رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القاهرة ..التريف «دالة» الثقافة

إذا انتقلنا من البناء إلى البشر فى التعرف على مدينة القاهرة، فإننا سوف نلتفت إلى التدنى الهائل الذى يطل علينا من التمدد العمرانى، والتركز الشديد للأسواق، والتعقد الكبير فى منظومة الخدمات، والنمو الطاغى لأعداد السكان وتباين أنشطتهم وثقافتهم، هذا التحضر الهائل يقابله على الوجه الآخر انخفاض شديد فى مستويات السلوك الحضرى والثقافة الحضرية الذى يشير إليه علماء الاجتماع بمفهوم الحضرية, هنا ينصرف الذهن إلى أساليب الحياة الحضرية التى تتباعد عن أساليب السلوك الحديثة وتترك المدينة تتردى فى حالة من التريف، الذى يبدو للعيان عندما نشاهد سلوك البشر وتصرفاتهم فى علاقاتهم بالمكان، أو العمران، ومدى التزامهم بالأسس التى تقوم عليها الحياة فى مجتمع المدينة صاحب الدرجة العالية من التعقيد.

تبدو المدينة فى حالة التريف وكأنها قرية كبيرة، لم تنقلها عمليات التحضر إلى مدينة يتفاعل فيها السكان فى ضوء معايير مدنية، أو ثقافة حضرية تقوم على العلاقة المتوازنة مع المكان، والتجانس العمرانى، واحترام الخصوصية والفردية، بحيث يبدو الأمر وكأن ثقافة السكان الريفية هى التى تطغى عليهم.. وثمة مظاهر عديدة تكشف وجود هذه الحالة. من أول هذه المظاهر العلاقة غير المتوازنة مع المكان الحضرى، كالشوارع أو الأماكن العامة، فهذه الأماكن يتم التعامل معها على أنها أماكن متروكة لا صاحب لها. ولذلك فإنها عرضة لأن تستملك وأن تلقى فيها كل صنوف المخلفات البشرية، وعلى صاحبها أن يقوم باستعادتها إذا استملكت، أو بتنظيفها إذا اتسعت لتكون سلة مهملات عريضة.

لا مشكلة لدى الباعة الجائلين فى احتلال الأرصفة، وبعض الشوارع العامة، ولا فى تمدد المحال التجارية والمقاهى إلى أرصفة الشوارع، ولا فى تعطيل حركة المرور بالسيارات التى تقف أمام المطاعم لتناول الطعام، ولا بتكديس الشوارع بمخلفات المطاعم والمقاهى والمحال التجارية ومخلفات البناء أحياناً، ولا فى إلقاء بعض المخلفات بطريقة عشوائية ومن نوافذ السيارات أحياناً. ثمة إهدار لما هو عام هنا، ولامبالاة قاسية تجاه الحفاظ على المكان نظيفاً، وفقدان المسئولية المشتركة حول الحفاظ على المكان العام وتركه مفتوحاً لكل الفاعلين. وبإمكاننا هنا أن نوسع دائرة التفسير، فلا يقتصر أمر هذه الثقافة على العلاقة بالمكان العام، بل بكل ما هو عام. فإذا ترك المكان العام مهدراً أو مستملكاً، فهكذا كل مستويات العام، إما أن نستملكه ونأخذ منه نصيباً أو نتركه وشأنه، وقد أسرف بالقول بأننا بحاجة إلى أن نتأمل هذه الخصيصة فى ثقافة الطبقة الوسطى المصرية التى أصابها تفكك كبير فى بنيتها الداخلية صاحبه انحدار كبير لقيم العمومية فى مقابل القيم الخصوصية وما يتبعها من إعلاء للمصالح الخاصة، والانصراف عن هموم الوطن ومشكلاته.

وثمة مظهر آخر من مظاهر التريف أو التردى الحضرى يتمثل فى فقدان الخصوصية التى يتميز بها سكنى المدن، منها المبالغة فى استخدام مكبرات الصوت فى الأفراح والمآتم وفى افتتاح المحال التجارية، وإقامة الاحتفالات الشخصية فى الشوارع العامة، ومنها أيضاً احتلال أماكن سكنى الطبقة الوسطى بالمحال التجارية، واحتلال شوارع هذه المناطق بأعداد كبيرة من العمالة غير الرسمية من البوابين وحراس السيارات والسائقين وعمال المحال الموجودة بالشارع والباعة الجائلين. ويبدو هذا الوضع الأخير (أعنى احتلال الشارع) وكأنه احتلال حقيقى، إلى درجة أن الأمر يبدو وكأن هناك فى هذه المناطق مجتمعين أو ثلاثة مجتمعات. الأول هو مجتمع السكان القاطنين فى هذه العمارات الشاهقة من أحياء الطبقة الوسطى، والثانى هم أصحاب وعمال المحال بالمنطقة، والثالث سكان الشوارع من هؤلاء الذين يؤدون خدمات مساعدة للسكان، يتخلق فى الشارع هنا مجتمع مختلف له قوانينه الخاصة، وله توزيع خاص للأدوار والمكانات وممارسات القوة، ولكنه مجتمع يطور قوانينه الخاصة، لا يوجد التزام هنا بقواعد العيش المشترك، بل يتصرف البشر داخل الشارع وكأنهم يملكونه بحق، فنجدهم يتحدثون بأعلى الأصوات، ويمارسون صوراً من البلطجة والعنف أو يسهرون إلى وقت متأخر يتبادلون الأحاديث بصوت عال، ويتشاجرون عندما تهدد المكانات أو ممارسات القوة، لا حرمة هنا للسكان أو للمكان، ولا يتدخل السكان كثيراً فى شئون مجتمع الشارع هذا، على اعتبار أنهم صنف مختلف من البشر. بل إن بعض السكان يقيمون معهم علاقات لتحقيق مصالح شخصية (مثل المساعدة فى بيع العقارات أو تأجيرها). يبدو الشارع فى هذه الاحياء وكأنه شارع ريفى، تحتله ثقافة لا حضرية، ويبدو سكان الأحياء وكأنهم تعودوا على هذه الثقافة أو أنهم يحبونها، ربما لأنها تمنحهم القوة والشعور بارتفاع المكانة والقامة إزاء هذه الجموع المغلوبة على أمرها التى تسيطر على الشارع وتحتله لحسابها. إننا لا نستطيع أن نترك هذا الموضوع دون أن نؤشر على مستوى الجمال الذى وصل إليه العمران فى المدينة. هل قلت الجمال؟ لا يجب أن نبحث عن كلمة بديلة، لأن العمران الذى اختارته طبقات المدينة المختلفة لا يتناسب مع أى مستوى من الحضرية، عمارات شاهقة، وتكدس للسكان على نحو كبير، وواجهات أسمنتية مختلفة الألوان والأذواق، تنتشر على أسطحها أطباق الفضائيات وعلى جوانبها أجهزة (التكييف). لا تشى العمارة بأى مستوى من الجمال. يبدو الأمر هنا وكأن القيم المادية التى سيطرت على عقلية الطبقة الوسطى قد انعكست على تدنى ذائقة الجمال لدى الفنيين والمهندسين وصانعى المعمار، بل عموم السكان، بحيث أصبحت عمارة الطبقة الوسطى لا تختلف كثيراً عن العمارة التلقائية التى يصممها الناس العاديون فى الأحياء المكتظة بالسكان. حقيقة أنها أحياء أكثر تطوراً، وأكثر حظاً فى خدمات المياه والصرف والكهرباء، ولكنها لها نفس الثقافة، ونفس المستوى الفاقد لأى درجة من الجمالية ولعل هذا, بجانب عوامل أخرى أشرنا إليها, هو الذى يحول هذه الأحياء إلى أحياء طاردة، وهو الذى يجعل بعض سكانها يفرون إلى المدن الجديدة، والمجتمعات المسيجة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: