رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الوهن الخلقى للحداثة السائلة

تناولت فى المقال السابق بعض التغيرات التى طرأت على المنظومة العالمية للحداثة، والتى جعلتها محل اعتراض ونقاش من قبل الشعوب عبر صور من التعبير والتنظيم. وأواصل فى هذا المقال تفصيل القول فى هذا الموضوع بأن نعرض لطبيعة الوهن الخلقى فى منظومة الحداثة المعاصرة. وأعنى بالوهن الخلقى هنا هذا التبدل الكبير فى الأخلاق التى طورتها الحداثة عبر عصر التنوير، والتى انعكست فى تدوينات تبدأ من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وتنتهى عند التدوينات والخطابات الأخلاقية التفصيلية التى تحكم السلوك العملى المهنى. فلم تعد هذه الأخلاق محل تقدير، ولم تعد تنعكس فى سلوك الدول، بل إن الدول التى حرصت على تدوين هذه الأخلاقيات وبثها عبر كل صور البث، والتذكير بها عبر كل صور التذكير، هذه الدول هى أكثر الدول خرقاً للأخلاق، وأكثرها انتهاكاً لقيم الحداثة. وقد يكون مفهوم الحداثة السائلة Liquid Modernity الذى طوره زجمونت باومان (1925-2017) هو أكثر المفاهيم قدرة على أن يفسر لنا طبيعة هذا الضمور الخلقى، وطبيعة العجز عن التدخل من أجل حقن قيم أخلاقية جديدة فى الجسد الحداثى المترهل. يرفض باومان مفهوم ما بعد الحداثة، ويقر بأننا نعيش فى الحقبة المتأخرة من الحداثة فى نمط جديد من هذه المنظومة العالمية أطلق عليه الحداثة السائلة، وخصص له كتاباً مستقلاً نشر عام 2000. ينطلق باومان فى تحديده لهذا المفهوم من المقولة الشهيرة التى رددها كثيرون من دارسى الحداثة، والتى تقول إن الحداثة تذيب كل ما هو صلب وتذره فى الهواء، أى أنها قادرة على الانطلاق الدائم إلى الأمام فى تغير مستمر لا هوادة فيه ولا سكينة، ولا راحة فيه ولا اطمئنان.

ويذهب باومان إلى أن التطور الهائل فى سبل المواصلات والاتصال والاستهلاك والإنتاج، وتدفق الهجرة وسبل الانتقال قد حولت الأطر الثابتة من الحداثة إلى أطر مرنة. فلم تعد الحداثة تؤشر على بناء عقلى صارم، وقواعد ثابتة، وأطر محددة للعلاقات الجمعية والاستقرار الاجتماعى، بل تحولت إلى حالة سيولة فى العلاقات الاجتماعية وتغيرها بشكل سريع عبر الوقت، وانتشار صور عدم الشعور بالأمن فى المنزل أو العمل، وتدفق الانتقال والحركة عبر المكان والزمان، وتكاثر الجماعات الهشة المعرضة للخطر، وتنامى الصراع حول الموارد المحدودة داخل الجماعة وخارجها وتشظى الهويات وانقسامها. فى هذا النمط من المجتمع يحل الفرد محل الجماعة، وتصبح العلاقات الفردية أكثر أهمية من العلاقات الجماعية، ويحل الإنسان المستهلك محل المواطن؛ فتضعف الثقة بين الفرد والمجتمع، وبين الفرد والدولة، ويحل الإنسان المتنقل السائح محل الإنسان المستقر الذى ينشد التقوى، فيغيب البحث عن المعنى فى الحياة فى مقابل انتشار صور السعى نحو الرغبات السريعة، وتحل الرغبة فى الانسحاب من المجتمع أو التحرر منه، ليصبح الفرد أكثر قدرة على القبض على مصيره. فى هذا الظرف يتغير كل شيء ويصبح قابلاً لا أن يتبخر فى الهواء، ولكن يصبح قابلاً لأن يتدفق ويسيل ويعاد تشكيله من جديد. تتغير ملامح القوة والسلطة وآليات استخدامهما، وتتغير طرائق التفكير وبدائل الخروج، وتتغير المدركات لمعالم القبح والجمال، وتبدو الحياة وكأنها تتبدل بالجملة، إذا استخدمنا مفهوم ابن خلدون الثاقب المعنى. وفى هذا السياق يكون التبدل الأخلاقى من أهم معالم هذا التبدل. لقد بنيت الحداثة على منظومة أخلاقية، ولكن سيولتها تجعلها تمر مرور الكرام على هذه المنظومة، وتقبل اللاأخلاق على أنها أخلاق. وقد اتخذ باومان من مذبحة اليهود فى الحرب العالمية الثانية (التى كرس لها جهداً كبيراً) نموذجاً على هذا الوهن الأخلاقى، على اعتبار أن معاداة السامية يكشف عن وجه اثنى وعرقى يتنافى مع المبادرة الحداثية حول التعددية. وأحسب أن بمقدورنا أن نعدد جوانب كثيرة لمظاهر الوهن الأخلاقى للحداثة السائلة، وهى جوانب تجلت بشكل واضح فى سلوك كثير من الدول، وفى التفاعلات الدولية المعاصرة. وتنعكس هذه الجوانب اللاأخلاقية فى صور من التناقض، الذى يؤشر لا على سيولة الحداثة وإنما على سيولة الأخلاق واضمحلالها، بل إنه قد يكشف عن أن الحداثة تستعيد وجهها الصلب أمام ما تتعرض له من سيولة.

من أول هذه التناقضات ذلك التناقض القائم فى المسألة اليهودية نفسها. فبدعوى معاداة السامية والاضطهاد حصل اليهود على وطن بالقوة، ولكنهم لم يعيشوا مع أهل هذا الوطن فى سلام، ولكن شردوهم من وطنهم، وصبوا على من بقى منهم كل أشكال العنف والاضطهاد، ويحدث ذلك دون الحد الأدنى من الإدانة الأخلاقية. وثمة تناقض آخر يرتبط بالدعوة الأخلاقية نحو احترام حقوق الإنسان؛ فالدول التى تدعى لنفسها حراسة هذه الحقوق، تنتهكها بشدة عندما يتعلق الأمر بمصالحها (فيصبح ما حدث فى جوانتانامو وسجن أبو غريب من المسائل المقبولة أخلاقياً)، وقد نلتمس تناقضا ثالثا فى خطاب الحرب على الإرهاب وتفاعلاته. ففى الوقت الذى تشن فيه الدول الكبرى حملة كبرى للقضاء على الإرهاب فى أماكن معينة من العالم، فإنها تؤازر قوى إرهابية فى أماكن أخرى، وتمدها بالسلاح والدعم الظاهر فى بعض الأحيان، والخفى فى أحيان كثيرة. وأخيراً وليس آخراً، فإننا نصادف تناقضاً كبيراً بين الدعوة إلى السلام والتعايش بين الشعوب، والإلحاح فى تأكيد أهمية حل الصراعات عن طريق السلام، وبين تشجيع الحروب والفوضى والتدخل أحياناً لتعطيل الحلول السلمية الوشيكة (قد نفكر هنا فى حالة سوريا واليمن وليبيا). وأجد نفسى فى نهاية عرض هذه الأمثلة أقف ناقداً لمفهوم الحداثة السائلة الذى دخلت منه إلى هذا التحليل.

فمع التسليم بالوجه السائل للحداثة، فإن التناقضات الأخلاقية التى تضرب بجذورها فيه تعيد للحداثة صلابتها، بل تعيد لها عنفوانها وسطوتها التى لم تفارقها أبداً، وتفتح لها إمكانات للسيطرة والاحتكار، بل قد تفتح لها إمكانات للعودة الاستعمارية المباشرة. وهنا نستعيد ما أكدنا عليه فى مقالنا السابق، من أن الحراك الذى يأخذ صوراً عديدة حول العالم هو تعبير عن وعى مجتمعى بالأمل فى حداثة مصقولة تحقق للإنسان مزيداً من الأمن والعدل والسعادة، وتتجاوز هذا النمط من الحداثة بسيولته الظاهرة، ومخرجاته الصلبة القاسية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: