لقد أصبحت احتفالية المرأة احتفالية سنوية، وتحولت عبر سنين قليلة إلى واحدة من أهم الاحتفاليات فى مجتمعنا. ولقد شرفت بحضور هذه الاحتفاليات وكنت أخرج دائماً وأنا أفكر فى المعانى والدلالات التى تحملها الاحتفاليات عادة، وهذه الاحتفالية خاصة، مع سعادة بالغة تغمرنى وتغمر كل الحاضرين لمشاهد التكريم التى تحظى بها المرأة، والطريقة التى يتم بها التكريم، والاطلاع على الانجازات التى تحققها المرأة سواء كانت فى قمة السلطة أو كانت من بسطاء النساء اللاتى يجتهدن لمعاركة الحياة لتحقيق انجازات عظيمة فى ظروف صعبة. وعلى هذه الخلفية جاء التفكير فى كتابة هذا المقال تحية للمرأة المصرية فى احتفاليتها السنوية.
قد ينصرف الذهن أولاً إلى ما تؤشر عليه الاحتفالية من إذكاء روح التضامن، وإعلاء مشاعر الشعور الجمعي، والروح الكلية للمجتمع. فالوظيفة الأساسية للاحتفال هى تجديد روح الاجتماع؛ ومن ثم تعميق مشاعر الانتماء والاندماج الجمعي. إن الاحتفالية تجسد وقفة يخرج فيها المجتمع عن روتينه المألوف، وعن علاقاته اليومية المعتادة، ويدخل فى مزاج احتفالى يستمر وقتاً يطول أو يقصر، ما يلبث أن يعود المجتمع بعده إلى مساره الطبيعي. وإذ يدخل المجتمع فى المزاج الاحتفالى فإنه يعمل على تجديد طاقته، وتنمية روح الجماعة، وتقوية المشاعر العامة، مما يسهم فى خلق قدر من التجديد فى الحياة. ويتعاظم شأن الاحتفالية إذا كانت احتفالية تكريم، تمنح كلمة شكر لأولئك الذين أسهموا بجهود بناءة فى حياة المجتمع ومسيرته الاجتماعية والثقافية. تبدو الاحتفالية هنا وكأن المجتمع يمد يده إلى أبنائه المخلصين، ويمنحهم شكراً خاصاً يرمز إلى أن التبادلية الاجتماعية لا تسير فى اتجاه واحد وإنما تسير فى اتجاهين، وأن الحياة أخذ وعطاء، حق وواجب، مواطنة تبادلية تبعث على الثقة والاطمئنان. ونستطيع فى إطار هذا المعنى المتضمن فى الاحتفالية أن نؤشر على بعض الدلالات المهمة فى احتفالية المرأة.
ثمة دلالة تتعلق بالمرأة محل التكريم, نحن هنا بصدد نساء جئن من خلفيات عديدة، ومن أماكن عديدة، يكرمن جميعاً دون تمييز. تحمل كل واحدة منهن كفاحها وتاريخها وانجازاتها، وتأتى هنا فى حضرة الرئيس لكى تحصل على التكريم الذى تستحقه. هنا تقف السفيرة والوزيرة والمعلمة والعالمة وربة البيت وأم الشهيد ورائدة الأعمال والعاملة والفلاحة؛ يقف كل هؤلاء لا فرق بين كبير وصغير ولا بين مهن عليا ومهن دنيا ولا بين امرأة من الشمال وامرأة من الجنوب، الكل مصريات. إن ما يجمع بينهن هو الإنجاز والدأب والأعمال الناجحة. لقد أسهمت كل واحدة بدور منحها صلابة اجتماعية ووطنية، جاءت بها إلى هنا لتصعد المنصة رافعة رأسها أمام العالم كله لتحصل على ما يليق بها من تكريم. إن قراءة البنية العميقة لهذا المشهد تدلنا على ما فيه من نزعة نحو العدل والمساواة، فالكل هنا يصعد بنفس الطريقة، ويحصل على نفس الاهتمام والتكريم، بل إن أولئك الذين جاءوا من بعيد كأمهات مثاليات ثم تقديمهن على المكرمات من الرموز النسائية التى تركت علامات مضيئة فى الحياة، أضاف قدراً كبيراً من قيمة الإيثار إلى قيمة العدل والمساواة التى يؤشر عليها المشهد.
أما الدلالة الأهم والأكبر، فإنها تتعلق بالطريقة التى يتم بها التكريم، أقصد طريقة التفاعل بين الرئيس وشعبه. إن المشهد يدلنا على لمسات إنسانية تظهر عبر المواطنة التبادلية بين الرئيس المواطن، أو المواطن الرئيس وبين مواطنات من مختلف الفئات والطبقات. ثمة استقبال بشوش وسعيد من جانب الرئيس تكشف عنه الابتسامة المُحِبة، والترحاب الوافر، والتواضع الكبير، والاستماع الجيد، وعدم الاستعجال باستخدام أى شكل من أشكال الإشارة أو لغة الجسد. الكل يأخذ حقه كاملاً فى الحديث، والكل يأخذ حقه كاملاً فى الحصول على تكريمه بالشكل اللائق. ويغلف المشهد برمته بقدر وافر من المشاعر الإنسانية، التى تتدفق من الطرفين. فالرئيس لا ينتظر حتى تصعد السيدات كبيرات السن، فهو يوفر عليهن مشقة الصعود، ويهبط إليهن حيث يجلسن، ويظل يستمع إليهن مقبلاً رءوسهن، فى رمزية إلى احترام الشيخوخة وتقدير أهلها تقديراً يقارب تقدير الآباء والأمهات الذين نقبل رءوسهم احتراماً وتعظيماً. وأحسب أن المشهد برمته يؤشر على قدر كبير من الألفة والتآزر والاحترام واللحمة القوية، التى تؤكد أن الرئيس من الشعب، وأن الشعب من الرئيس، وأن الجميع مواطنون فى اصطفاف واحد.
وثمة دلالة أخيرة ذات أهمية خاصة، يمكن أن تستشف من النظر فى أداء أعضاء النخبة النسائية التى نظمت هذه الاحتفالية, والتى ضمت ثلاثة من الأسماء اللامعة فى هذه النخبة، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، ووزيرة التضامن الاجتماعي، ورئيسة المجلس القومى للمرأة. لقد أكدت كل واحدة من هؤلاء على أنها تستحق عن جدارة المكان الذى تقف فيه، والدور الذى تقوم به، تشهد على ذلك الإنجازات الضخمة التى تحققت فى المجالات الثلاثة؛ والأداء الراقى الذى يفيض بالإخلاص والشفافية والدقة. لقد كان الأداء راقياً لغة وشكلاً ومضموناً، كما كانت الوقفة رصينة ثابتة، وكانت الثقة بالنفس وبالوطن عالية، فجاء كل شيء نابضاً بالحيوية والألق. ويحق لنا ونحن نتأمل هذا الأداء أن نتوقع الكثير من النخبة النسائية التى تتشكل فى مجتمعنا، والتى ينفتح أمامها كل يوم أفق جديد للعمل والمشاركة. إنها نخبة تعكس وجه مصر المعاصر، وجهها الذى ينفض عن نفسه غبار التطرف والغلو والتمييز، ويفتح الطريق نحو التعددية، والعدالة والإنصاف.
وأختتم حديثى عن هذه المناسبة المهمة بما بدأت به من تأكيد أهمية مثل هذه الاحتفاليات فى إذكاء روح الجمعية والتعاون والاجتماع الإنسانى الخلاق، وأتمنى لو أنها تتكرر فى ميادين أخرى؛ فإذا كان لنا أن ندرك هذه الوظيفة النبيلة لمثل هذه الاحتفاليات، فإن خيالنا سوف يمتد إلى أمل بأن تحظى كل فئة من فئات المجتمع بما حظيت به المرأة، وأن يصبح التكريم وسيلة لا لتحقيق السيولة والدينامية فى الجسد الاجتماعى فقط، بل لإسداء الاحترام والتوقير لكل انجاز وكل أداء متميز.
لمزيد من مقالات د. أحمد زايد رابط دائم: