رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى مئوية السادات..
«السياسة كده يا ولاد»!!

خلف القضبان وفى ساحة محكمة الجنايات وبعد عامين وستة أشهر وتسعة عشر يوما على حادث اغتيال أمين عثمان باشا كان من بين المتهمين الذين قدموا لسماع الحكم عليهم المتهم محمد أنور السادات متميزا فى الصور التاريخية بأناقته البالغة داخل الجاكتة الشاركسكين البيضاء والكرافتة السادة اللامعة والشارب المشذب بعناية بعرض ابتسامته الناصعة البياض.. ومثل تلك الأناقة تبدت طوال فترة نظر القضية فى لقطات المشاوير ما بين السجن ومحكمة الجنايات حيث كان موكب المتهمين يمر بطول شارع محمد على داخل عربة لورى مفتوحة وفى المقدمة الشاب الأسمر الأنيق بالبدلة الكاملة والكرافتة الرفيعة بربطة غاية فى الدقة موضة سنة1948.. وكان حادث الاغتيال قد وقع فى مساء الخامس من يناير 1946

وبلغ فيه عدد شهود الإثبات 12 شاهدًا بينهم مصطفى النحاس باشا والنائب العام عبدالرحمن الطويل باشا وأربعة من ضباط البوليس، ووكيل نيابة وسيدتان.. أما شهود النفى فبلغ عددهم10 بينهم من رؤساء الوزارات على ماهر باشا وحسين سرى باشا وحسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ ووزيران سابقان ووكيل وزارة ومستشار سابق بمحكمة النقض والإبرام، وصحفى وضابط بوليس.. وقد استغرق نظر القضية84 جلسة، وبلغت صفحات التحقيق1580 صفحة، وترافع عن المتهمين35 محاميا من مختلف الأحزاب، وصدر الحكم بإدانة14 متهما من الستة والعشرين وتبرئة أحد عشر من بينهم اليوزباشى الأنيق محمد أنور السادات أكبر المتهمين عمرا وأكثرهم ثقافة وتجربة.

أناقة السادات سمعت عنها بالتفصيل من سويلم الترزى الخصوصى له صاحب المحل الشهير فى أول شارع عبدالخالق ثروت المتفرع من سليمان باشا.. من أنه كان يقوم بشكل دورى بتفصيل جميع ملابس السادات للمناسبات العامة والخاصة من أول الأطقم الكاجوال والسفارى والبليزرات وبدل الاستقبالات الرسمية التى يفضلها مع الكرافتة المنقطة، وكثيرا ما اختارها من القماش الكاروهات الاسكوتش الإنجليزى أو المقلم بأقلام فاتحة على أرضية داكنة، وكان يفصل له البيجامات والأرواب المنزلية، إلى جانب العباءات الحريرية والصوفية المطرزة والجلاليب البلدية المطورة فى حردة الرقبة والمرد لجلسات المصطبة المسترخية التى يدلى فيها بأحاديث ذات ذكريات وشجون مستعرضا الأمانى والإنجازات والهموم للمذيعة همت مصطفى فى بلدته بالمنوفية ميت أبوالكوم.. ولا أنسى ما قاله لى يوما الزميل الراحل محمود أحمد المحرر البرلمانى للأهرام عندما سافر ليغطى زيارة الوفد البرلمانى المصرى برئاسة أنور السادات رئيس مجلس الشعب إلى إيطاليا، الذى اصطفاه ليصحبه لأحد المحال الشهيرة ببيع القماش الرجالي، فلاحظ شراء السادات لست قطع من كل نوع قماش يقع عليه اختياره، وعندما شعر السادات باندهاش الزميل همس له ضاحكا بأنه يوفر بذلك على روحه وجع الدماغ من ملاحظات الرجل الكبير: والستة يا ابنى بتبان كلها كأنها هى هى البدلة الواحدة ولا من شاف ولا من درى ولا من اشتري..!


ولقد كان أكثر ما شعر به السادات من مرارة وإحباط فى سجن مصر عام1946 تركه لمدة ثلاثة أيام ببذلته دون غيار أو صابونة اغتسال.. وبعد خروجه من السجن فى عام1948 ذهب يتوارى فى بنسيون رخيص فى حلوان حيث نفدت نقوده ليفاجأ بزيارة الصديق القديم زميل معتقل الزيتون حسن عزت الذى لاحظ هبوط معدل أناقته إلى الحضيض بعد أن بلى نسيج البنطلون الرمادى الوحيد من الخلف، وغدا بياض الجاكيت الشاركسكين اليتيم مكللا بسواد الزمان والمكان، فذهب يفصل له بذلتين ويشترى له عدة قمصان، وعندما أعجب السادات باختراع الجوارب السوكيت التى ترتدى بسهولة وبدون حمالات، أى أستيك منه فيه، وكانت قد انتشرت فى الأسواق فى فترة سجنه قام الصديق حسن بشراء أربعة أزواج له اختارها السادات زوجين كحلى وزوجين من اللون الأسود الذى يفضله مع الأبيض ليصنع جمال التضاد.. وعن مدى حرصه على مظهره فى أحلك ظروف حياته بعد خروجه من السجن عندما كانت الخمسة مليمات بالنسبة له عملة صعبة فيسير أكثر من20 كيلو لأنه لا يملك6 مليمات أجرة الترام.. «نشأت على حبى للجمال فى كل شىء، وكانت ملابسى ضمن الأشياء التى أتطلب فيها الجمال، وكانت عندى جاكتة أعتز بها كثيرا ارتديتها قبل اعتقالى مرات معدودة لا غير، فقررت أن أبيعها فى محل من محلات وسط البلد التى تشترى الملابس المستعملة.. وفعلا أخذتها وتوجهت إلى أحد هذه المحلات ولكنى عندما أصبحت على مسيرة قدمين من المحل توقفت.. لابد أن صاحب المحل سيتصور أنى سرقتها فليس من المعقول أن شابا رث المنظر بهذا الشكل يمكن أن يمتلك هذه الجاكتة الوجيهة.. خطر لى هذا الخاطر فتراجعت عائدا سيرا على الأقدام إلى البيت ومعى الجاكتة.. كنت أعرف أن التاجر لن يسألنى من أين أتيت بها، وكنت واثقا من أنه سيشتريها بأى ثمن وأن هذا الأى ثمن مهما يكن ضئيلا سوف يفك ضائقتي.. ولكنى فضلت ألا أشوه صورتى ومظهرى فى نظر إنسان لا أعرفه ولا يعرفنى مهما يكلفنى ذلك»..

ولأنه أنور السادات كان ما قرأته عنه سجينا وبخط يده من يوميات كتبها على مدي30 شهرا داخل سجن الأجانب وسجن مصر بمثابة تاريخ وإعادة اكتشاف.. تاريخا وليس تأريخا لمن عبر وأعاد الأرض وقام بالزيارة الصدمة التى استغرقتها الطائرة فى أقل من أربعين دقيقة من مطار أبوصير فى القناة إلى مطار اللد ليستقل السيارة مع كارتزير رئيس إسرائيل الأستاذ الجامعى ويصل للقدس ضيفا على فندق الملك داوود ويردد مع خيوط الفجر فى صلاة العيد بالمسجد الأقصي: صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ونادى بحقوق الفلسطينيين داخل الكنيست... من أعاد فتح القناة بعد إغلاقها ثمانى سنوات، والتى قال إنها بعد افتتاحها قد أثبتت أنها Lucky Strike وانبرى بسياسة انفتاح نقدها البعض ومدحها البعض، وتوسع يغزو الصحراء بمدن كفراوية جديدة، وأذن بدفن الملك فاروق فى وطنه بمسجد الرفاعى تلبية لرغبة الأميرة فريال ليكون مع رفات أجداده من بعد أن دفن أولا فى مسجد الشافعي، وأراد أن يوارى سوأة عشرات المومياوات الفرعونية فى موكب جنائزى مهيب يليق بأجدادنا الملوك تقديسًا وأخلاقًا ودعاية وزفة سياحية عالمية ليس لعرضها مثيل، وانبرى يرد على أسئلة بربارا والتز المذيعة التليفزيونية العالمية بإجابات أحسن منها.. من اختار نائبا له منذ بداية حكمه، واتخذ من عثمان صديقا ومن كيسنجر صديقا ومن كارتر صديقا ومن الشاه صديقا ومن العتال الذى شاركه العمل على عربة النقل أيام الهروب صديقا، ومن المستشار الألمانى هيلموت شميت صديقا وصدوقا، حتى أن شميت كتب فى مذكراته عن صديقه السادات فصلا كاملا يقرظه فيه، واعتكف العشر الأواخر من رمضان فى استراحة سانت كاترين مخططا لمجمع الأديان، وسن لكل مناسبة زيها ولكل مقام مقال ولكل مجال مغناطيسيته، وضرب مراكز القوى فى مقتل من بعد اكتشافه التسجيل تحت السرير، ومكثنا نظن أن الديمقراطية تترفق بالناس فإذا بها عنده لديها المخالب والأنياب، ووضع قانونا للعيب، وطور فى مشية الإوزة الهتلرية، وتسلح بعصا المرشالية، والتزم فى خطبه لعدة دقائق بما كتب له ليزيح من بعدها الأوراق وينبرى يقول ما عنده ويختم بالآيات المنزلات من سورة البقرة: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين».. من داوم على يدى النبوى إسماعيل النجاح فى الانتخابات بنسبة99.9%.. واغتيل يوم عرسه.. من عشق الانطلاقة من أسوار التزمت فى السجن أو مع الحرس الجمهوري، فهرب من الأول وتفنن فى صنع المشكـلات للثانى عندما كان ينطلق وحده بالعربة الفولكس ليقسم البعض أنهم شاهدوا مثيلا له الخالق الناطق على الكوبرى، وفى زحام الإشارة وعلى الطريق السريع.. من كانت نقطة ضعفه وقوته فى حبه للعمار والتعمير حتى أخذ عليه قوله: «نفسى كل حتة أرض فى مصر تِغْلى»، وكان مقصده البرئ أن يبنى كل جزء من الصحراء ليجد الشباب والفقراء بيوتا تظللـهم ولم يكن يدرى أن أمنيته ستتحقق على يد سماسرة العقارات والعمولات وتسقيع الأراضى وتشفيرها وطرحها بالمليارات لأجانب الدولارات والدينارات..

ليس تأريخا للرجل فليست مهمتى ولا صناعتى ولا أنا المؤهلة أكاديميا أو سياسيا أو حزبيا لها، ولا أنا من خريجات مدرسة الدكتور يونان لبيب رزق الراصدة لتاريخ صفحات جريدة الأهرام المئوية، وإنما مجرد واحدة غاوية البحث عن مفاتيح الشخصية للقيام برسمها فقط لا غير، وشخصية السادات على مدى أيامه وأحداثه أنه لم يكن دمويا فى صراعاته أو خلافاته مما جعله متهما فى بعض الأحيان بالتراخى الأمني.. شخصية رجل موهوب فى فن التشخيص الذى صنع مجده وصنع مأساته، واستشعر وطأته فى شرخ الشباب فأرسل صورته للمنتجة آسيا فى عام1939 عندما طلبت وجوها جديدة لغزو الشاشة، ونشرت مجلة الهلال صورته كوجه مرشح للتمثيل، وأراد السادات وهو على رأس المؤتمر الإسلامى جمع كل أعداد الهلال القديم التى نشرت الصورة فكان من غير المستطاع، وربما من هذا المنطلق كتب بيجن فى مذكراته عنه قوله: «السادات مثَّل علىَّ الدور»... وشخصية الممثل المقنع المقتنع بجوانبه السلبية والإيجابية تلك جعلته فى عام1932 يخلع ملابسه ويغطى نصفه الأسفل بإزار ويصنع نولا للغزل ويعتكف فوق سطح بيتهم فى كوبرى القبة لعدة أيام تشبها وانبهارا بالزعيم مهاتما غاندى إلى أن تمكن والده من إقناعه بالنزول من على السطح والعدول عن دوره الذى لن يفيده أو يفيد مصر فى شيء، بل على العكس من المؤكد أنه سيصيبه بمرض صدري، وعندما زحف هتلر من ميونخ على برلين ليخلص بلاده من آثار هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى قام بطلنا بجمع أقرانه وهو فى الثانية عشرة ليتزعمهم مثل هتلر الذى يجيد طريقة أدائه للزحف على القاهرة من ميت أبوالكوم.. وأبدا لم يمثل لون بشرته الداكنة لديه أية عقبة لتخطى السدود إلى قمم الأناقة والوجاهة والجاذبية، فقد نشرت مجلة لايف صورته إلى جانب النجم جريجورى بيك وأمير موناكو كواحد من أكثر رجالات العالم أناقة، تلك الأناقة التى قد تكون جزءا من أسباب اغتياله عندما رفض ارتداء الجاكت الواقى من الرصاص تحت البدلة العسكرية المحبكة ألمانية الطراز فى حضور العرض العسكرى ليظل محتفظابوزنه المثالى ومظهر رشاقته التى داوم من أجلهما على الرجيم والجبن القريش، وبقى قوامه المثالى حتى النهاية بدون كرش أو سنتيمتر زائد من الشحم.

إن يوميات الشهور الثلاثين التى قضاها محمد أنور السادات فى السجن ما بين عامي1946 و1948 تعد نافذة تاريخية على ما قد جري، أما ما خرجت منها بإعادة الاكتشاف فقد كان اكتشافى لنفسى من أننى عندما أحببته.. السادات.. كان عندى حق.

من بين أيامه المسجونة كتب فى 20 يناير1946 فى سجن الأجانب: مضى على الآن ثلاثة أيام وأنا أنام ببدلتي، فقد نقلونى إلى هنا مساء الخميس السابق دون أن يحضروا ملابسى وحاجاتى من سجن مصر حيث كنت، لذلك كتبت خطابا شديد اللـهجة إلى النائب العام فى شأن هذا الإهمال، وتركى بدون ملابس أو حتى صابونة لأغتسل.. وقد سبب لى النوم بالبدلة التهابا شديدا فى فخذى جعلنى أهرش كما لو كنت أجرب!

4فبراير1946

طلعت علينا جريدة المقطم وفيها خبر نقل كيلرن من مصر، ولما كنت أبغض هذا المخلوق الذى أدمى كرامة مصر كلها، فقد صممت على أن أحتفل، وأرسلت فى شراء دستة جاتوه باسم المسجونة ليلى الهندية ووزعتها على ليلى والسجانات واستبقيت لنفسى ثلاث قطع احتفل بأكلها على فنجان شاى المساء، وقد استمتعت بأكلها أيما استمتاع، خاصة أن المعازيم تركوها لى من النوع الدسم المملوء بالكريمة، وفى نحو الساعة الثانية صباحا استيقظت على مغص وإسهال مروع، واتضح أن الجاتوه كان تالفا، وقد جئ به من دكان فى شارع محمد علي.. إننى أقرر لوجه الحقيقة أن بغضى لكيلرن قد تحول إلى حقد دفين منذ هذه الليلة!

14فبراير1946

ليلى الهندية تحب السجين رقم19 هذه هى العبارة التى يرددها السجن كله، قالتها لى سنية السجانة، بل أكثر من هذا تقدمت ليلى للمأمور بطلب إعطاء المسجون رقم19 فسحة أطول لكى تتمتع بالتحدث إليه ومناجاته، وقد دفعنى الفضول لرؤية هذا الحبوب وبكل عناء تمكنت من أن أراه لمدة نصف دقيقة فوجدته يستحق إعجاب ليلى فعلا، إذ كان شابا أشقر ذا أنف روماني، وشعر أصفر، وتقاطيع متناسقة فى رجولة.. وقد علمت فيما بعد أنه يدعى محمد إبراهيم كامل.

أول يوليو1946

اجتمعنا نحن المتهمين فى قضية أمين عثمان نفكر فى كيفية جعل حياتنا هنا شيئا محتملا بقدر الإمكان وانتهينا إلى القرارات الآتية:

1- يصير توزيع جميع الأطايب والحلويات وما شابهها التى تأتى لأحد المتهمين على الجميع.

2- على كل من يرى امرأة جميلة فى شباك سجن النساء أن يخطر الباقين لمشاهدتها أثناء الطابور والغزل ممنوع ويكتفى بالمشاهدة، أو المصمصة والصعبنة والبسبسة فقط.

3- إصدار مجلتين أسبوعيتين تتضمنان الحوادث العامة والتعليق عليها، ونقد المتهمين أنفسهم، والتعليق على ما يدور من حوادث السجن بخلاف أى مواد أخرى يراها رئيسا التحرير.

10يوليو1946

المكان كخلية النحل، فبينما أخذ المتهمون فى استحضار الكتب والمؤلفات، نجد رئيسى تحرير المجلتين المزمع إصدارهما وسيم خالد و محجوب الجابرى يتفنن كل منهما فى اختيار الأقلام الملونة والورق.. وقد سرت إشاعة أن المقالة الجيدة أو القصيدة الموزونة ثمنها سيجارة ولاشك أن ضخامة التمويل هذه تبشر بإنتاج صحفى رائع فالسيجارة هنا أندر من الذهب.

بداية أغسطس 1946

استيقظنا لنرى فى غرفة كل منا إعلانا من هيئة تحرير «الهنكرة والمنكرة» وهو الاسم الذى اختاره وسيم لمجلته يحوى أقذع الشتائم لهيئة التحرير الأخرى ويتهم محرريها بأنهم مأجورون، وأن محجوب شوهد مع الضابط النوبتجى فى خلوة أمنية.

نهاية أغسطس 1946

قاتل اللـه البروباجندا.. اليوم نظمت هيئة تحرير الهنكرة والمنكرة موكبا فى طرقة السجن يتقدمه محجوب، ومن خلفه مدحت يعزف على مندولين مصنوع من أستيك الكالسونات ومشدود على علبة فواكه فارغة، وسعيد يحمل طبلة مصنوعة من كرتون مشدود على صحن المياه المنصرف لنا، وسار الموكب والمسجونون يصفقون ويهللون إلى أن وقعت الطامة وجاء ضابط السجن على هذا الضجيج.. وكان من نصيبنا أن أقفلت علينا الزنازين طيلة اليوم وهددونا بقفلها طيلة الأسبوع إن عدنا.. ألا قاتل اللـه البروباجندا!

26أكتوبر1946

دام الإعداد للمجلة شهورا وفى العدد الأول لم يفت أصحابها العناية بباب الأخبار ومنها هذه الانفرادات: دخل أحد اللصوص حجرة عمر حسين أبو على لتأدية واجبه كالمعتاد، ولكنه لم يعثر فى الحجرة على آثار المأكولات، فرق قلبه لما تبين حالة الفقر المدقع التى كانت تظهر على الحجرة وخرج تاركا فيها موزة وثلاث بلحات.. للـه.. قال لنا فريق سابق إن السيجارة فى السجن أثمن من فردة كاوتش بره.. تتناقل الألسنة هذه الأيام أن أنور السادات وقع فى غرام سجن النساء.. والحب أعمى كما يقولون..

20فبراير1948

استخف بنا الفرح بعد الحكم الابتدائى بالبراءة فنظمنا مهرجانا لسهرة فى قصر هارون الرشيد واشتركنا جميعا فى التمثيل والإخراج والغناء والاستمتاع فى آن واحد، وكان توزيع الأدوار كالآتي: أنور السادات: الخليفة هارون الرشيد، وحسين توفيق: السياف عبداللـه، والسيد عبدالعزيز خميس: القهرمانة وكبيرة القيان، وسعيد توفيق: كبير الحجاب، ومدحت فخري: شهرزاد الراقصة المغرية، وعمر أبو علي: اسحق الموصلي، وأحمد وسيم ومحمد كريم ومحجوب: فتيات الكورس، والجوهري: بائع اللب، ومراد: الخواجة ورئيس وفد الفرنجة، وتبدأ السهرة بصوت القهرمانة ومن خلفها ترديدات الكورس، ويطرب الخليفة فيستعيد النغم مثنى وثلاثا ولا يتمالك عندما يأخذ الطرب بمجامع نفسه من أن يندفع ويرد على الكهرمانة والقيان:

أنا جيت لكم واللـه يا ولاد.. أنا أحبكم أوى أوى يا ولاد.. أنا جيت لكم أنا جيت.. دا الاتهام لخبيط!!

ويطلب الخليفة من الكهرمانة أحدث مواويل الموصلى فى الصبر والسلوان فتنشد مع القيان:

نامت عيونك وعين اللـه ما نامت.. ما فى ولا شدة على مخلوقها دامت.. وإن دامت الشدة ما يدوم صاحبها.. راحت ليالى الهنا ياليتها دامت..

وتندفع الراقصة اللولبية المغرية شهرزاد على نغمات الموال، ويصيح الخليفة فى حبور: هدهدونى هدهدونى اطربونى اطربوني، وينتهز بياع اللب الفرصة فينادى على بضاعته بصوت نشاز فيأمر الخليفة بإخراجه من المكان... ويحل وقت العودة إلى الزنزانات فينتهى الحفل بين رنين الضحكات، وباسم الثغور، وبالغ البهجة والحبور.. وغضب السجانين وصك الأقفال!

يونيو1948

فجأة.. ودون أن يعلم أحد هرب حسين توفيق، لقد وصلنا الخبر أول ما وصل، على وجه السجانين والضباط، ثم انهالت علينا القيود والتشديدات، وعدنا إلى سالف العصر والأوان.. لقد كان حسين شرا فى وجوده، وشرا فى هروبه، ففى وجوده كان خير من يثير عنف المناقشات وزعيقه يكهرب الجو بالتكهنات والتوقعات والاحتمالات والمؤامرات.. ثم هرب فكان سببا فيما نزل بنا من كبت وإرهاق، اللـهم سامحه وألطف به وبنا.

7يوليو1948

انتهى اليوم الدفاع وتأجلت القضية إلى جلسة 24 يوليو

بالحكم.

20يوليو1948

منذ يومين ونحن مشغولون بالأحلام التى هطلت علينا كالمطر ويظهر أن الحالة النفسية المسيطرة علينا كان لها الأثر الأول فى تكاثرها، فقد رأى مدحت أنه يلبس ثيابا بيضاء ويركب حصانا أبيض ويسير به الهوينى فى نادى سبورتنج، ولما التقينا رفض أن يكلمنا لأنه من الأسياد ونحن فلاحون.. وقد نال جزاءه على ذلك بأن فسرنا له الحلم ألعن تفسير.. ورأى عمر فى المنام أنه معزوم فى مأدبة بها ما لذ وطاب لكنه كلما مد يده ليتناول لونا تحول فى يده إلى لب أو حمص حتى انقطع قلبه على حد تعبيره، وفجأة رأى العزومة تنقلب إلى عنبر السجن، والطعام يتحول إلى يمك السجن فاستيقظ مهموما.. ورأى محمد كريم فى المنام أنه قد نبت له ذيل وأنه كان يبكى خجلا من أن يعرف زملاؤه ذلك.

24يوليو1948

قال القضاء كلمته ليقرر أنى برئ، وها أنذا أكتب هذه الكلمات من بنسيون فى حلوان جالسا وفى رأسى زحام كبرج بابل.. لكنى أردد: اللـهم لك الحمد حتى ترضي.

السادات.. فلاح ميت أبو الكوم الذى هرع طفلا حافيا بالقميص البفتة فى ذيل جدته أم الأفندى فوق الجسر للحاق بمركب البلاليص الراسية فى كفر زرقان لأن العسل وصل.. المطارد الذى كان عاملا باليومية لقطع الرخام فى محجر جنوب بنى سويف ليقوم بنقله بنفسه إلى الأهرامات ليبنى استراحة فاروق.. اليوزباشى خريج السجون الذى اختبره شكرى زيدان للتأكد من أنه الكاتب الحقيقى ليوميات الثلاثين شهرا فى السجن قبل الإذن بنشرها فى مجلة «المصور» فأعطاه مهلة النصف ساعة الباقية على دوران المطبعة ليمط فقرة كتبها فى سطرين إلى عامود ونصف، فأنجز مهمته فى عشر دقائق فقط، فقام بتعيينه براتب شهرى وليس بالقطعة كالآخرين، وذلك فى وظيفة المراجع فى دسك دار الهلال خلفا لإحسان عبدالقدوس... السادات الذى عمل بالسياسة منذ عام1939 عضوا فى أول تنظيم سرى للضباط كان اغتياله في6 أكتوبر1981 بسبب قوله المأثور المطبوع بختم السادات: «لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين»..

السادات الشغوف بالقراءة والكتابة، زبون سور الأزبكية الذى أجاد الإنجليزية والألمانية، والذى قرأت لابنى صغيرًا على منهاجه كتابه «يا ولدى هذا عمك جمال» الذى يحكى فيه بأسلوب الجدات حواديت الوطن، والذى كتب فى حياته يومياته «البحث عن الذات»، وبعد وفاته ينشر له كتاب «وصيتى»، ولم يقبل إبراهيم سعده تولى رئاسة تحرير جريدة «مايو» إلى جوار أخبار اليوم إلا بعدما وقع معه عقدًا بنشر مذكراته فى الصفحة الأخيرة بعنوان «عرفت هؤلاء» وكان من بينهم عزيز المصرى وخروشوف وزملاء المعتقل.. السادات ابن المنوفية الجالس بعباءته يدخن البايب ويروى لـ«همت» ذكرياته السياسية كان حريصًا على غلق جميع أبواب مسجد القرية بعد صلاة العيد تاركًا إحداها مفتوحًا ليقف على عتبته للسلام باليد على جميع المغادرين واحدًا تلو الآخر مستفسرًا عن أحوال عائلته بالاسم.. السادات الذى سجل القرآن الكريم بصوته مع حرصه على اسمه الثلاثى «محمد أنور السادات» فى كل محفل دينى.. السادات الذى تفاخر موسى صبرى زميل المعتقل ــ فى قوله لى ــ بأنه الذى كتب خطبة السادات فى الكنيست الإسرائيلى مفضلا تعبيراته الموحية على السطور الرسمية الخشبية التى كتبها أسامة الباز عندما عقد المقارنة بينهما.. الرئيس المصرى الذى قرر الكونجرس الأمريكى منحه أعلى وسام وأعلى درجة تكريم فى العالم أجمع فى ذكراه المئوية فى 25 ديسمبر الحالى كرجل سابق لعصره.. السادات بطل الحرب والسلام الذى جمعنا فى عام 1981 لنحتفل بإصدار جريدة مايو فأمضينا معه يومًا كاملا فى منزله المتواضع بالاسماعيلية الواقع على شط القنال لنتناول معه بحضور عثمان أحمد عثمان الطعام والحوار والجوار والسماحة والبساطة والألفة وكأننا فى بيت الخال، حيث اصطحبنا شلة التريض لشاطئ القنال لنشاركه متعته فى مشاهدة السفن الضخمة العابرة للشريان العائد للحياة من بعد طول موات، موجهًا أنظارنا بتكرار إلى فنون عمارة تلك السفن وتصميماتها الحديثة ودرجات ألوانها المتجانسة.. وشربنا الشاى بصحبة حديث الخال على أنغام التاريخ والحاضر والمستقبل، ومينا موحد القطرين، وقناطر محمد على وأوبرا إسماعيل والإمام محمد عبده، وعرابى الذى أرسل لصديقه المنشاوى باشا أول شتلة مانجو وموز من منفاه فى جزيرة سيلان، ونهضة مصر لمختار وعبقريات العقاد وأيام طه حسين، وتاريخه المتوجس من هيكل.. ومواقف أنيس منصور.. وقال السادات يومها: هات لكل واحد من أسرة تحرير «مايو» فيللا يا عثمان، وانشكحنا جميعًا، وأبدًا لم ينفذ عثمان الأوامر الرئاسية فقد كانت من قبيل «طق الحنك».. ولن أنسى السادات بعدما ظل يسرد لنا فى ساعات مساوئ إسرائيل وتجاوزاتها وسوء نية وتعنت مناحم بيجن بالذات فأتاه سؤال إبراهيم سعدة معقبًا ــ وربما متصيدًا ــ عن موقفه إذا ما فاز بيجن فى الانتخابات الإسرائيلية القادمة؟!! فأتى جواب السادات وكأنه كان حاضرًا مسبقًا على طرف اللسان: «صديقى»، وإزاء تلك الإجابة غير المتوقعة انفجرنا جميعًا فى الضحك، فابتسم الرجل المحنك قائلا: «السياسة كده ياولاد»...

سطور السادات محفورة على جدران تاريخ مصر.. سطر بمداد النصر بقلم السداد.. وملحمة يكتبها السيسى بأحرف من نور لتحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.

 

[email protected]


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: