رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الترفع النفسى ــ الاجتماعى

يشير فعل الترفع فى اللغة العربية إلى الارتفاع والرفعة والتنزه, فعندما يترفع الإنسان فإنه يرتفع فوق الأشياء ويبعد ذاته عن الانخراط فيها، وعندما يترفع عن البشر فإنه يبعد عنهم (غرورا وتيها فى بعض الأحيان). والترفع بالمعنى الأول هو سلوك جميل محمود يؤدى بالفرد إلى السمو والنزاهة، خاصة إذا كان الترفع يبعده عن السلوك السلبى ويقربه من السلوك الإيجابى. أما الترفع بالمعنى الثانى، فإنه يكون محمودا أيضا إذا ابتعد المرء عن دوائر السوء والانحراف، وعن الانخراط فى صغائر الأمور، وعن الكذب والفجور ودنايا السلوك والغرور، وفى هذه الحالة تتأجج فى نفسه طاقة السلوك الإيجابى، ويصبح فاعلا نشطا محبا للخير لجماعته ومجتمعه. والترفع هنا له معنى اجتماعى ونفسى.

وعلى هذه الخلفية العامة لمعنى الترفع آثرت أن أسوق إليكم اليوم حديثا حول الترفع النفسي/الاجتماعي, وهو مفهوم تبلور عبر تأملى لكثير من مظاهر السلوك التى ينخرط فيها بعض ممن يتركون أماكنهم المهنية والعلمية وينتقلون إلى أعمال إدارية قيادية عليا أو مواقع لها علاقة بالممارسات السياسية أو التشريعية. فالكثير منا قد يترك مهمته المهنية، لفترة من الزمن، ليتولى قيادة مؤسسة كبرى أو مشروع أو ليتولى منصبا وزاريا أو ليصبح عضوا فى مجلس النواب. ولكن البعض لا يعتبر هذا الانتقال مفضيا إلى استقلال عن مهمته الأولى، وإلى ترفع عن العودة إليها ما بين الحين والآخر، أو محاولة احتكارها وهندسة علاقاتها على هواه وهوى مريديه وأصحابه. إن ما يحدث فى بعض الأحيان هو عكس هذا السلوك المحمود، حيث تكون محاولة استغلال الأفق الجديد فى الحياة، وما أتاحه من سلطة أو نفوذ، أو حرية فى الحركة، أو تعدد فى قنوات الاتصال، استغلاله فى مزيد من احتكار المكان الأول، والسيطرة عليه، وتوجيهه لخدمة مصالح معينة أو فئة بعينها.ان الحراك المهنى هنا يتم دون ان يترفع الإنسان نفسيا واجتماعيا. أما إذا ما صاحب الحراك المهنى او السياسى ترفع نفسى واجتماعى، فانه يحقق لصاحبه وللمجتمع فوائد جمة. إنه يمنح الإنسان طاقة على الاستقلال الذاتى، ومن ثم الوقوف على الأرض الصلبة للنزاهة والشفافية. ولاشك أن هذه الطاقة سوف تمكن صاحبها من أن يفتح أمام المكان الذى جاء منه فرصة لأن يتطور ويسمو فى رسالته، وسوف يعمل هذا الشخص المترفع عن المكان إلى المساعدة وتقديم العون والنصيحة، دونما تدخل سافر أو احتكار. ويمكن القول بناء على ذلك بأن هذا الاستقلال يمنح المكان فرصة للنمو الذاتى المستقل، ومن ثم تطوير القدرة على أداء وظائفه بشكل جيد.

وفضلا عن ذلك فإذا ما ترفع الإنسان فإنه ينأى بنفسه عن المصلحة الخاصة الضيقة، ويتجه إلى المصلحة العامة. حقيقة أن المصلحة العامة يجب أن تكون حاضرة فى كل سلوك وفى كل أداء مهنى أو سياسى، سواء ضاق هذا الأداء أم اتسع. ولكن إدراك المصلحة العامة يجب أن يتسع ويصير هدفا فى حد ذاته كلما اتسعت دائرة السلطة، واتسعت دائرة القدرة على التأثير فى القرارات التى تخص الناس.

فالنائب فى مجلس النواب، على سبيل المثال، لديه مصالح عليا تتصل بدوره فى صياغة التشريعات التى تخص الوطن برمته، ودوره فى الرقابة العامة على أداء الوزارة، ومن هنا فإن سلوكه المترفع (نفسيا واجتماعيا) يجعله يركز على هذه الأدوار العليا وينسى المصالح الضيقة المتجذرة فى علاقاته الإقليمية، ويبعده عن استغلال وضعه الجديد فى خلق أشكال من النفوذ المحلى . حقيقة أن بإمكانه من خلال دوره الجديد أن يؤدى دورا فى التنمية المحلية، وأن يساعد على تحقيق جودة عالية فى الأداء المحلى، ولكن هذا السلوك يصب أيضا فى المصلحة العامة، وهو سلوك مطلوب ومثمن. إن الشيء الذى يتنافى مع الترفع هو محاولة الغلبة والسيطرة والاحتكار وتحقيق صور من النفوذ الشخصى الذى يرتد فى مصالح شخصية بحتة. وإذ تحل المصلحة الفردية محل المصلحة الجمعية، يحل التوضع محل الترفع، وتصبح الأهداف العامة فى مهب الريح.

والحقيقة أن الترفع النفسى والاجتماعى بالمعنى الذى قصدته هنا يعتبر فى حد ذاته مقصدا وهدفا، فهو يمكن أن يشكل فى حد ذاته قيمة تقصد، ورمزا سلوكيا يحتذى، وصبغة شخصية تكتسب ويتم المحافظة عليها وبثها فى المجتمع القريب والبعيد. فكلمة الترفع فى اللغة توحى بأن سلوك الترفع هو سلوك ذاتى، فلا أحد يخلق الترفع لأحد، بل هو سلوك طوعى ينبع من داخل الإنسان. وهو بذلك يكون عكس الحراك المهنى أو السياسى الذى ينقل الإنسان من مكان إلى مكان أعلى فى سلم الإدارة المهنية أو السياسية والذى يتم من خلال آخرين، أو من خلال عمليات يرتضيها المجتمع ويعتمدها مثل الانتخابات واللجان المكلفة بالتمييز بين المتقدمين للمناصب المختلفة. ولكن الترفع النفسى والاجتماعى الذى نقصده هنا، هو ترفع يتم من داخل الإنسان، ومن خلال اختياراته الشخصية. ويعتمد ذلك على الاستعدادات الشخصية للفرد، وخبرات التنشئة الاجتماعية التى مر بها، والتى يفترض أن تكون تركت فى بنيته النفسية من الخصائص ما يقربه من سلوك الترفع أو يبعده عنه.

وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عملية مهمة فى صقل شخصية الأفراد واكسابهم صبغة القدرة على الترفع النفسى الاجتماعى الذى يجب أن تصاحب الحراك المهنى والسياسى، فإن علينا أن نؤكد فى نهاية هذا المقال على أهمية تربية النشء، عبر التعليم وادوات التنشئة الثقافية، على خصال التواضع والتعددية واحترام الآخرين، واحترام الاستقلال، والبعد عن الاستحواذ والسيطرة، وإعطاء الفرصة لكل الزهور لكى تتفتح، وللنزاهة والشفافية أن تتكرس. إن هذه الخصال وغيرها من القيم الإيجابية هى التى تدفع الشخص إلى أن ينأى بنفسه عن التواضع النفسى والاجتماعى، وأن يعلم نفسه كيف يكون إنسانا مترفعا يحلق فى أجوائه الخاصة، ولا يغتصب أجواء الآخرين.فلا سبيل الى تقدم إلا بتباين الحقول الحياتية واستقلالها، ولا سبيل الى تقدم دون فاعلين قادرين على ان يعبروا كل حدود الحقول الحياتية وهم يحملون على اكتافهم المصلحة العامة التى تحول بينهم وبين نوازع الاحتكار.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: