رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحراك الأصفر.. البحث عن حداثة جديدة

يقال دائماً إن ماكس فيبر هو منظر الحداثة الأول، فهو الذى أكد فى أطروحاته النظرية أهمية العقلانية والفردية وسيادة السلطة القانونية ونمو النظم البيروقراطية وشيوع قيم الإنجاز والتقشف فى بناء المجتمع الحديث. ولكنه - على هذا القدر من الاهتمام بمكونات البنية الحداثية - قد حذر من أن تتحول الحداثة إلى قفص حديدى يسجن البشر ويحولهم إلى آلات تعمل فى جو من العقلانية والفردية المفرطة، التى تنزع عن العالم روحه وقيمه، فيتحول العالم إلى عالم مصفد لا يعرف للبهجة والسعادة طريقاً. وأحسب أننا بحاجة إلى أن نستدعى هذه الأطروحة ونحن نقرأ ما يدور فى العالم من حراك بدأ منذ العام 1968، ويظل يطل برأسه بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ متخذاً أشكالاً مختلفة (الحراك البيئى الأخضر - حركة مناهضة العولمة - الحراك الربيعى العربى - أشكال الاحتجاج والتمرد المختلفة - الحراك الأصفر الدائر فى فرنسا الآن...إلخ). فرغم اختلاف هذه الصور من الحراك، وتنوع مشاربها وطرائقها فى التعبير إلا أننا يمكن أن نتلمس خلفها خطًا واحداً يجمعها جميعاً، يتمثل فى موقفها من هذه المنظومة الرأسمالية المعاصرة، بثقافتها الاستهلاكية المعولمة، وضغوطها الاقتصادية المفرطة، وصور اللامساواه التى تفرزها (على الدول شمالاً وجنوباً، وداخل كل دولة على حدة)، وأنماط المراقبة والضبط التى تحد من حركة الأفراد وحريتهم، وأشكال الخطر التى تحيط بالمجتمع فى الهواء الذى يتنفسه والطعام الذى يأكله والسياق البيئى الاجتماعى الذى يعيش فيه. وعند مواجهة الأفراد لكل هذا تتشكل هذه الصور المختلفة من الحراك، وهى تعكس إحساساً دفيناً فى مجتمعات العالم أجمع بأن الإنسان المعاصر لا يعيش حالة السعادة التى تتوازى مع الإفراط فى الإنتاج والاستهلاك واستخدام التكنولوجيا، ولم يتحقق له وعد الرفاهية والعدالة (لاحظ أن الدول الغربية أعلت من شأن سياسات الرفاهية الاجتماعية منذ النصف الثانى من القرن العشرين). ويمكن النظر إلى هذا الإحساس الدفين على أنه نوع من الوعى العميق الذى يتخلق لدى الشعوب عبر فترة طويلة من الزمن، ويعبر عن مخزونها من الغضب والرغبة فى التجدد والتغيير والرغبة فى انتظار الكارزما التى قد تحدث اختراقاً يعيد تنضيد الحياة على أسس جديدة؛ إنه البحث عن حداثة جديدة (حداثة مصقولة تمنح للإنسان كرامته، وتعيد له وعد التنوير الذى سلب منه)، أو عن شروط حداثية جديدة، تعيد الإنسان وضعه فى الكون، وتؤسس لأساليب تكيف جديدة لمجتمع جديد، يمكن أن نطلق عليه مجتمع ما بعد بعد Post - post.

ولكن ماذا عسى أن تكون الأسئلة التى تطرح فى الشعور الدفين (أو حتى فى اللاشعور) حول هذا الموقف، أو قل حول هذا النمط المرغوب فيه من الحداثة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال صعبة المنال، ولا يمكن أن تتم إلا بطريقة تأصيلية تأويلية تعتمد على قراءة لأجندات بعض الحركات ومقاصدها. وسوف أحاول فيما تبقى من المقال أن أطرح بعض الافتراضات حول التحديات التى يمكن أن نقرأها فى مشاهد الحراك العالمى المعاصر. ثمة قلق واضح من تفشى أشكال من عدم المساواة، يصاحبها أشكال من الشعور بالظلم وعدم الثقة. ولاشك أن مبعث هذا القلق هو المنظومة الاقتصادية التى تسود العالم، والتى تعلى من قيمة البحث عن الربح، والبحث عن النمو الاقتصادى، بصرف النظر يمكن أن يؤدى إليه ذلك من صور من التهميش والاستبعاد، وما يمكن أن يؤدى إليه من تدمير للسياق البيئى والاجتماعى الذى يعيش فى كنفه البشر.

ومن عالم الاقتصاد إلى عالم السياسة تطرح تحديات أخرى، وأسئلة أخرى: هل استطاعت منظومة الأمم المتحدة أن تحقق للعالم سلاماً؟ وهل استطاعت الديمقراطية التى بنيت على وعد التنوير أن تؤطر لقيم راسخة للتعددية والمواطنة والعدالة الاجتماعية؟ لقد تم مراجعة الأطر الديمقراطية وادخلت عليها مبادئ اشتراكية وإنسانوية، ولكنها ماتزال تنتج نخباً سياسية تميل إلى تأطير الاوليجاركية (حكم القلة)، بل والاستبداد أحياناً (أفكر هنا فى الاستبداد الذى تبديه بعض الدول الأقوى فى علاقتها بالدول الأضعف). ولا يمكن أن نتجاهل فى هذا السياق الجوانب الثقافية والأخلاقية فى المنظومة الكونية. لقد تأسست الحداثة على قيم نبيلة تدعو إلى التعددية والسلام والمواطنة والإخاء والعدالة والتسامح، ولكنها انتهت إلى مزيد من الصراع والحروب والسعى نحو الاحتكار، مع ما يصاحب ذلك من تحلل للعلاقات والروابط الجمعية، وتراجع للمبادئ الأخلاقية العامة. ولقد خلق هذا الظرف حالة من الهلع الأخلاقى، والخوف الشديد على تراجع الأخلاق أو تحللها، مما أدى إلى أشكال من التعصب الدينى أحياناً، والتعصب العرقى أحياناً أخرى، والعداوة بين الشعوب من ناحية ثالثة. ويمكن القول إن العالم قد تشرذم ثقافياً، رغم أن قوى العولمة دفعته إلى الانضغاط من الناحية الاقتصادية. ولا يمكن أن نهمل ما يفرضه التقدم التكنولوجى والاتصالى من تحديات، فنحن الآن لا نعيش فى عالم واحد وإنما نعيش فى عالمين أحدهما واقعى والآخر افتراضى. ويصاحب هذه الازدواجية - التى تتواكب مع تطورات تكنولوجية رهيبة - خوف وقلق حول المستقبل الذى ينتظر البشرية، وإمكانية أن يتحول الإنسان إلى رقم، وأن تتحول الدول بكل أجهزتها الإيديولوجية وغير الإيديولوجية إلى مجرد مجموعة من الخبراء يديرون الأزمات والمخاطر، وأن تتحول الشعوب إلى ذرات. قد يتهمنى قارئ حصيف بالمبالغة أو التأويل المفرط، ولكن حجم التجديدات التكنولوجية التى تحيط بنا، وحجم الفوضى والصراع الذى يتخلق فى الوجود العالمى المعاصر، وحجم التطرف والتعصب الذى يتحقق كل يوم فى التفاعلات الاجتماعية والسياسية، وحجم الغياب لمعايير المصداقية والشفافية فى الأداء السياسى العالمى، وحجم القصدية فى تعطيل السلم الأهلى وشحذ الغريزة والفوضى، كل ذلك وغيره يجعلنا أكثر تمسكاً بأهمية التفكير الانعكاسى التأويلى، الذى يمكننا من أن نكون أكثر وعياً بمكامن الخطر، والبحث عن حداثة جديدة، حتى وإن كانت بعيدة الآن.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: