رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كيف تكون الاستدامة فى الثقافة؟

أكتب هذا المقال بعد أيام من انتهاء مؤتمر التنمية المستدامة وبناء الإنسان الذى عقد فى أروقة المجلس الأعلى للثقافة وبرعايته وتنظيمه. ولقد شرفت بعضوية اللجنة المنظمة للمؤتمر، وأدرت أولى جلساته العلمية. ولقد كنت أفكر طيلة فترة تنظيم المؤتمر فى إشكالية نظرية، أحسب أننا بحاجة إلى طرحها، وهى تتعلق بسؤال الاستدامة فى الثقافة. فمعروف أن الاستدامة مفهوم يستخدم لوصف عمليات التنمية التى تستهدف تحسين ظروف العيش واستغلال الموارد المتاحة لتحقيق أكبر قدر من النمو الاقتصادي، ومن الارتقاء بالخدمات العامة، وتوسيع اختيارات البشر دون المساس بالتوازن الطبيعى للبيئة ودون الجور على حقوق الأجيال المقبلة. ولقد توصل الخطاب التنموى العالمى إلى ربط عمليات التنمية المستديمة بأهداف محددة أطلق عليها أهداف التنمية المستديمة؛ التى تنوه الى القضاء على مشكلات الفقر والجوع وأشكال اللامساواة المختلفة، وحماية الأسرة والأطفال، والمساواة بين الرجل والمرأة وتمكين النساء والفتيات، وتحقيق الجودة العالية فى التعليم، وضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية، والحفاظ على الثروات الطبيعية؛ كالمياه والطاقة النظيفة، والمساحات الخضراء والعمل اللائق، مع الاستثمار فى الصناعة والبنية التحتية والابتكار فى إطار من قيم المسئولية الاجتماعية فى الإنتاج والاستهلاك والحفاظ على البيئة الحضرية فى المدن، والوعى بتغيرات المناخ والمحافظة عليه، والعمل الدائم على تحقيق السلام والعدالة وبناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة فى ضوء قيم الشراكة والمسئولية.

والحديث عن الاستدامة فى التنمية بعامة ينعكس فى مؤشرات واضحة يمكن قياسها، فبإمكاننا قياس معدلات الفقر، والحرمان، والتعليم، والتلوث، والجريمة، والصحة والمساواة بين الجنسين. ولكن عندما ننتقل إلى الحقل الثقافى فإننا نرى أن المسألة تزداد تعقيداً؛ فالثقافة لا تنعكس فى جوانب مادية فقط، ولكنها تتضمن أبعاداً معنوية غير ملموسة قد يصعب قياسها. وليست قضية القياس فقط هى التى تطرح مشكلة استدامة الثقافة، ولكن قضية تعريف هذه الاستدامة الثقافية فى حد ذاتها؛ فماذا تعنى الاستدامة الثقافية؟ لاشك أن الثقافة ضرورة مهمة من ضرورات التنمية، وهى غالباً ما تهمل أثناء التخطيط للتنمية (لاحظ غياب الإشارة إلى الثقافة بشكل مباشر فى الأهداف التنموية التى تم تلخيصها آنفاً) فالأصل فى التكوين الوجودى للإنسان هو التكوين العقلى والنفسى والوجدانى الذى يشكل أساس التكوين الثقافى للإنسان، وهو يوجد بجانب التكوين الوجودى البيولوجي، وبكليهما يحيا الإنسان حياة كريمة. يمنح التكوين البيولوجى الإنسان طاقة للقيام بالنشاط، وإضافة قيم اقتصادية إلى حياته وحياة مجتمعه. ويمنح التكوين الثقافى الإنسان طاقة معرفية وجمالية. وفى ضوء ذلك يمكن القول بكل ثقة: لا تنمية مستديمة دون ثقافة.

الثقافة هى التى تصقل البيولوجيا وتحولها إلى طاقة خلاقة تجافى الغريزة وتركن إلى العقل والسعى فى الحياة من اجل العيش الكريم وتشكيل الأفعال الاتصالية بالآخرين من اجل تكوين المجتمع الصالح. ولا يتحقق كل ذلك إلا إذا كانت الثقافة جزءا أصيلا ومستديما فى منظومة الحياة فى الحاضر والمستقبل.

وعندما نعرج على فهم الاستدامة فى الثقافة فإننا قد نفكر فى معان مختلفة، فهل تعنى الاستدامة بناء سياسات ثقافية لها طابع الاستمرار والاستقرار بحيث لا تتغير إلا فى ضوء متطلبات الاستدامة فى الحفاظ على حقوق الأجيال المقبلة، أم أنها تعنى صناعة ثقافة للمستقبل قادرة على أن تتواكب مع ظروف العصر ومتغيراته، ومع نظم العولمة وتدفقاتها بكل ما تطرحه على الإنسان المعاصر من تحديات ومخاطر؛ أم أنها تعنى بناء معرفيا ووجدانيا لأجيال جديدة، تحتل الثقافة مساحة فى عقولها وتستحوذ على جزء كبير من اهتمامها؛ أم أنها تعنى أخيراً بناء شروط عامة لإنتاج المعرفة وتدفقها دون قيود، والعناية بالتعليم والتربية الأخلاقية والجمالية. ولاشك أن ثمة دلالة فى كل معنى من هذه المعاني؛ فثمة أهمية لاستمرار السياسات الثقافية واستقرارها، ولمواجهة تحديات العولمة، ولبناء أجيال المستقبل، وبناء الشروط التى تتكون فيها هذه الأجيال. وقد نفترض عند هذا الحد إمكانية تعريف الاستدامة فى التنمية الثقافية على أنها القدرة على التعامل مع الحقل الثقافى (بكل ما فيه من إنتاج للمعارف ونقلها وتداولها، ومن صناعات ثقافية فى مختلف مجالات الحياة المعاصرة والتراثية، ومن فنون سمعية وبصرية وتخيلية) فى الحاضر والمستقبل، بحيث يسهم بشكل فعال مع حقول المجتمع الأخري، فى بناء المعرفة والفهم والوعى للأجيال الحالية ولأجيال المستقبل. يتحول الحقل الثقافى المستديم إلى حقل زاهر منير، له قوة التأثير فى بناء العقول لتكون قادرة على إنتاج المعارف الحديثة والتفاعل فى ضوء المعايير الحديثة، وبناء الوجدان ليكون قادراً على التذوق الجمالى والارتقاء الأخلاقي. وثمة شروط لتحقيق الازدهار والتنوير فى الحقل الثقافي؛ من أهم هذه الشروط: استقلال الحقل الثقافى وعدم الوصاية عليه، خاصة من قبل أصحاب الوصايا الجدد الذين يتخذون من الدين أو الأيديولوجية غطاء للوصاية. ولا يتحقق هذان الشرطان إلا فى ضوء شرط ثالث ومهم يتمثل فى رعاية الدولة للحقل الثقافي، وضمان استمراره، وحماية وظائفه فى بناء الإنسان؛ ذلك أن الإرادة السياسية وما تبثه من تحديد للأهداف العامة للمجتمع والتشريعات المنظمة له، هى الأصل فى تحقيق أى تنمية مستديمة.

ومع تسليمنا بصعوبة تطوير مؤشرات لقياس مدى استدامة الحقل الثقافي، إلا أن المساعى الأكاديمية قد نجحت فى تطوير مؤشرات لمجتمع المعرفة، والتنافسية، وجودة التعليم، والشفافية والنزاهة، والحريات المدنية. وبعض هذه المؤشرات أو أجزاء منها يمكن أن تصلح لقياس الاستدامة الثقافية، ولكن الأهم من ذلك أن نبحث عن مؤشرات جديدة لقياس الجوانب المعنوية المتصلة بالفهم والتفكير والاعتقاد والتذوق الفنى والجمالي. ومن شأن هذه المؤشرات أن تضبط السياسات الثقافية وتوجهها نحو مزيد من تطوير نفسها لتحقيق الاستدامة الكاملة، وتعميق الاعتقاد فى ضرورة الثقافة.إننا كثيرا ما نردد عبارة «بفى البدء كان الكلمة» (إنجيل يوحنا 1-1)، ورغم أننا نعرف أن الكلمة العليا هى كلمة الله وان كلمات الله لاتحصي، إلا أن الدرس الدنيوى الذى يتجلى فى ذلك هو ان الكلمات ( قد أقول الثقافة أو الخطاب) تسبق الأشياء.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: