كنت مبتهجاً وشغوفاً بحضور ندوة العلاقات المصرية ــ الإفريقية التى نظمتها مكتبة الإسكندرية الأسبوع الماضى. كان مبعث البهجة أن المكتبة أصبحت تبدو كخليّة النحل النشيط الذى يعمل فى كل الاتجاهات ابتداء من ساعات الصباح المبكرة حيث المشهدالبديع شبه اليومى لطفلات وأطفال المدارس الصغار وهم يصطفون فى طابور حلزونى طويل فى الساحة الخارجية للمكتبة انتظارا لبدء جولتهم للتعرف على المكتبة، ثم خلال ساعات النهار حيث يدب النشاط فى جنبات المكتبة وقاعة مطالعتها الشهيرة ومتاحفها وندواتها. أما مصدر الشغف فقد أثارته فى نفسى الندوة المهمة التى استضافتها المكتبة بالتعاون مع مركز الدراسات الإفريقية التابع لجامعة الفيوم حول العلاقات المصرية الإفريقية. الحديث عن هذه العلاقات أمرٌ قديم جديد يكتسب اليوم جدته من رئاسة مصر الاتحاد الإفريقى هذا العام بعد ثلاث رئاسات سابقة من قبل، لكن رئاسة هذه المرة تعكس وعيا جديدا وتعبر عن توجه نشيط بمزيد من الانفتاح على القارة الأم بعد طول عتاب وجدل متبادل حول المسئول عن بطء وضعف هذه العلاقات.
كان لافتا فى الندوة أن يُذكّرنا د. سيد فليفل عضو البرلمان الإفريقى بأن رواق إفريقيا كان هو أكبر رواق فى الأزهر الشريف، وأن علم الانثربولوجى يثبت الجذور الإفريقية لمصر، وهو ما يعنى عمق وتغلغل هذا الانتماء قبل أن يظهر الحديث عن مصالح السياسة والاقتصاد. فى صلب موضوع العلاقات المصرية ـ الإفريقية تدفقت الكثير من الأفكار والمقترحات كان أولها التنويه المنهجى الدقيق للدكتورة أمانى الطويل المتخصصة المعروفة فى الشئون الإفريقية من تفضيلها تعبير التواصل المصرى ــ الإفريقى بدلاً من الدور المصرى فى إفريقيا الذى يوحى بالنظرة الفوقية، وأنا أشاطرها تماما فى ملاحظتها الذكية للتحلى بالتواضع السياسى. وسرعان ما تداعت الأفكار التى قد لا تكون كلها جديدة تماما لكنها بالأقل كاشفة عن عودة الوعى بإفريقيا فى العقل السياسى المصرى. بدا ذلك فى دعوة الدكتور مصطفى الفقى لأهمية وجود آلية عمل للتفاعل المصرى مع إفريقيا مثل استحداث مفوضية لإفريقيا ومفوضية لدول حوض النيل تمثل- فيما فهمته- آلية لتنسيق جهود ومبادرات مختلف الجهات المعنيّة بإفريقيا فى الدولة المصرية، مذكّراً أنه كانت هناك فيما مضى لجنة مصرية لإفريقيا تابعة لرئاسة الجمهورية فى عهد الرئيس عبد الناصر. كشف النقاش الثرى الدائر داخل الندوة عن أهمية ألا يقتصر إحياء التيار الأفريكانى فى مصر, والتعبير للدكتورة أمانى الطويل, على جهود ومبادرات المؤسسات الرسمية مثل الرئاسة ووزارة الخارجية بل وجوب أن يشمل ذلك خلق اهتمام شعبى ومؤسساتى مواز وانفتاح رجال الأعمال المصريين على إفريقيا. لم تخل الندوة من نقاش حول مسألة الأمن القومى المصرى وأهمية تعظيم الوجود العسكرى لمصر فى البحر الأحمر إذ كان تسيير البواخر النيلية فيما مضى يقود إلى البحيرات العظمى فى إفريقيا.
والواقع أن هذه الندوة المهمة، وغيرها من الندوات تعكس توجها جديدا لمكتبة الإسكندرية فى الانشغال بصياغة دور طبيعى ومطلوب لمصر ليس فقط من منظور ثقافى بل فكرى وسياسى. المكتبة هنا تتحوّل إلى خلية تفكير ومؤسسة لتخصيب وإنتاج الأفكار ولا تبقى مجرد قاعات أنيقة ومرتبة للمطالعة أو دار احتفاليات وفاعليات مع أن هذه الأخيرة مطلوبة أيضا وبنفس القدر من الأهمية. لكن يبقى الجديد أن المكتبة أصبحت تعطى بعد أن تبوأ إدارتها الدكتور مصطفى الفقى حيّزا واسعا واهتماما أكبر لاكتشاف آفاق جديدة لدور مصر الخارجى والانشغال بكيفية وأدوات ممارسة هذا الدور. ولعلّ إنشاء مركز للدراسات الاستراتيجية بالمكتبة بعد طول انتظار يمثل إضافة مهمة بل لا أبالغ إذا قلت إنه يمكن أن يصبح أحد روافد تقديم الرؤى والبدائل لصانع القرار فى شتى مؤسسات الدولة. ولأن مكتبة الإسكندرية بحكم رمزيتها التاريخية القديمة وجغرافيتها المميّزة كنقطة التقاء وتواصل بين فضاءات ثلاثة فى شمال إفريقيا، وجنوب المتوسط، ووسط المشرق والمغرب العربى تبدو مؤهلة لصياغة رؤية يتضافر فيها الثقافى والسياسى تستعيد فيها مصر وتعزّز انتماءاتها العربية والإفريقية والمتوسطية، وهذا بذاته يحقق لها انفتاحا إنسانيا أوسع وأرحب.
هذا الدور الدولى متعدد الفضاءات لمكتبة الإسكندريةموصول بدور داخلى ومجتمعى لا يقل أهمية. فالملاحظ أن المكتبة فى الآونة الأخيرة تشغل بهمة واقتدار مساحات وفواصل الفراغ بين المؤسسات الثقافية والمعرفية الرسمية فى مصر، وكأنها تقوم بجزء من عمل مؤسسات الثقافة، والإعلام، والتعليم، والسياحة، والترجمة، ومراكز الفكر والتوثيق والتاريخ. نجحت المكتبة بظنى فى شغل هذه المساحات الثقافية والمعرفية المختلفة بحكم عاملين أولهما نظامها المؤسسى الذى تعمل من خلاله والذى أنقذها إلى حد ما من الوقوع فى قيود وشباك البيروقراطية الإدارية المزمنة التى تُكبّل العديد من مؤسسات الدولة المصرية وتحدّ من انطلاقها وقدراتها الكامنة على الإبداع. أما العامل الثانى فيرجع إلى شخصية مديرها الدكتور مصطفى الفقى نفسه الذى يبدو مختلفا عن نمط المسئولين المخمليين ذوى الياقات البيضاء الذين يديرون مؤسساتهم بترفع ونرجسية. فالرجل وبخلاف قدراته وملكاته المتنوعة يعمل فى تلقائية وكأنه عضو فى فريق إدارى بأكثر مما يبدو رئيسا مرموقا لمؤسسة ثقافية كبرى. يتعامل مع الجميع ببساطة أسرة ودفء إنسانى ومهنى يزيل المسافات. حس الدعابة المعروف عنه ليس مجرد ملمح شخصى يجذب الناس إليه بقدر ما يبدو ملكة مهنية يجيد توظيفها لتحفيز الآخرين من حوله وإشعارهم بروح الفريق الواحد ليحصل على أفضل ما لديهم من قدرات.
بوسع مكتبة الإسكندرية فى ظل هذا المناخ الجديد للعمل أن تصوغ الكثير من الأفكار الجديدة وتطلق الكثير من المبادرات على أرض الواقع، ولم تكن ندوة العلاقات المصرية ـ الإفريقية سوى نموذج عابر لذلك على طريق إعادة اكتشاف دور مصر فى حقبة سياسية ملتبسة.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: