رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منطق ترامب.. دوافعه وتداعياته

على الرغم مما يبدو للوهلة الأولى من أن قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا ليس سوى حلقة فى سلسلة القرارات العشوائية التى يتخذها منذ بدأت ولايته، فإننى أعتقد أن الأمر يقتضى التذكير ببعض الأمور البنيوية فى سياساته إذا جاز التعبير، بغض النظر عن أسلوبه فى إخراج قراراته، وأود فقط أن أُذكر بأن هذا القرار ليس سوى ترجمة لمنطق واضح ومتسق مع نفسه يتعامل مع القضايا الاستراتيجية الكبرى بمعيار حسابات التكلفة/العائد وهو منطق يرجعه الكثيرون لخلفيته كرجل أعمال ناجح، وفى هذا السياق يأتى قرار ترامب الأخير، ويعلم الجميع أنه لم يكن مؤيدا لوجود عسكرى فى سوريا فى حملته الانتخابية، ويذكر الكافة أنه لوح غير مرة بإنهاء هذا الوجود كما حدث فى أبريل الماضى عندما أعلن عن سياسة جديدة لسوريا، وصرح بقوله: أُريد مغادرتها. أُريد أن أعيد قواتنا للوطن، بل إن ما يمكن أن يكون الكثيرون قد نسوه أنه غرد بقوله فى 2013-أى قبل انتخابه بثلاث سنوات- فى خضم الجدل حول رد فعل الرئيس السابق أوباما لاستخدام الأسلحة الكيميائية فى سوريا: «لا تهاجم سوريا، بل قم بإصلاح الولايات المتحدة»، وقد يُقال أن تكلفة الوجود العسكرى الأمريكى فى سوريا الذى يقتصر على ألفى عنصر لا تُذكر، غير أن الرد بأن القرار جزء من سياسة لترامب مؤداها أن الولايات المتحدة لا يمكن لها أن تستمر فى حماية الآخرين وتمويل هذه الحماية بإنفاق آلاف التريليونات من الدولارات لحماية أشخاص لا يقدرون صنيعها، وهو المنطق نفسه الذى طبقه مع حلفائه الأطلنطيين عندما اتهمهم بعدم تحمل نصيبهم من العبء المالى للدفاع عنهم، وقد آن الأوان وفقاً لمنطقه هذا أن يحارب الآخرون معاركهم.

وقد ووجه قرار ترامب بعاصفة من النقد من خصومه بل وبعض من أهم حلفائه فى الداخل الأمريكى لعل أبرز مؤشراتها استقالة وزير الدفاع الأمريكى واعتراض مجموعة من أبرز مؤيديه الجمهوريين فى الكونجرس، كذلك عارضه كل حلفائه الخارجيين سواء الأوروبيون منهم أو الدول والجماعات السورية المعارضة التى تعول على الحماية الأمريكية، بينما فرح خصومه الخارجيون بالقرار، وعلى رأسهم روسيا وإيران والنظام السورى وحلفاؤهم، وقد يرى الكثيرون فى هذا اقتراباً لنهاية ترامب أو إفلات زمام الأمور من بين يديه غير أننا يجب ألا ننسى أن هذا المنطق هو الذى أوصله للرئاسة، وأنه على الرغم من كل ما اعتُبر تصرفات غير رشيدة فى السياسة الخارجية من وجهة نظرنا فإن قاعدة تأييده الداخلية لم تتأثر، وأتحرق شوقاً لمعرفة أثر القرار الأخير على اتجاهات الرأى العام الأمريكى، وأتوقع أن هذا الأثر لن يكون كما يتوقع البعض، خاصة أن ثمة اتجاهاً راسخاً عبر الزمن لدى الرأى العام الأمريكى إلى التحفظ إن لم يكن الاعتراض على الزج بالقوات الأمريكية فى صراعات مسلحة، ولعل حرب فيتنام كانت نقطة الذروة فى هذا الصدد، ومن ناحية ثانية ثمة مسألة أخرى فى تفسير قرار ترامب وهى تراجع أهمية الشرق الأوسط للسياسة الأمريكية مع تراجع الحاجة الأمريكية، لبترول المنطقة والأهم ظهور مناطق أخرى أكثر حيوية ،للمصالح الأمريكية، وبالذات فى آسيا خاصة مع الصعود الصينى المستمر، وقد نذكر أن هذا الاتجاه قد ظهر جليا إبان رئاسة سلفه أوباما وعقيدته المشهورة، ولا ينفى الحديث عن وجود منطق فيما يفعله ترامب أنه ينطوى على تناقضات أو أنه قد يتسبب فى زيادة الفوضى بمنطقتنا وغيرها لكن هذا ليس جديداً على السياسة الأمريكية، وقد أُذَكر القارئ الكريم بأيام الفوضى الخلاقة.

ويبقى أن الأهم بالنسبة لنا هو تداعيات هذا القرار والسياسة الكامنة خلفه علينا، وأعتقد أن الدرس الأول هو ضرورة إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومى العربى، وترسيخ كيان الدولة الوطنية العربية فهما يشكلان المخرج الآمن من كل هذا العبث بمصائرنا، وأعتقد أن هذه ليست المرة الأولى التى يثبت فيها فساد فكرة الحماية الخارجية، وينطبق هذا على الدول والجماعات معا، فلقد أجج ترامب صراعا لا شك أن له مسبباته الحقيقية بين إيران وبعض العرب واتبع سياسة تصعيدية إزاءها، ووصل الأمر إلى الحديث عن حلف عربى لمواجهتها بل والتلميح إلى أن حلفاً كهذا يمكن أن يحظى بتأييد إسرائيلى وهو حديث يجب أن يُقطع دابره ليس لأن إيران لا تشكل خطراً علينا ولكن لأنه آن الأوان لكى نمسك بزمام أمورنا بأيدينا ولا نصبح موضوعاً للابتزاز فنستخدم القوة الرشيدة حين نشاء للدفاع عن أمننا كما حدث مثلاً فى عاصفة الحزم، لكننا يجب ألا نستسلم للابتزاز المتواصل بشراء أسلحة يعود مردودها الرئيسى إلى الاقتصاد الأمريكى، وإذا كان بيننا وبين إيران من التناقضات ما يدعو إلى الخلاف فليس من مصلحتنا الرقص على النغمات الأمريكية أو الاستسلام لتصعيد لا مبرر له، ومع كل الاستعداد لمواجهة أى خطر إيرانى جديد يجب أن تكون لدينا الثقة الكافية بالنفس للمبادرة بحوار مع إيران من موقع الندية -وهى ندية حقيقية- بغرض التوصل إلى تفاهم يحفظ المصالح المشروعة لأطرافه بعيدا عن أى دواعٍ للهيمنة كبديل آمن عن تصعيد سوف يدفع الجميع ثمنا باهظا له، أما ترسيخ كيان الدولة الوطنية فهو السبيل الوحيد لتفادى التدخل الخارجى البغيض فى شئوننا، ولعل هذا الدرس يكون الأخير لإخوتنا الأكراد الذين راهنوا عبر العقود على حماية خارجية، ثبتت دائما انتهازيتها وعدم ديمومتها، فيقدمون على العودة إلى حضن الوطن دون أى تفريط فى حقوقهم، وهى خطوة تشارك فيها على قدم المساواة النظم الحاكمة فى دولهم، وليتخذ ترامب بعد ذلك ما يحلو له من قرارات.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: