ليس فى هذا العنوان ممارسةٌ لجلد الذات بقدر ما هو دعوة للمراجعة والتفكير بصوت مسموع. أصبحنا مطالبين كعرب بالبحث عن بوصلة الاتجاه الصحيح فى مفترق طرق. صحيحٌ أنه لطالما تشتتنا وتفرقنا وضاعت بنا السبل عند كل مفترق طرق مررنا به من قبل، لكن هذا لا يمنع من تكرار السؤال. وهل فى حياتنا كعرب سوى تكرار الأسئلة المطروحة منذ مائة عام؟ حزينٌ ومحيّرٌ هذا التيه الحضارى والتشرذم السياسي، فكل الشعوب والأمم تطرح أسئلة جديدة ونحن نلوك ونجتر الأسئلة ذاتها. ها نحن للمرة الثلاثين نتساءل: ثم ماذا بعد هذه القمة؟ هل ما زالت جامعة الدول العربية قابلة للتطوير فى ميثاقها ومؤسساتها وآليات عملها؟ وهل يُعقل أنه برغم هذه التخمة فى مؤسسات وإدارات الجامعة والكيانات التابعة لها مازلنا نفتقر إلى آلية عربية لفض المنازعات وتسويتها سواء تحت مسمى محكمة عدل عربية أو أى مسمى آخر؟ أم أن الجامعة العربية قد تجاوزها العصر والمتغيرات ولا بد من البحث عن نظام عربى جديد؟ أبادر بل أغامر بالقول إن المشكلة لم تعد فى مؤسسة الجامعة العربية ولا فى البحث عن بناء منظمة أو مؤسسة جديدة للعمل العربى المشترك طالما أننا أنفسنا كعرب لم نتغيّر. ولعلّ أول مداخل التغيير المطلوب هو أن نتطهر مما يساورنا من شكوك متبادلة ونثق ولو لمرة واحدة فى أن الاستقواء بالخارج لن نحصد منه سوى المزيد من الاستضعاف فى الداخل. هذا هو درس التاريخ الأندلسى القديم وكل دروس التاريخ الحديث. فالحاصل اليوم، وبصرف النظر عن أى نقاش حول أسباب الفوضى العربية وأنصبة المسئولية عنها، هو تباين مواقف الحكومات العربية مما يجرى فى هذه البلدان التى تتصدّع جغرافيتها السياسية، وهو تباين يبدو صريحاً تارةً ومستتراً تارةً أخري. لكن فى الأحوال كافة ثمة غياب لرؤية عربية مشتركة فى هذا الشأن. كان أخطر ما ترتّب على ذلك هو التنافس غير العربى واقتراح آليات ومبادرات للبحث عن حل لنهاية الصراع الأهلى كان أطرافها جميعاً من غير العرب، وهذا ما كان على الأقل فى الحالة السورية، وفى غيرها من الحالات الأخرى كان الدور الأجنبى هو الأكثر تأثيراً بصرف النظر عن مستويات ودرجات هذا التأثير.
هكذا أصبح المأزق العربى مأزقين، أولهما مواجهة الفوضى والصراعات الداخلية بتقاطعاتها الإقليمية والعالمية المريبة التى تهدّد الجغرافيا السياسية لدول الفوضى والصراع فى سوريا وليبيا واليمن والعراق وأيضاً لدول الجوار العربى حولها بحكم تداعيات «لعبة الدومينو» والتى لا يجوز التهوين من خطرها مهما كانت الثقة الظاهرة فى الذات كبيرة! وثانيهما لأن سايكس بيكو الثانية غير المعلنة تمضى على قدم وساق، وربما يكون اسمها ذات يوم بومبيو- لافروف. انفضت القمة العربية الثلاثون كما انفضت غيرها ببيان ختامى لا يختلف كثيراً عن بيانات القمم السابقة فى السنوات الأخيرة!.
والواقع أنه يصعب فصل حالة التيه الحضارى والسياسى الذى يعيشه العرب عن مجمل ظواهر التطرف الدينى والإرهاب المتدثر بالدين فى جميع تجلياته وبكل ما نشأ عنه من أزمات وقضايا. فالإرهاب الذى تفاقم واجترأ على إعلان نفسه دولةً فى حالة تنظيم «داعش» لا يمثل فقط تحديّاً أمنياً واجتماعياً وسياسياً فى بلاد العرب، لكنه يثير أيضاً تحديات جانبية وعميقة من نوع آخر تضع المجتمعات التى تكتوى به، وكل المنظومة العربية بأسرها أمام اختبار عسير لم يعد ممكناً ولا مجدياً تجاهله أو التهوين منه. فهو يثير من ناحية أولى المستوى الإشكالى المعقّد الذى بلغه التطرف الدينى فى المنطقة، وهو الأمر الذى يثير ويوجب الانشغال بقضية أعم وأشمل هى قضية تجديد الخطاب الدينى الذى لا ينفصل عن مجمل قضايا تجديد الثقافة العربية برمتها.
وهى تطرح من ناحية ثانية مسألة إخفاق النظم التعليمية العربية, بدرجات متفاوتة, فى خلق وتحفيز التفكير النقدي، وتكريس قيم المواطنة وقبول التنوع والمساواة والتسامح. وهى تثير من ناحية ثالثة مدى قدرة المنظومات التشريعية العربية على الارتقاء بقيم المواطنة وقبول التنوع والمساواة من مجرد كونها قيماً تربوية وثقافية إلى صيرورتها حقوقاً ونظماً قانونية ملزمة. وهى تشتبك من ناحية رابعة مع قضايا الحقوق والحريات الفردية التى كان يمكن لإتاحتها وتعزيزها أن تكون هى المعادل الموضوعى لظواهر التعصب والعنف والإرهاب انطلاقاً من قاعدة أنه لا يفل الفكر إلا الفكر. ومع ذلك فمن الصعب تجاهل ما بلغته إشكالية التوفيق بين الأمن والحرية من صعوبة وتعقيد فى لحظة الفوضى والمخاطر التى تجتاح المنطقة. وهى تكشف من ناحية خامسة وأخيرة عن حضور لا يمكن تجاهله لوطأة الظروف الاقتصادية والمعيشية فى العديد من المجتمعات العربية.
مثل هذه التحديات، وغيرها لا تخلو من دلالة مزدوجة، إذ تبدو باعثة على الإحباط فى ظل عدم وجود رؤية لتغييرها، وقد تصبح دافعاً لنظام عربى جديد قوى وحداثى حين يدرك العرب أن تغيير هذا الواقع الثقافي، والتعليمي، والاجتماعي، والسياسي، هو المشروع الأكثر نجاعةً، والأقل كلفةً الذى يمكن أن يكون حاضنةً وعامل أمان على المدى المتوسط والبعيد لأى نظام عربى جديد. فالتطوير المؤسسى الفوقى سيبقى برغم أهميته التى لا يمكن إنكارها تطويراً محدوداً وربما سطحياً ما لم يقترن به تغيير جسور وذكى وبراجماتى ومدروس ومتدرج لبنية المجتمعات العربية ذاتها. هذا هو مشروع المستقبل العربي، وإلا فإنه المجهول. والمجهول المقبل هذه المرة قد لا يمكن التنبؤ بمتغيراته ومفاجآته.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: