رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تغير الدساتير... نحو مفهوم للدولة التشاركية

يقول ابن خلدون فى سياق حديثه عن ضرورات العمران«إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما فى طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم» وتدل هذه الكلمات الخلدونية على حقيقة مهمة من حقائق العمران البشرى، وهى أنه لا يستقيم له شأن، ولا ينتظم انتظاماً مستقراً إلا من خلال شكل من أشكال التنظيم السياسى يسميه ابن خلدون الوازع، ويعنى به السلطة السياسية التى تنظم شئون الناس، وتدفع عنهم شرورهم «فلا يستطيع أحد أن يسيطر على الآخرين برغباته وشهواته الحيوانية»، لأن الوازع إذا ما رفع تستيقظ الغرائز النائمة، وينتفى العقل أمام زحف الغريزة والنوازع الحيوانية. وعلى هذه الخلفية أكد الفلاسفة عبر العصور أن الإنسان اجتماعى، أى أنه يختلف عن غيره من الكائنات الحية بأنه قادر على تنظيم حياته، وعلى تأسيس العمران على أسس من التعاون، وعلى القدرة على ضبط الغرائز ذات الصبغة الحيوانية، وذلك عبر أساليب من التنظيم السياسى، تكون مهمتها الأساسية هى ضبط العلاقات بين الناس وتنظيم شئونهم وتوجيه نشاطهم نحو أهداف واضحة. ولقد شهدت المجتمعات عبر تاريخها صورا مختلفة من النظم السياسية التى يتحقق من خلالها ما أطلق عليه ابن خلدون الوازع، وما نطلق عليه فى العلوم السياسية الحديثة القوة السياسية، التى تعمل النظم السياسية على تنظيم استخدامها. ولقد تأسست النظم السياسية فى المجتمعات القديمة على الحكم الأحادى الذى يتسم بالسطوة والطغيان. ولكن المجتمعات أدركت عبر تاريخها أهمية التشريعات القانونية فى بناء الحكم، ولقد كانت التشريعات حاضرة فى مجتمعات الحضارات القديمة «الفرعونية ووادى الرافدين والهند والصين» كما كانت حاضرة بقوة فى الامبراطورية الرومانية التى شكلت تشريعاتها الأساس الذى قام عليه البناء التشريعى العام. ولقد أدركت المجتمعات عبر تاريخها أهمية أن تتغير التشريعات مع مسيرة الحياة المتغيرة، وكان ظهور الدولة الحديثة مبشرًا بثورة تشريعية؛ حيث تأسست هذه الدول على مبادئ للوازع السياسى تختلف عن نظيرتها فى المجتمعات القديمة. ولقد كان هذا التطور مرتبطًا بتغير مفهوم الحكم، وما يرتبط به من مفاهيم كمفهوم الفرد ومفهوم الرعية. لقد أصبح الحكم فى المجتمعات الحديثة حكمًا يعكس نظامًا للتعاقد الاجتماعى يقوم على سيادة الشعب وإرادته العامة، وعلى احترام القانون بصفته المعيار الموضوعى الخارجى الذى ينظم حقوق الأفراد وواجباتهم بقدر من العدالة والموضوعية، وعلى مبادئ الدولة المدنية التى تتأسس الحياة فيها على قيم التعددية والتسامح والثقة والاحترام والتبادلية والشفافية والانجاز. وإزاء هذا التطور نحو مفهوم الدولة المؤسسة على التعاقد الاجتماعى، تبلور مفهوم جديد للفرد. لم يعد الفرد يعرٍّف فى ضوء انتمائه الدينى أو العرقى أو الطائفى أو اللغوى، وإنما أصبح الفرد يعرٍّف بوصفه فرداً حراً مستقلاً، له حقوق واضحة، وعليه واجبات محددة. ولقد أدى هذا المفهوم لاستقلالية الفرد إلى تبلور مفهوم المواطنة، حيث يتحول الأفراد عبر انتمائهم إلى المجتمع ومشاركتهم فى مسيرة حياته، وانتظامهم فى وحدة سياسية داخل حدود دولة وطنية إلى مواطنين مشاركين وفاعلين. وفى إطار هذه المفاهيم لم يعد مفهوم الرعية أو الأتباع مفهوماً صالحاً أو مقبولاً، وحل محله مفهوم الشعب. فالأفراد المستقلون الأحرار، المواطنون، يكونون عبر تاريخهم المشترك وثقافتهم المشتركة أمة واحدة لها سمات مشتركة، أو يكونون شعباً له تاريخه المعروف فى العيش على قطعة محددة من الأرض. ولقد أدت كل هذه التحولات إلى تغيرات كبيرة فى الأبنية السياسية، أو النظم السياسية. فلم يعد هناك مكان للإمبراطورية، أو الحكومات المستبدة، بل ظهرت أشكال من الحكم، تختلف فى المبادئ التى تدير المجتمع فى ضوئها، ولكنها لا تختلف عن مفاهيم المواطنة واحترام حقوق الشعب.

لعب مفهوم الدستور دوراً محورياً فى تحقيق هذه الانجازات السياسية، حيث أصبحت الدساتير هى الأوعية العمومية التى تحدد الإطار العام للحكم، وتضع القواعد الأساسية للعلاقة بين الدولة والمواطنين، وتؤسس للحقوق والواجبات، وللمبادئ التى تقوم عليها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والأسس التى يتم فى ضوئها تداول السلطة وانتقالها. والحقيقة أن فكرة المبادئ الدستورية العليا، وما يشتق منها من قوانين هى التى حافظت على المجتمعات الحديثة فى حالة من الاستقرار والاستمرار. ولقد شكلت دول مثل أمريكا كتبت دستورها الأول عام 1789، وفرنسا كتبت دستورها الأول عام 1791، والمملكة المتحدة صدر قانون الحقوق المدنية بها عام 1689 نماذج وأمثلة تحتذى فى أماكن أخرى من العالم الذى شهد ثورة دستورية. وعندما تكتب الدساتير فإنها لا تشكل نصوصًا ثابتة بقدر ما تصبح نصوصًا متغيرة ومتطورة عبر الزمن. ومن أهم أسباب هذه التغيرات تغير المفاهيم التى تبنى عليها القواعد الأساسية فى الحكم. فقد تطورت نظم التعاقد الاجتماعى فى المجتمعات الديمقراطية من نظم الديمقراطية النيابية إلى نظم الديمقراطية التشاركية، حيث أصبح مبدأ الشراكة هو أحد المبادئ المهمة التى يقوم عليها الحكم فى المجتمعات المعاصرة، ويتطلب هذا المبدأ أن تفسح الدساتير الطريق أمام مشاركة كل فئات المجتمع، وأن تؤسس لشراكة بين الدولة وقطاع الأعمال والمجتمع المدنى، وشراكة بين مؤسسات الدولة وسلطاتها، وبين ذوى الخبرة فى المجتمع من رجال القانون والإدارة والعلوم الطبيعية والاجتماعية. وعندما تتحرك الدساتير نحو هذا المبدأ التشاركى، فإنها تفتح الأفق لبناء دولة تشاركية؛ دولة لا تتحمل فيها النخبة السياسية المركزية فقط مسئولية الحكم وتحقيق حلم التقدم والتنمية، وإنما تتوزع فيها المسئولية بين قطاعات المجتمع وفئاته الاجتماعية، وتنظيماته الإنتاجية والمدنية. وأحسب أن التغيرات الدستورية التى نتوجه نحو الاستفتاء عليها هذه الأيام، تدخلنا فى دائرة هذا المفهوم التشاركى، فهى تؤسس لغرفة جديدة فى المجلس التشريعى لتفتح الطريق أمام مشاركة فعالة لذوى الخبرة، وهى تمنح الشباب والفلاحين والأقباط والمرأة وذوى الحاجات الخاصة، تمنحهم أماكن أكثر اتساعًا داخل التمثيل البرلمانى، وتؤسس لعلاقة بين السلطات تقوم على الشراكة والتعاون، وتعمل على ضمان الاستقرار السياسى. والأمل معقود على أن تتحول هذه الشراكة إلى واقع، وأن تعمل كل أطراف المجتمع وفئاته على المساهمة الفعالة والمخلصة فى بناء مستقبل الوطن.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: