأولويات تغدو ضرورةً قصوى وملحّة.

«اليوم» تبدو مصر كالصين فى العام 1979 أى أننا نواجه تقريباً نفس ما واجهته الصين منذ أربعين عاماً بالضبط. كان للصين احتياجات وتطلعات بقدر عدد سكانها البالغ آنذاك 980 مليون نسمة. قادت الصين أكبر عملية نجاح ذكى ورشيد وبراجماتى فى ترتيب الأولويات شهدها التاريخ الحديث فى ظل ما كانت تعيشه من معدلات الفقر وانخفاض مستويات المعيشة وأحوال الصحة والتعليم. كان معدل النمو الاقتصادى فى الصين, 1.6 % «بالسالب» فى عام 1976 وفى العام 2017 بلغ الناتج المحلى الإجمالى 12 تريليونا و240 مليار دولار أمريكى ليأتى ثانياً على المستوى العالمى. أما على مستوى القفزات العلمية والتكنولوجية فتحتاج إلى حديث مستقل.

السؤال هو ماذا فعلت الصين لتصبح ثانى أكبر قوة اقتصادية فى العالم وواحدة من أهم القوى الصناعية والتكنولوجية والعسكرية خلال أربعة عقود لا أكثر؟ بالطبع تتعدّد الإجابات وتتنوع التفسيرات وكلها بقدر إنجازات ونجاحات الصين لكن المؤكد أن وراء ذلك كله كان هناك منهج لترتيب الأولويات. واجهت الصين معضلة الاختيار بين التحوّل السياسى بما يعنيه من تغييرات مطلوبة وبين النهوض الاقتصادى وما يرتبط به من متطلبات التقدم فى مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا. كانت المواجهة واضحة وصريحة وبلا تردد وكان الاختيار أولا لبناء دولة متقدمة قوية ومجتمع ترتفع مستويات معيشته بشكل متدرج ومتصاعد توفر له الدولة خدماته الأساسية من تعليم وصحة ومواصلات وسكن بمعدلات جودة تليق بدولة متقدمة «وإن كان متوسط دخل المواطن الصينى يُصنّف اليوم ضمن الشريحة العليا فى الدول متوسطة الدخل». أما التحوّل السياسى فبدا مختلفاً وفريداً إذ ظلت الصين كما نعرف بعقل سياسى تقوده حكومة مركزية قوية وحزب «ما زال شيوعياً بالاسم» لكن الواقع كان يتحدث بلغة العصر وقوامها الانفتاح على العالم، والقطاع الخاص المنضبط المؤمن بمسؤوليته الاجتماعية وإصلاح التعليم، وتكافؤ الفرص، والنهوض بالبحث العلمى، ومكافحة الفساد، واستنهاض الإرادة الوطنية للشعب الصينى وإيقاظ طموحه. كل هذا كان يتم على يد دولة مؤسسات قوية تعمل فى مثابرة وصمت بلا شجار أو معارك مفتعلة ولا تصفية حسابات تاريخية أو سياسية أو تنازع على سلطة.

هل يعنى ذلك أن الصينيين هم ملائكة او عباقرة العصر على الأرض؟ بالطبع لا. هم بشر لديهم نفس الضعف والغرائز الإنسانية، ونفس التطلعات المتباينة، وربما المتصارعة، لكنهم أدركوا فى لحظة ما وسط الفقر والمرض والتخلف أنهم بلا شيء تقريباً سوى تاريخ عريق مجيد من الحضارة أصبح وراء ظهورهم بآلاف السنين، والتاريخ وحده لا يقدم طعاماً أو كساء أو دواء أو علماً أو قوة لطوفان من الأفواه كانت تحتاج إلى ثلاثة مليارات وجبة غذائية كل يوم. لكن من الذى أدرك ذلك تحديداً ومن وضعهم على الطريق الصحيح ومن أعاد ترتيب أولويات الصين؟ هل الحكومة أم المجتمع؟ هل دنج هسياو بنج مؤسس النهوض الصينى العظيم أم دولة المؤسسات التى عملت معه؟ بالطبع الحكومة هى من دبّرت وخططت وفى القلب منها كان فى البدء دنج هسياو بنج لكن المجتمع هو من زرع وصنع واخترع. هل يعنى ذلك أن الصينيين ليسوا تواقين إلى حرية الرأى والتعبير والتظاهر وتداول السلطة؟ هل الصين ستبقى عصيّة على التحول السياسى والديمقراطي؟ أغلب الظن أن الصين لن تظل استثناء على حركة التاريخ، لكن أغلب الظن أيضاً أنها ستدخل حقبة التحوّل السياسى الكبير من باب القوة الاقتصادية، والتقدم العلمى، والحراك الاجتماعى الناجح، وتراكم الوعى الناضج بالمصلحة الوطنية. وإلى أن يتحقق ذلك بفعل قوانين النشوء والتراكم والتطور ستظل الصين تعمل وتنجز وتدهش العالم. هل بوسعنا أن نكرّر النموذج الصينى؟ لم لا؟.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: