رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كـرسى الاعتراف

نصيحة غالية همس لى بها يومًا عالم النفس الراحل الدكتور عادل صادق لتكون بمثابة كلمة السر، ومفتاح الكنز، والباب الملكى لعبور المحيط، فى مجال الحوار الصحفى الناجح، وهى الأخذ بيد محدثى من فوق مقعده الوثير، ومنصبه الرفيع، ومكانته المرموقة، ومنزلته المتصدرة، لنهبط معًا لا شعوريًا لمرتع طفولته، تاتا تاتا، وبالتدريج وبتؤدة وبشويش وعلى كفوف الراحة وخالص الابتسام والانسجام والوئام والإنصات التام حول دور الست الوالدة فى حياته وعقاب السيد الوالد، وأول علقة وأول درس وأول كبسة وأول واوا وأول لعبة وأول بدلة وأول خطوة وأول ما قلت سيادتك يا هادى.. مع الاحتفاظ كمستمع شغوف بكافة مظاهر الاحترام والاندهاش والإعجاب والابتسام ويا سلام يافندم، وغير معقول وياه كل ده حصل!! ساعتها. بعدها.. صاحب المنصب الرفيع شاهنشاه المكتب الوثير ذو الحيثيات والشهادات والسكرتيرات والتليفونات وقاعات المؤتمرات سيغدو ودودًا مهاودًا مطاوعًا مُجاملا دمثًا وبراءة الأطفال فى عينيه، فقد عزفت على الوتر الحساس.. أعدته أمامك كتكوتًا صغيرًا لا حول له ولا قوة يتلقى التعليمات ويتجنب التهديدات..

جئت له بسيرة ماما.. ست الحبايب.. ربنا يخليها.. ربنا يرحمها.. ربنا يجازيها.. الفاتحة على روحها.. ونِعم الخِلفة والتربية يافندم.. و.. وبدورى نقلت نصيحة الدكتور عادل صادق للكتيبة الصحفية المتميزة التى عملت معها فى مجلة نصف الدنيا عندما فكرنا فى إخراج عدد خاص بعنوان «كرسى الاعتراف» صدر فى عيد ميلادها الحادى عشر عام 2001، حيث استمعنا إلى اعترافات خمسين شخصية مصرية من روافد نهر المجتمع المصرى جلسوا على كرسى الاعتراف عن طيب خاطر ونفس راضية واستدراج مقبول ومكوث بلا إكراه، وأباحوا بالكثير والكثير، لكنهم عندما انتهت المقابلة لم يجيزوا سوى القليل القليل، فكنا عند حسن ظنهم بنا فلم ننقض العهد ولم نخلف الوعد، واكتفينا بما أجازوه رغم المشقة التى يتحلمها صاحب مهنة البحث عن المتاعب عندما يحصل على كنز ممنوع من النشر. لكننا عذرناهم فقد استرسلوا فى الاعتراف بأريحية طوعًا لنصيحة علم النفس.. من فضلك من فضلك احكى لى عن طفولتك.. عن شقاوتك وبعدين؟! اللـه.. وبعدين؟!

من بين الخمسين شخصية اعترف عمار الشريعى للموهوب عمر طاهر: «أقلعت عن التطرف فى مشاعرى، كنت أحب جدًا أو أكره جدًا، ولا أهادن ولا أجامل، بدأت أعترف بالمنطقة الرمادية فى علاقتى بتفاصيل عديدة فى الكون، وهى منطقة لها اعتبارات مهمة، وتصنع قدرًا من التوازن، منطقة تضم ما يسمى بافتراض حسن النية واختلاف وجهات النظر واختلاق الأعذار للغير.. تغيرت وجهة نظرى فى الحب تمامًا، كنت أرى أن الحب به قدر كبير من فرض شروط معينة، والحفاظ على قدر من المصلحة والفائدة إلى أن علمنى ابنى (مراد) أن الحب قيمة مطلقة بلا شروط.. كنا فى السيارة أنا وهو ووالدته، وكان يجلس فى المقعد الخلفى، وفوجئت به يمسك وجهى بيديه الصغيرتين فالتفت إليه قائلا: (فيه إيه؟) فقال: (أنا بحبك قوى يا بابا).. تخيل هذا الطفل هزمنى بالضربة القاضية، قدم لى فى جملة واحدة أضعاف ما سأقدمه له حتى يصل عمره إلى واحد وعشرين عاما. حالة حب طرحت نفسها فى ثوان لم أتصورها فى حياتى ولم يخطر فى بالى أن هذا هو الحب.... فى عام 1970 عقب حصولى على الليسانس بأسبوع واحد نزلت للعمل فى إحدى الفرق بكازينو رمسيس بشارع الهرم، وفى يوم قالت إحدى الراقصات (انتوا جايبين لى واحد أعمى يرقصنى)، جرحتنى الكلمة وكنت وقتها مازلت طريًا وقلت لنفسى (وحياتك لأرقَّص اللى ما يترقص)، وعندما نجحت فى هذا التحدى الذى وضعت نفسى فيه لرد اعتبارى كفنان، اعتزلتُ وأغلقت هذه المرحلة تمامًا رغم مرورى بظروف مادية وغيرها تجعلنى أقبل العودة خصوصا أننى كنت مطلوبا وقتها وبأجور مرتفعة، لكننى رأيت أن التجربة كلها كان الهدف منها نفسيًا وليس ماديًا وعندما نجحت.. اعتزلت.. لم أتعرض لنقد يجعلنى أعيد حساباتى، لكننى تعرضت لـ(الشتيمة) كثيرًآ، وفى الوقت نفسه أنا من أكثر الناس الذين استمعوا إلى كلمات إطراء تفوق فى الأحيان أعمالهم، قال لى الموسيقار محمد عبدالوهاب: (اسمع ياابنى، أنا عمرى ما قلت لحد أنا واِنت روح واحدة فى جسدين إلا ليك انت، وإنت بختك كويس لأنك جاى تكمّل وأنا ماشى)، قلت له: (تمشى فين يا أستاذ، يارب تدفنا كلنا)، فقال لي: (ياابنى دى لحظة صدق.. اسمعها منى، أنا ماباحبش أقولها تانى)، ثم أردف قائلا: (أنا عايزك تمشى فى سكتك، اوعى حاجة تخليك تبطل مزيكا)، وفى سنة قدمت مع سيد حجاب أغنية وطنية اسمها «جينا زى الريح الحرة»، أغنية تعبت فيها وكنت أراها جديدة وقوية، لكن هذه الأغنية توارت خلف النجاح والتوفيق من اللـه لأغنية جمال سلامة والأبنودى «إن كان ع القلب» ولم تعط هذه الأغنية فرصة لأغنيتى لتظهر جيدًا، فأصبت بالإحباط وقررت اعتزال الموسيقى نهائيا.. وبعد أيام فوجئت بالـمُوسيقار كمال الطويل يزورنى فى منزلى ليقول: (قبل أى حاجة. لو عايز تبطل مزيكا. اتفضل. المزيكا ماتبكيش على حد.. لو انت لسه بتفرح بالمزيكا. كمل ولو ماعندكش جديد اعتزل)، فقلت له (لسه بافرح بالمزيكا) قال: (طيب سمعنى الأغنية).. وبعد أن استمع إليها قال لى: (ياابنى الغنوة دى لا جيلك ولا الجيل اللى قبلك، ولا جيل عبدالوهاب.. عملوا واحدة زيها..).


وتلتقى البارعة مها شُهبة بالناقد عبدالقادر القط ليأتى من بين اعترافاته: «لقد قصرت فى حق زوجتى.. فقد كانت أجنبية نمساوية جاءت إلى مصر للمرة الأولى ولا تعرف اللغة وليس لها أصدقاء، وقد حاولت بقدر الإمكان أن أكون معها لكن انشغالى المبكر بالأدب والجلوس فى المقهى، إلى جانب انشغالى بالمعارك الأدبية والأحاديث الإذاعية والكتابة كلها أخذتنى بعيدًا عنها لكنها احتملت هذا كله صابرة، والشعب النمساوى بطبيعته من أقرب الشعوب للمصريين، وربما كان الزواج بأجنبية ميزة وهى أنه لا يدخل الإنسان فى علاقات اجتماعية وواجبات تصرفه أحيانا عن العمل، وأعترف بأن ابتعادى عن الحياة السياسية بتياراتها كان خوفًا على زوجتى من أن أتركها وحدها فى غربتها حين يصيبنى من الأذى ما كان يصيب غيرى، ولقد كان لوفاة والدتى وأنا فى سن مبكرة تأثير كبير فى شخصيتى وتكوينى، كنت فى الرابعة الابتدائية عندما توفيت، وكانت هناك تجربة أسبوعية خاصة تزيدنى ارتباطًا بها كأى صبى ريفى، فقد كان علىّ أن أرحل إلى المدرسة الابتدائية البعيدة عن القرية ولم أتجاوز الثامنة وأعود فى نهاية الأسبوع، ثم أرحل السبت فى الصباح الباكر قبل أن يظهر النور وتضىء الشمس الكون وكانت والدتى تودعنى فى هذه الحلكة، فكانت تتلمس وجهى بيديها وكأنها تربت على وجهى، ولكنها كانت فى الحقيقة تتلمسه لتتأكد أننى لا أبكى، وكانت هذه لحظة عسيرة لأنه كان علىّ أن أتجلد ولا تسقط دموعى حتى لا أحزنها، ولما فقدتها كان فقدًا كبيرًا له أثر فى نفسى وتكوين شخصيتى، وجاء بعدها تركى للقرية ليغدو هو الفقد الثانى بعد فقد الأم، والغربة الثانية بعد الغربة عن حضنها ما ولَّد لدى بعدها ميلا للعزلة ونوعا من الحذر من الآخرين إلا دائرة خاصة من الأصدقاء.. أعترف بأنى أخشى على الأدب من الانقراض ــ الاعترافات عام 2001 ــ فقد كان للأدب والثقافة فى الماضى مكانة كبيرة فى المجتمع، وكانت الثقافة متصلة بالسياسة، فكان لا يمكن أن يأتى وزير فى تشكيل وزارى والناس لا تعرفه من قبل.. بل لابد وأن يكون له فكر سياسى معروف وهذا الامتزاج بين السياسة والثقافة كان يجعل للثقافة دورًا وتأثيرًا فعالا فى المجتمع، ولهذا كان للمعارك الأدبية صدى واسع.. وفجأة استيقظنا وفتحنا أعيننا على التحولات الخطيرة فى العالم ــ فى مجال التكنولوجيا والصناعة ـ وشعرنا كم نحن متخلفون عنها، وأردنا اللحاق بركبها فأدرنا ظهورنا للأدب والثقافة، وقلنا لنأخذ بأسباب العلم، ونسينا أن الحضارة الغربية ليست قائمة على العلم وحده، وأن النهضة لا تنشأ من فراغ وإنما من امتزاج الفكر والأدب والعلم والفن..

وتلتقى المحررة الدءوب سهير عبدالحميد بطبيب علم النفس يحيى الرخاوى ليعترف: قرش صاغ فى اليوم كان مصروف يدى المتواضع نتيجة طبيعية لعدد أسرتنا الكبير ثلاثة أبناء وفتاتان، وذات مرة تمنيت حضور مولد الشيخ الرخاوى وهو عم غير شقيق لأبى وكان ابنه قد حوله بعد وفاته إلى شيخ له مقام ومولد على الطريقة النقشبندية، وفى المولد كانت «هانم» تغنى وتمثل وكان الشاعر ينشد فيها:

قلبى عشق ست بيضا واسمها هانم

دقة على صدرها محمل بسلالم

واللى معاه مال ييجى يتفرج على هانم

واللى بلا مال يموت قتيل المحبة

والسبب هانم..

ولم أكن أستطيع بمصروفى المتواضع أن أتفرج على هانم، فكنت أحقد على الشاعر لأنى كنت على يقين أنى سأموت دون أن أقرب امرأة، وربما هذا ما جعلنى أتمنى أن أعمل سفرجيا لأخدم الفتيات الجميلات، وكانت أمى فصلا كاملا من حياتى، لم أكن أعرف قدر حبى لها إلا بعد غيابها، كنت ولدها الرابع بعد شقيقين أكبر، وبعد وفاة ابنها البِكرى، وفى الريف كانت المرأة تخشى الحسد إذا أنجبت ثلاثة ذكور، لذا أخفتنى عن العيون بالفستان وحلق صغير فى أذنى ونادتنى «سوزان» حتى تقينى شر عين عماتى اللاتى لم ينجبن هذا العدد من الأولاد مثلها، خصوصا أن والدى تزوجها دون رضا إخوته.. وذات يوم اكتشف زوج عمتى المستور فخلع عنى الحلق وأعطانى المقص لأتخلص من الفستان إلى الأبد. كانت أمى لا تقرأ ولا تكتب وهذا هو عظمتها، لا أدرى من قال المرأة المتعلمة تربى أبناءها أفضل، كانت تعبّر عن نفسها بصراحة وتؤدى واجبها نحونا وخصوصا والدى، كنت أشتاط غيظًا عندما تحجز له قطعة إضافية من اللحم، وتعطيه أفضل جزء من الدجاجة، وكانت تبدأ بأخوتى الكبار فكان ما يصل إليّ فى النهاية مجرد دبوس عظم مغطى بالجلد.. فى عام 1968 مات والدى وكان فى ذهنى اعتقاد بأن الأزواج المرتبطين ارتباطًا وثيقًا عندما يموت أحدهما لابد وأن يلحق به الآخر بعد أيام أو أسابيع، لكن خاب ظنى والحمد للـه فأمى لم تجزع ذلك الجزع بل إن علاقتها قد توثقت بأبى بعد موته أكثر فقد كانت تمضى الوقت فى قراءة صغار السور وتهديها إلى روحه وتدعو له ولنا، وجاء موعدها لتلقاه ويومها كنت فى الكويت، وعندما سمعت بالخبر شعرت بتنميل فى كف يدى وكأنى أمسك بليفة جافة، ولم أعرف سر هذا الملمس إلا حديثا بعد أن مرت فى ذاكرتى صورتى وأنا أحتضن فى كفى ضفيرة شعرها الخشنة حتى لا تتركنى إذا ما استغرقت فى النوم».

ومن فوق الكرسى العجيب جاء فى اعترافات المحامى الشهير لبيب معوض للصحفى النجيب أحمد عبدالمطلب: «منذ نعومة أظافرى وأنا أشعر بأننى سأكون ما أنا عليه الآن.. ومن خلال قراءاتى للكتب فى مكتبة البلدية بطنطا مسقط رأسى اكتشفت رسالة المحاماة فأصبحت من هواة التردد على المحاكم الجنائية وعمرى 8 سنوات أشاهد المحامين يرفلون فى روب المحاماة الأسود، والصوت عريض فخيم، والأداء يختلف من محام إلى آخر، فشعرت بقوة الكلمة البيّنة المُبيّنة التى تستطيع أن تنقذ مظلوما وتحقق له حقوقا وتجدها له.. ورغم أنى كنت أصغر إخوتى كنت أكره التدليل فالخشونة طبيعتى، ولا أذكر أحدًا من أصدقاء الطفولة والصبا. كنت أبوح للكتاب بأسرارى، وتلك العزلة أبعدتنى عن الغواية، ومثلما مرت الطفولة كانت المراهقة التى لم تعرف بنت الجيران أو حتى رؤيتها، ولم أصادف امرأة تترك بصمتها على قلبى، حتى أننى تزوجت بشكل روتينى ككل المصريين المتحفظين، ومع هذا فأنا أحترم زوجتى ولم يحدث يومًا خلاف بيننا.. توليت إحدى القضايا الخاصة بأديبنا العظيم نجيب محفوظ فى الوقت الذى قُدم فيه صلاح نصر للجنايات بتهمة تعذيب مصطفى أمين وطلب من القضاء المستعجل وقف عرض فيلم «الكرنك» مدعيًا أن الفيلم فيه ترديد لشخصيته، وهذا من شأنه أن يؤثر على المحكمة فقلت للقاضى: هل صلاح نصر النجومى الذى فقد نجوميته يرى نفسه فى من عَذب واغتصب وصادر بغير وجه حق، وإذا كان يرى نفسه فى هذا الفيلم فأنا الذى أطالب بوقف عرضه، وصدر الحكم ضد صلاح نصر... أنا عاشق للقرآن الكريم وأقرؤه يوميًا منذ كنت طفلا، فالقرآن ليس لغة فقط ولكنه نغم وجرْس وإعجاز، تعلمت منه الكثير على مستوى عملى وتعلمى، وأستطيع القول بأننى من عشاق الشريعة الإسلامية، ومكتبى ملىء بقضايا الأحوال الشخصية، ولى الشرف بأنى وعيت الشريعة وأملك ناصيتها، ومن القرآن الكريم تعلمت كيف أكتب وأتكلم وأُحكِم العبارة مع الاحتفاظ بجمال النطق والنغم، ولكننى قبطى حتى النخاع وعقيدتى لا تهتز لأنها صادرة عن إيمان بسيط وفهم بسيط لديانتى من رجل بسيط يود أن يعيش حياة بسيطة.. و.صعب على نفسى البكاء ولكنى أبكى.. ولماذا لا أبكى فالعين ترى والمآقى تدمع، ويا ويلى لو رأيت شخصًا يتألم، لا أستطيع أمامه دفع دموعى، وعندما كنت طفلا كانت دموعى قريبة جدا على أطراف جفونى، والآن وقد غزا الشيب رأسى مازلت أشعر بالطفل داخلى فأندم على أى أخطاء ارتكبتها ويتعذب ضميرى كثيرا، فأنا لى أخطاء أرجو ألاّ تكون خطايا.. نحن من نتحكم فى القانون أكثر من القاضى.. أنا المحامى.. العين اللاقطة لكل ساقطة.. أنا صوت الحق والعدالة والبحث عن الحقيقة».

وجاء لقاء كرسى الاعتراف الذى جلس عليه أديب السودان العالمى الطيب صالح بالصحفية المرموقة أمل سرور يحمل طابعًا ومذاقًا خاصًا بما جاء خلاله من أقوال مثل: «جنوبى أنا.. إلى الشمال هاجرت.. (17 عاما).. ذلك هو الفارق العمرى بينى وبين أمى، تزوجت وعمرها صغير جدًا وفقدت اثنين من قبلى. تحدت جدى، عندما صممت أن تختار لى اسم (الطيب).. وقالت إنها حلمت بأن نبى اللـه الخضر أعطاها خرزة خضراء، وبشرها بغلام يكون اسمه (الطيب) بمعنى أن يكون الطفل معافًا صحيح الجسم، كنت أناديها باسمها (عائشة).. لم أقل لها يومًا أمى. وعندما كنت أسير بجانبها فى الطريق كان الجميع يعتقدون أنها أختى وعلاقتى معها لم تكن أبدًا علاقة أم بابنها، كانت أشبه بعلاقة أخوة أو صداقة، أتذكر وجهها الضحوك، وذاكرتها الحديدية، وصوتها الجميل عندما تشدو به عاليًا لقصائد مدح الرسول صلى اللـه عليه وسلم. كانت تحفظ تلك القصائد عندما يأتى المداحون إلى قريتنا فى شرق السودان، لم تتعلم القراءة والكتابة رغم أن عائلتها من قبيلة (الركابيين) وهم رجال الدين الذين نشروا العلم فى السودان، ورغم أن العائلة كان لها خلوة ـ كُتَّاب ــ خاصة بها إلا أنهم لم يجدوا ضرورة لتعليم البنات، وأثناء دراستى بلندن كنت أسافر إلى السودان مرتين فى العام لم أكن أفارقها فيهما دقيقة واحدة، ولا أعرف لماذا كان يمضى الوقت سريعا رغم أننى كنت أجلس معها لساعات طويلة، وبرحيلها عرفت معنى الفقد، وتذوقت مرارة الخسارة.. منذ يوم وفاتها وأنا أخشى الموت خاصة عندما يصلنى خبر عن رجل كبير أو سيدة عجوز. إنهم امتداد للماضى، كلما يموت أحد من هؤلاء الكبار أشعر بأن الخيوط التى تربطنى بالجذور تنقطع معه، هؤلاء الناس وليس أمى فقط مستودع من الحِكمة والخبرة لا يعوض، كلمة (هجرة) لا تنطبق علىّ، لم أهاجر ولكننى سافرت إلى لندن.. الشهرة مصيبة!! تلفت الأنظار، وأنا لا أريد أن ألفت الأنظار.. لا أعرف لماذا أشعر بأننى فى مجال الكتابة، ــ وهذا حقيقى وليس تواضعا ــ لا أحس بعد أنى كتبت كل ما أريد أن أكتبه.. الكتابة نشاط إلى جانب عدة نشاطات فى الحياة وليست هى الشيء الوحيد فى الدنيا.. أنا مثلا أحب أن أقرأ، أسافر، أستمع إلى الموسيقى، أتحدث مع الناس، لست من هؤلاء الذين يؤمنون بأن الكتابة هى الغاية ويجب أن نضحى من أجلها، ورغم أن لدى مسئوليات وأسرة، لكن هذا ليس عذرًا كافيًآ لأننى لو أردت أن أكتب لكتبت، ويعتقد البعض بأن هذا كسل لكن الكتابة ليست سهلة، إنها لعنة، إنها تلتهم الحياة، لأن الفن يلتهم الحياة، وأضرب مثلا بأستاذنا الكبير نجيب محفوظ هذا رجل ندر نفسه للفن الروائى وقدم نفسه ضحية والنتيجة هنا مأساوية، وهو بدون تأكيد حاول أن يتجنب المأساة، لكنه لم يسافر ولم يخرج من مصر إلا قليلا جدًا، ورتب حياته بصرامة شديدة على أن يكتب، فأصبحت الكتابة هى الهدف ودون أن أتطاول على هذا الرجل العملاق أقول إن الفن التهم حياته.. فيروز.. الحب بمعناه يقترب من الصوفية.. لا أكتب إلا على صوتها.. أحب أم كلثوم ولكنى لا أستطع الكتابة على غنائها لأن كوكب الشرق يجب أن يتهيأ الإنسان لها مثل شخص يدخل فى مكان مقدس.. لكن فيروز البنت اللى عند البير، واللى مواعدة حبيبها على المفارق صوتها فيه خليط عجيب من الأشياء.. أصداء بيزنطية بالإضافة للبداوة وحتى الكلمات موحية جدًا.. يا سلام لما تقول «يخرب بيت عيونك يا.. عالية.. شو.. حلوين»!.. أصدقائى كثيرون.. لا أستطيع أن أنسى د. يوسف إدريس الشخص الطيب جدا على عكس ما يبدو من تهور واندفاع وعنف، ورجاء النقاش شديد الرقة واللطف وهو أول من نوّه بذكرى فى مصر، وإلى جانب ذكائه وسِعة اطلاعه ينتمى إلى فئة النقاد المصريين الذين يُدركون أن زعامة مصر فى العالم العربى تبدأ من الفكر والعقل، وعبدالرحمن الأبنودى شاعر كبير وجنوبى وأقرب إلى السودان وقدم فنًا لم يقدمه أحد غيره، وصلاح جاهين.. أقرب إنسان للعبقرية وموهبته كانت ثقيلة عليه ولم يتحملها. فمات.. وأحفظ عن ظهر قلب كل رباعياته.. وتظل وحدها أمام عينى..

دخل الربيع يضحك لقانى حــــزين

نده الربيع على اسمى لم قلت مين

حــط الربيع أزهــــاره جــنبى وراح

وايـش تعـمــل الأزهــــــار للمـــيتين،

وعجبى!

وتجلس القديرة نجوى عزت إلى سامى شرف ليتذكر الكثير على المدى الطويل: «لقبت بأسماء عديدة (العين الساهرة)، (الحارس الأمين)، (رجل المعلومات)، (كاتم الأسرار)، (الصامت)، ولا أفضل أيًا منها فبطاقتى الخاصة تحمل اسمى فقط.. سامى شرف.. أراد والدى الطبيب البشرى الحاصل على الدكتوراه من انجلترا عام 1926 أن ألتحق بكلية الطب وذهبت معه لزيارة عميد الكلية د. على باشا إبراهيم الذى وافق على الفور وطلب من والدى أن يدفع المصروفات إلا أنه لم يجد معه المبلغ الكافى (وكان أربعين جنيها فى السنة) يدفع منها 25 جنيها فوريًا، وحتى يضمن والدى عدم تغيير رأيى فى الالتحاق بالكلية ذهبنا معا إلى شارع عبدالخالق ثروت فى عمارة كان بها اليهود المرابون ليقترض من أحدهم مبلغ 15 جنيها، وأذكر أنه كان يوم الاثنين فسلمه المبلغ وأخبره بأنه لابد أن يقوم بالسداد يوم الخميس بالضعف أى 30 جنيها، وكل يوم إضافى تكون الفائدة مركبة!! وشعرت فى هذه اللحظة بجرح غائر وبكراهية شديدة لكل ما هو صهيونى، ودفع والدى المصاريف إلا أنه لم يمكننى الاستمرار فى كلية الطب أكثر من يومين وبدون أسباب. وأصر والدى بعدها على الالتحاق بكلية الصيدلة فجربت ليوم ولم أستطع فصارحت والدى برغبتى الحقيقية فى الالتحاق بالكلية الحربية، وقدمت أوراقى هناك ويوم الكشف الطبى أصبت بالتيفود، وأسقط فى يدى فالتحقت بكلية التجارة عام 1946 حيث قضيت عاما واحدا وعاودت بعدها التقديم للكلية الحربية، وقبلت وسميت دفعتنا بدفعة الكوليرا وسبب التسمية انتشار وباء الكوليرا فى ذلك العام .. كرب أسرة تعودت أنا وأسرتى طويلا على غيابى سواء فى السجن أو العمل... ندمت أحيانا كأى بشر حين دخلت السجن لو كنت أكملت تعليمى بكلية الطب كى أحظى بالخمسة عيون كما يقولون: عروس وعربة وعزبة وعيادة وعمارة، لكن الندم لم يدم أكثر من دقائق لأننى لا أقدم على عمل إلا وأكون مقتنعا به تمامًا.. تجسد الوفاء فى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حين سمع بزواج ابنتى الاثنتين فتكفل بهما لأنه كان يعلم أننى لا أملك شيئا ومازلت.. كل ما أمتلكه الآن سيارة هيونداى فقط لا غير.. لا فيلا ولا مصيف.. ولاخدم.. أملك الستر والحمد للـه».

وفى موسوعة الاعترافات جلس الصحفى الكبير صلاح منتصر ليسجل اعترافاته للزميلة هبة سليمان والتى جاء من بين سطورها: «عشت طفولتى بين دمياط ورأس البر بعد وفاة أمى ولم يتجاوز عمرى ثلاث سنوات، فأخذنى والدى إلى دمياط لتقوم عمتى برعايتى فنشأت فى أسرة متوسطة الحال تعمل فى صناعة الحلويات، وأتذكر رأس البر ودمياط ذلك المجتمع المغلق الذى تربيت فيه على الأخلاق والدين، ولا أتذكر أن نصحنى أحد ذات يوم بالصوم أو الصلاة فقد كان أمرًا طبيعيًا، وإذا فطر أحدهم فلن يجد مطعما مفتوحا أو مقهى مستعدًا لاستقباله فى شهر رمضان، ولهذا كانت المفاجأة الكبرى عندما جئت إلى القاهرة مع أبى وأخى وعمرى 15 سنة لأجد نفسى فى مجتمع مختلف تماما فالناس يفطرون فى رمضان فى الشارع دون إحساس بالحرج والمحلات مفتوحة للزبائن كأمر عادى، واختل توازنى لبعض الوقت كأننى فلاح سافر إلى أمريكا وتمردت على التقاليد والعادات وكل ما تعلمته فى دمياط، ولكنى والحمد للـه سرعان ما رجعت إلى الصواب، وكان البيت الذى نستأجره من بابه إلى سطوحه به حجرة للغسيل تستخدم مرة فى الأسبوع فوق السطح فكنت أمكث لساعات طويلة أمسك فيها الكرة والمضرب لألاعب نفسى دون أن أدرى بضربها فى الحائط «لعبة الاسكواش» التى أدمنتها لألعب بعدها مع زكريا محيى الدين وحسين الشافعى وكمال الدين حسين فى نادى اتحاد الجيش دون أن أعرفهم حيث كانوا يأتون قبل الثورة.. زوجتى (منى الطويل) سيدة مثقفة ثقافة رفيعة وتعمل أستاذة طبيعة فى الجامعة الأمريكية، وبينى وبينها ثقة كاملة والخصوصيات فى بيتنا من الأشياء المقدسة وليس لدى قفل واحد فى المنزل ولا مفتاح... أتذكر أول خبطة صحفية وكانت بعد ثلاثة أشهر من عملى فى (آخر ساعة) عندما كانت الثورة فى بدايتها وكان قصر عابدين مفتوحا ليزوره الشعب، فقررت أن أختار نموذجا فلاحا مصريا بسيطا وزوجته وابنه وأخذتهم معى بعد تصريح من إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة وأجلستهم على كرسى العرش وأخذت لهم صورة كبيرة للنشر على صفحة كاملة فى (آخر ساعة)، ويومها جاء جمال عبدالناصر لزيارة هيكل ودخل مكتب سكرتير التحرير وكان الرقيب رجاء العزبى يراجع موضوعى فأخذ رأيه فيه فوافق على النشر مع إبداء إعجابه باللفتة الصحفية ليغدو العنوان «الشعب يجلس على العرش».

وأبدًا لم يخف الفنان صلاح طاهر جانبا من أسراره فوق كرسى الاعتراف ليلاحقه قلم الزميلة سهير حلمى اليقظ: «والدتى كانت سمحة الوجه ممتلئة القوام ومن شدة حبى وتعلقى بها اكتشفت أخيرًا جدا لماذا تجذبنى المرأة الممتلئة على الرغم من طبيعة عملى كفنان يقدّر الرشاقة والخفة.. فى يوم كنت فى زيارة لصديق وفجأة داعبت أذنى مقطوعة موسيقية رائعة على البيانو لموتسارت وأبديت إعجابى الشديد بما سمعت فالعزف المنفرد ينقل الارتجافات والانفعالات.. إنه الإعجاب الذى كان مفتاح القلب. صارحت صديقى بأننى معجب بعزف أخته، وحدث اللقاء بيننا وتزوجنا بعد شهر من التعارف، وأحيانا أضحك لأتجنب الحزن كما يقول فولتير، وسبب ضحكى وحزنى أن عايدة لم تعزف بعد ذلك اليوم مدى الحياة، بل لم يدخل البيانو منزلنا، وعايدة كانت مثقفة وتجيد اللغات الأجنبية، فقد تخرجت فى الجامعة الأمريكية، وأصبحت أنا محور حياتها، وكانت تقوم بقراءة بعض الكتب الأجنبية عن الفن وتقوم بتلخيصها لى حين أعجز عن إيجاد وقت كاف لقراءتها.. باختصار شديد عايدة كانت ولاتزال أعظم حب فى حياتى ولم أصادف امرأة بهذا العقل والقلب والحِكمة.. أحببت تحية كاريوكا رحمها اللـه، وكان بيننا قصة حب لا تنسى، فقد كانت جميلة وعطوفا وصاحبة مبادئ لا تتنازل عنها أبدًا ولا تطيق الكذب.. و.. عرفت غيرها وللأسف كنت وقتها متأثرا بمثل فرنسى يقول: شيئان لا يجب على الإنسان أن ينتظرهما النساءوالقطارات، فإذا لم يدرك أحدهما أدرك الآخر».. من أعز أصدقائى الذين لا أنساهم أبدا توفيق الحكيم الذى كان يجاورنى فى مكتبى بالأهرام وكان مفكرًا عميقًا وخفيف الظل جدا ولا أنسى تلك الواقعة الكوميدية فى أحد أيام الشتاء البارد عندما دعانى أنا ونجيب محفوظ وثروت أباظة إلى مكتبه وتناولنا بعض المشروبات الساخنة، ولم يمض وقت طويل حتى حضر شاب شاحب الوجه ضعيف البنية فرحب به وأجلسه معنا، وفجأة احتد النقاش بين الشاب وثروت أباظة، واتضح أنه شيوعى، وهاجم البرجوازية المتمثلة فى العائلة الأباظية، ووبخه ثروت بعنف لكنه لم يرتدع بل تفوه بألفاظ جارحة، فما كان من ثروت إلا أن قام بضربه وكاد يقتل الشاب من شدة الانفعال، وعجزت أنا ونجيب عن منعه فكـلانا قصيران وثروت ضخم الجسم، وتعالت أصواتنا واستغاثتنا وجاء بعض الزملاء فى الأهرام وتم فض الاشتباك بعد جهد جهيد وإصابات بالغة.. ماذا كان يفعل توفيق الحكيم ونحن جميعا فى مكتبه؟!! كان يتحدث فى التليفون ويشير لنا بيديه لكى يتم حديثه الذى لم يقطعه، بل أحيانا كان يضحك مع محدثه ونحن نصرخ فى مكتبه، وفى الختام قال لنا ضاحكًا كده برضه يا نجيب انت وصلاح تعملوا دوشة بالشكل ده!!

وتدفقت يسرا فى سرد أسرارها عندما وضعت الخبيرة حنان مفيد يدها على المفتاح.. الطفولة: «أبويا اللـه يرحمه كان صعب جدًا، حاولت كثيرا التفاهم معه أو الاقتراب منه لكن بكل أسف كان فيه دائما حاجز يمنعنا من اللقاء.. جايز كان بيعاقب أمى فى شخصى، جايز أنا كنت نقطة الضعف بينهما، وأتذكر أنى كنت دائما ألوم أمى على تسرعها فى طلب الطلاق وأقول لها ليه ماقدرتيشى تضحى وتصبرى على الحياة زى كل الأمهات، فكانت تقول لي: لما بكرة تكبرى تعرفى ليه.. ولما أخذنى أبويا من حضنها وأنا عندى 14 سنة علشان يوجعها ويوجعنى، رقدت فيها سنين، وفى بيت أبويا انعزلت عن العالم لم أكلم سواه، فقد حرمنى من الدخول والخروج، وحرمنى من المدرسة، من أصحابى، من الهواء، وذاكرت من البيت (منزلى) وكنت أكلم الكتب، ويوم ما تخرجت وأخذت الشهادة مزقها أبويا شرائح أمام عينى وياما كنت أروح أشكى لزوج خالتى من علق أبويا السخنة أصله ياما ضربنى، لكن عمرى ما كنت أبكى، المرة الوحيدة اللى بكيت فيها من قلبى يوم ما ماما ضربتنى بالبوكس فى عينى، وكانت أول مرة تضربنى فى حياتها، والسبب أنى كنت مش عايزة أذاكر وعايزة أقعد مع (منّة) جارتنا بنت الفنانة شويكار، وفى هذه الفترة كنت قد بدأت أهمل دراستى وطبعا ده كان من رواسب عيشتى مع أبويا، وفى ذلك اليوم أصررت على عدم المذاكرة وقلت من حقى أتفسح مع أصحابى زى كل البنات وفجأة فوجئت بالبوكس فى عينى وعقاب حبس انفرادى، والحقيقة أمى لعبت دور الأب والأم وبقدر ما كانت حنونًا بقدر صلابتها.. وأفتكر يوم ما صارحت أبويا برغبتى فى التمثيل زى سعاد حسنى جرى ورايا بالسِكينة وكان عايز يدبحنى.. زى ما عندى أصدقاء من غير عدد عندى صندوق أسرار بداخله الكثير.. كل شيء عنى من أول عقد بطولة، وصورى فى المدرسة ومع أمى وكروت معايدة من خالاتى، وتذكارات سفر، وخواطر نثرية أكتبها بحلوها ومرها وعبطها، غير جوابات غرامية من مرحلة ثانوى.. و..لكن ليست كل حاجة فى الصندوق حلوة فهناك ما أتجنب رؤيته لفترة لكنى أعود إليه حتى لا أنسى قسوة أيام المعاناة وطعم المرارة التى لم تزل فى حلقى»..

وبعيدا عن هذه الاعترافات جلستُ بدورى فوق كرسى الاعتراف لأدوّن كلمات واجهت بها النفس قبل الآخرين:

لأن ارضاء اللـه أيسر من إرضاء الناس، فقد غدا التحليق فى الفضاء أسهل كثيرا من المشى فوق الأرض.

ليس صحيحا أن كل الذين يسيرون على أقدامهم أحياء، فبعضهم وافته منية الروح منذ فقدوا من يحبون.

انتحار الجسد حرام لا ريب، لكن انتحار الروح قد يكون ثمنا للحلال..

لم يملكا شجاعة المضى قدمًا فى الطريق الصحيح، ولا حماقة المضى فى الطريق الخطأ، فآوى كل إلى عشه كسيرًا، يعاقر الحزن ويجتر لحظات الفرحة.

الاختبار الحقيقى للمشاعر ــ صدقها وعمقها ــ لا يكون فى لحظات ائتلاف الروح، وإنما فى لحظات اختلافها

لا تصدق أن الافتراق نهاية بالضرورة، لأنه أحيانا يغدو بداية وصل غير متطور.

ليس الصمت انقطاعا دائمًا، ولكنه قد يكون غطاء لصخب فواّر، ترصده العين ولا تسمعه الأذن.

الزهور الطبيعية لا تفعل ذلك، فوحدها الزهور المصنوعة يمكن أن تظل نضرة وفواّحة إلى الأبد

شهيد أيضا ذلك الذى إذا خُيّر بين أن يدمر المعبد على من فيه أو يدمر نفسه فحسب، فإنه يفدى المعبد بنفسه.

 

كـرسى الاعتراف

 

 

> سـناء البيـسى[email protected]نصيحة غالية همس لى بها يومًا عالم النفس الراحل الدكتور عادل صادق لتكون بمثابة كلمة السر، ومفتاح الكنز، والباب الملكى لعبور المحيط، فى مجال الحوار الصحفى الناجح، وهى الأخذ بيد محدثى من فوق مقعده الوثير، ومنصبه الرفيع، ومكانته المرموقة، ومنزلته المتصدرة، لنهبط معًا لا شعوريًا لمرتع طفولته، تاتا تاتا، وبالتدريج وبتؤدة وبشويش وعلى كفوف الراحة وخالص الابتسام والانسجام والوئام والإنصات التام حول دور الست الوالدة فى حياته وعقاب السيد الوالد، وأول علقة وأول درس وأول كبسة وأول واوا وأول لعبة وأول بدلة وأول خطوة وأول ما قلت سيادتك يا هادى.. مع الاحتفاظ كمستمع شغوف بكافة مظاهر الاحترام والاندهاش والإعجاب والابتسام ويا سلام يافندم، وغير معقول وياه كل ده حصل!! ساعتها. بعدها.. صاحب المنصب الرفيع شاهنشاه المكتب الوثير ذو الحيثيات والشهادات والسكرتيرات والتليفونات وقاعات المؤتمرات سيغدو ودودًا مهاودًا مطاوعًا مُجاملا دمثًا وبراءة الأطفال فى عينيه، فقد عزفت على الوتر الحساس.. أعدته أمامك كتكوتًا صغيرًا لا حول له ولا قوة يتلقى التعليمات ويتجنب التهديدات..

جئت له بسيرة ماما.. ست الحبايب.. ربنا يخليها.. ربنا يرحمها.. ربنا يجازيها.. الفاتحة على روحها.. ونِعم الخِلفة والتربية يافندم.. و.. وبدورى نقلت نصيحة الدكتور عادل صادق للكتيبة الصحفية المتميزة التى عملت معها فى مجلة نصف الدنيا عندما فكرنا فى إخراج عدد خاص بعنوان «كرسى الاعتراف» صدر فى عيد ميلادها الحادى عشر عام 2001، حيث استمعنا إلى اعترافات خمسين شخصية مصرية من روافد نهر المجتمع المصرى جلسوا على كرسى الاعتراف عن طيب خاطر ونفس راضية واستدراج مقبول ومكوث بلا إكراه، وأباحوا بالكثير والكثير، لكنهم عندما انتهت المقابلة لم يجيزوا سوى القليل القليل، فكنا عند حسن ظنهم بنا فلم ننقض العهد ولم نخلف الوعد، واكتفينا بما أجازوه رغم المشقة التى يتحلمها صاحب مهنة البحث عن المتاعب عندما يحصل على كنز ممنوع من النشر. لكننا عذرناهم فقد استرسلوا فى الاعتراف بأريحية طوعًا لنصيحة علم النفس.. من فضلك من فضلك احكى لى عن طفولتك.. عن شقاوتك وبعدين؟! اللـه.. وبعدين؟!

من بين الخمسين شخصية اعترف عمار الشريعى للموهوب عمر طاهر: «أقلعت عن التطرف فى مشاعرى، كنت أحب جدًا أو أكره جدًا، ولا أهادن ولا أجامل، بدأت أعترف بالمنطقة الرمادية فى علاقتى بتفاصيل عديدة فى الكون، وهى منطقة لها اعتبارات مهمة، وتصنع قدرًا من التوازن، منطقة تضم ما يسمى بافتراض حسن النية واختلاف وجهات النظر واختلاق الأعذار للغير.. تغيرت وجهة نظرى فى الحب تمامًا، كنت أرى أن الحب به قدر كبير من فرض شروط معينة، والحفاظ على قدر من المصلحة والفائدة إلى أن علمنى ابنى (مراد) أن الحب قيمة مطلقة بلا شروط.. كنا فى السيارة أنا وهو ووالدته، وكان يجلس فى المقعد الخلفى، وفوجئت به يمسك وجهى بيديه الصغيرتين فالتفت إليه قائلا: (فيه إيه؟) فقال: (أنا بحبك قوى يا بابا).. تخيل هذا الطفل هزمنى بالضربة القاضية، قدم لى فى جملة واحدة أضعاف ما سأقدمه له حتى يصل عمره إلى واحد وعشرين عاما. حالة حب طرحت نفسها فى ثوان لم أتصورها فى حياتى ولم يخطر فى بالى أن هذا هو الحب.... فى عام 1970 عقب حصولى على الليسانس بأسبوع واحد نزلت للعمل فى إحدى الفرق بكازينو رمسيس بشارع الهرم، وفى يوم قالت إحدى الراقصات (انتوا جايبين لى واحد أعمى يرقصنى)، جرحتنى الكلمة وكنت وقتها مازلت طريًا وقلت لنفسى (وحياتك لأرقَّص اللى ما يترقص)، وعندما نجحت فى هذا التحدى الذى وضعت نفسى فيه لرد اعتبارى كفنان، اعتزلتُ وأغلقت هذه المرحلة تمامًا رغم مرورى بظروف مادية وغيرها تجعلنى أقبل العودة خصوصا أننى كنت مطلوبا وقتها وبأجور مرتفعة، لكننى رأيت أن التجربة كلها كان الهدف منها نفسيًا وليس ماديًا وعندما نجحت.. اعتزلت.. لم أتعرض لنقد يجعلنى أعيد حساباتى، لكننى تعرضت لـ(الشتيمة) كثيرًآ، وفى الوقت نفسه أنا من أكثر الناس الذين استمعوا إلى كلمات إطراء تفوق فى الأحيان أعمالهم، قال لى الموسيقار محمد عبدالوهاب: (اسمع ياابنى، أنا عمرى ما قلت لحد أنا واِنت روح واحدة فى جسدين إلا ليك انت، وإنت بختك كويس لأنك جاى تكمّل وأنا ماشى)، قلت له: (تمشى فين يا أستاذ، يارب تدفنا كلنا)، فقال لي: (ياابنى دى لحظة صدق.. اسمعها منى، أنا ماباحبش أقولها تانى)، ثم أردف قائلا: (أنا عايزك تمشى فى سكتك، اوعى حاجة تخليك تبطل مزيكا)، وفى سنة قدمت مع سيد حجاب أغنية وطنية اسمها «جينا زى الريح الحرة»، أغنية تعبت فيها وكنت أراها جديدة وقوية، لكن هذه الأغنية توارت خلف النجاح والتوفيق من اللـه لأغنية جمال سلامة والأبنودى «إن كان ع القلب» ولم تعط هذه الأغنية فرصة لأغنيتى لتظهر جيدًا، فأصبت بالإحباط وقررت اعتزال الموسيقى نهائيا.. وبعد أيام فوجئت بالـمُوسيقار كمال الطويل يزورنى فى منزلى ليقول: (قبل أى حاجة. لو عايز تبطل مزيكا. اتفضل. المزيكا ماتبكيش على حد.. لو انت لسه بتفرح بالمزيكا. كمل ولو ماعندكش جديد اعتزل)، فقلت له (لسه بافرح بالمزيكا) قال: (طيب سمعنى الأغنية).. وبعد أن استمع إليها قال لى: (ياابنى الغنوة دى لا جيلك ولا الجيل اللى قبلك، ولا جيل عبدالوهاب.. عملوا واحدة زيها..).

وتلتقى البارعة مها شُهبة بالناقد عبدالقادر القط ليأتى من بين اعترافاته: «لقد قصرت فى حق زوجتى.. فقد كانت أجنبية نمساوية جاءت إلى مصر للمرة الأولى ولا تعرف اللغة وليس لها أصدقاء، وقد حاولت بقدر الإمكان أن أكون معها لكن انشغالى المبكر بالأدب والجلوس فى المقهى، إلى جانب انشغالى بالمعارك الأدبية والأحاديث الإذاعية والكتابة كلها أخذتنى بعيدًا عنها لكنها احتملت هذا كله صابرة، والشعب النمساوى بطبيعته من أقرب الشعوب للمصريين، وربما كان الزواج بأجنبية ميزة وهى أنه لا يدخل الإنسان فى علاقات اجتماعية وواجبات تصرفه أحيانا عن العمل، وأعترف بأن ابتعادى عن الحياة السياسية بتياراتها كان خوفًا على زوجتى من أن أتركها وحدها فى غربتها حين يصيبنى من الأذى ما كان يصيب غيرى، ولقد كان لوفاة والدتى وأنا فى سن مبكرة تأثير كبير فى شخصيتى وتكوينى، كنت فى الرابعة الابتدائية عندما توفيت، وكانت هناك تجربة أسبوعية خاصة تزيدنى ارتباطًا بها كأى صبى ريفى، فقد كان علىّ أن أرحل إلى المدرسة الابتدائية البعيدة عن القرية ولم أتجاوز الثامنة وأعود فى نهاية الأسبوع، ثم أرحل السبت فى الصباح الباكر قبل أن يظهر النور وتضىء الشمس الكون وكانت والدتى تودعنى فى هذه الحلكة، فكانت تتلمس وجهى بيديها وكأنها تربت على وجهى، ولكنها كانت فى الحقيقة تتلمسه لتتأكد أننى لا أبكى، وكانت هذه لحظة عسيرة لأنه كان علىّ أن أتجلد ولا تسقط دموعى حتى لا أحزنها، ولما فقدتها كان فقدًا كبيرًا له أثر فى نفسى وتكوين شخصيتى، وجاء بعدها تركى للقرية ليغدو هو الفقد الثانى بعد فقد الأم، والغربة الثانية بعد الغربة عن حضنها ما ولَّد لدى بعدها ميلا للعزلة ونوعا من الحذر من الآخرين إلا دائرة خاصة من الأصدقاء.. أعترف بأنى أخشى على الأدب من الانقراض ــ الاعترافات عام 2001 ــ فقد كان للأدب والثقافة فى الماضى مكانة كبيرة فى المجتمع، وكانت الثقافة متصلة بالسياسة، فكان لا يمكن أن يأتى وزير فى تشكيل وزارى والناس لا تعرفه من قبل.. بل لابد وأن يكون له فكر سياسى معروف وهذا الامتزاج بين السياسة والثقافة كان يجعل للثقافة دورًا وتأثيرًا فعالا فى المجتمع، ولهذا كان للمعارك الأدبية صدى واسع.. وفجأة استيقظنا وفتحنا أعيننا على التحولات الخطيرة فى العالم ــ فى مجال التكنولوجيا والصناعة ـ وشعرنا كم نحن متخلفون عنها، وأردنا اللحاق بركبها فأدرنا ظهورنا للأدب والثقافة، وقلنا لنأخذ بأسباب العلم، ونسينا أن الحضارة الغربية ليست قائمة على العلم وحده، وأن النهضة لا تنشأ من فراغ وإنما من امتزاج الفكر والأدب والعلم والفن..

وتلتقى المحررة الدءوب سهير عبدالحميد بطبيب علم النفس يحيى الرخاوى ليعترف: قرش صاغ فى اليوم كان مصروف يدى المتواضع نتيجة طبيعية لعدد أسرتنا الكبير ثلاثة أبناء وفتاتان، وذات مرة تمنيت حضور مولد الشيخ الرخاوى وهو عم غير شقيق لأبى وكان ابنه قد حوله بعد وفاته إلى شيخ له مقام ومولد على الطريقة النقشبندية، وفى المولد كانت «هانم» تغنى وتمثل وكان الشاعر ينشد فيها:

قلبى عشق ست بيضا واسمها هانم

دقة على صدرها محمل بسلالم

واللى معاه مال ييجى يتفرج على هانم

واللى بلا مال يموت قتيل المحبة

والسبب هانم..

ولم أكن أستطيع بمصروفى المتواضع أن أتفرج على هانم، فكنت أحقد على الشاعر لأنى كنت على يقين أنى سأموت دون أن أقرب امرأة، وربما هذا ما جعلنى أتمنى أن أعمل سفرجيا لأخدم الفتيات الجميلات، وكانت أمى فصلا كاملا من حياتى، لم أكن أعرف قدر حبى لها إلا بعد غيابها، كنت ولدها الرابع بعد شقيقين أكبر، وبعد وفاة ابنها البِكرى، وفى الريف كانت المرأة تخشى الحسد إذا أنجبت ثلاثة ذكور، لذا أخفتنى عن العيون بالفستان وحلق صغير فى أذنى ونادتنى «سوزان» حتى تقينى شر عين عماتى اللاتى لم ينجبن هذا العدد من الأولاد مثلها، خصوصا أن والدى تزوجها دون رضا إخوته.. وذات يوم اكتشف زوج عمتى المستور فخلع عنى الحلق وأعطانى المقص لأتخلص من الفستان إلى الأبد. كانت أمى لا تقرأ ولا تكتب وهذا هو عظمتها، لا أدرى من قال المرأة المتعلمة تربى أبناءها أفضل، كانت تعبّر عن نفسها بصراحة وتؤدى واجبها نحونا وخصوصا والدى، كنت أشتاط غيظًا عندما تحجز له قطعة إضافية من اللحم، وتعطيه أفضل جزء من الدجاجة، وكانت تبدأ بأخوتى الكبار فكان ما يصل إليّ فى النهاية مجرد دبوس عظم مغطى بالجلد.. فى عام 1968 مات والدى وكان فى ذهنى اعتقاد بأن الأزواج المرتبطين ارتباطًا وثيقًا عندما يموت أحدهما لابد وأن يلحق به الآخر بعد أيام أو أسابيع، لكن خاب ظنى والحمد للـه فأمى لم تجزع ذلك الجزع بل إن علاقتها قد توثقت بأبى بعد موته أكثر فقد كانت تمضى الوقت فى قراءة صغار السور وتهديها إلى روحه وتدعو له ولنا، وجاء موعدها لتلقاه ويومها كنت فى الكويت، وعندما سمعت بالخبر شعرت بتنميل فى كف يدى وكأنى أمسك بليفة جافة، ولم أعرف سر هذا الملمس إلا حديثا بعد أن مرت فى ذاكرتى صورتى وأنا أحتضن فى كفى ضفيرة شعرها الخشنة حتى لا تتركنى إذا ما استغرقت فى النوم».

ومن فوق الكرسى العجيب جاء فى اعترافات المحامى الشهير لبيب معوض للصحفى النجيب أحمد عبدالمطلب: «منذ نعومة أظافرى وأنا أشعر بأننى سأكون ما أنا عليه الآن.. ومن خلال قراءاتى للكتب فى مكتبة البلدية بطنطا مسقط رأسى اكتشفت رسالة المحاماة فأصبحت من هواة التردد على المحاكم الجنائية وعمرى 8 سنوات أشاهد المحامين يرفلون فى روب المحاماة الأسود، والصوت عريض فخيم، والأداء يختلف من محام إلى آخر، فشعرت بقوة الكلمة البيّنة المُبيّنة التى تستطيع أن تنقذ مظلوما وتحقق له حقوقا وتجدها له.. ورغم أنى كنت أصغر إخوتى كنت أكره التدليل فالخشونة طبيعتى، ولا أذكر أحدًا من أصدقاء الطفولة والصبا. كنت أبوح للكتاب بأسرارى، وتلك العزلة أبعدتنى عن الغواية، ومثلما مرت الطفولة كانت المراهقة التى لم تعرف بنت الجيران أو حتى رؤيتها، ولم أصادف امرأة تترك بصمتها على قلبى، حتى أننى تزوجت بشكل روتينى ككل المصريين المتحفظين، ومع هذا فأنا أحترم زوجتى ولم يحدث يومًا خلاف بيننا.. توليت إحدى القضايا الخاصة بأديبنا العظيم نجيب محفوظ فى الوقت الذى قُدم فيه صلاح نصر للجنايات بتهمة تعذيب مصطفى أمين وطلب من القضاء المستعجل وقف عرض فيلم «الكرنك» مدعيًا أن الفيلم فيه ترديد لشخصيته، وهذا من شأنه أن يؤثر على المحكمة فقلت للقاضى: هل صلاح نصر النجومى الذى فقد نجوميته يرى نفسه فى من عَذب واغتصب وصادر بغير وجه حق، وإذا كان يرى نفسه فى هذا الفيلم فأنا الذى أطالب بوقف عرضه، وصدر الحكم ضد صلاح نصر... أنا عاشق للقرآن الكريم وأقرؤه يوميًا منذ كنت طفلا، فالقرآن ليس لغة فقط ولكنه نغم وجرْس وإعجاز، تعلمت منه الكثير على مستوى عملى وتعلمى، وأستطيع القول بأننى من عشاق الشريعة الإسلامية، ومكتبى ملىء بقضايا الأحوال الشخصية، ولى الشرف بأنى وعيت الشريعة وأملك ناصيتها، ومن القرآن الكريم تعلمت كيف أكتب وأتكلم وأُحكِم العبارة مع الاحتفاظ بجمال النطق والنغم، ولكننى قبطى حتى النخاع وعقيدتى لا تهتز لأنها صادرة عن إيمان بسيط وفهم بسيط لديانتى من رجل بسيط يود أن يعيش حياة بسيطة.. و.صعب على نفسى البكاء ولكنى أبكى.. ولماذا لا أبكى فالعين ترى والمآقى تدمع، ويا ويلى لو رأيت شخصًا يتألم، لا أستطيع أمامه دفع دموعى، وعندما كنت طفلا كانت دموعى قريبة جدا على أطراف جفونى، والآن وقد غزا الشيب رأسى مازلت أشعر بالطفل داخلى فأندم على أى أخطاء ارتكبتها ويتعذب ضميرى كثيرا، فأنا لى أخطاء أرجو ألاّ تكون خطايا.. نحن من نتحكم فى القانون أكثر من القاضى.. أنا المحامى.. العين اللاقطة لكل ساقطة.. أنا صوت الحق والعدالة والبحث عن الحقيقة».

وجاء لقاء كرسى الاعتراف الذى جلس عليه أديب السودان العالمى الطيب صالح بالصحفية المرموقة أمل سرور يحمل طابعًا ومذاقًا خاصًا بما جاء خلاله من أقوال مثل: «جنوبى أنا.. إلى الشمال هاجرت.. (17 عاما).. ذلك هو الفارق العمرى بينى وبين أمى، تزوجت وعمرها صغير جدًا وفقدت اثنين من قبلى. تحدت جدى، عندما صممت أن تختار لى اسم (الطيب).. وقالت إنها حلمت بأن نبى اللـه الخضر أعطاها خرزة خضراء، وبشرها بغلام يكون اسمه (الطيب) بمعنى أن يكون الطفل معافًا صحيح الجسم، كنت أناديها باسمها (عائشة).. لم أقل لها يومًا أمى. وعندما كنت أسير بجانبها فى الطريق كان الجميع يعتقدون أنها أختى وعلاقتى معها لم تكن أبدًا علاقة أم بابنها، كانت أشبه بعلاقة أخوة أو صداقة، أتذكر وجهها الضحوك، وذاكرتها الحديدية، وصوتها الجميل عندما تشدو به عاليًا لقصائد مدح الرسول صلى اللـه عليه وسلم. كانت تحفظ تلك القصائد عندما يأتى المداحون إلى قريتنا فى شرق السودان، لم تتعلم القراءة والكتابة رغم أن عائلتها من قبيلة (الركابيين) وهم رجال الدين الذين نشروا العلم فى السودان، ورغم أن العائلة كان لها خلوة ـ كُتَّاب ــ خاصة بها إلا أنهم لم يجدوا ضرورة لتعليم البنات، وأثناء دراستى بلندن كنت أسافر إلى السودان مرتين فى العام لم أكن أفارقها فيهما دقيقة واحدة، ولا أعرف لماذا كان يمضى الوقت سريعا رغم أننى كنت أجلس معها لساعات طويلة، وبرحيلها عرفت معنى الفقد، وتذوقت مرارة الخسارة.. منذ يوم وفاتها وأنا أخشى الموت خاصة عندما يصلنى خبر عن رجل كبير أو سيدة عجوز. إنهم امتداد للماضى، كلما يموت أحد من هؤلاء الكبار أشعر بأن الخيوط التى تربطنى بالجذور تنقطع معه، هؤلاء الناس وليس أمى فقط مستودع من الحِكمة والخبرة لا يعوض، كلمة (هجرة) لا تنطبق علىّ، لم أهاجر ولكننى سافرت إلى لندن.. الشهرة مصيبة!! تلفت الأنظار، وأنا لا أريد أن ألفت الأنظار.. لا أعرف لماذا أشعر بأننى فى مجال الكتابة، ــ وهذا حقيقى وليس تواضعا ــ لا أحس بعد أنى كتبت كل ما أريد أن أكتبه.. الكتابة نشاط إلى جانب عدة نشاطات فى الحياة وليست هى الشيء الوحيد فى الدنيا.. أنا مثلا أحب أن أقرأ، أسافر، أستمع إلى الموسيقى، أتحدث مع الناس، لست من هؤلاء الذين يؤمنون بأن الكتابة هى الغاية ويجب أن نضحى من أجلها، ورغم أن لدى مسئوليات وأسرة، لكن هذا ليس عذرًا كافيًآ لأننى لو أردت أن أكتب لكتبت، ويعتقد البعض بأن هذا كسل لكن الكتابة ليست سهلة، إنها لعنة، إنها تلتهم الحياة، لأن الفن يلتهم الحياة، وأضرب مثلا بأستاذنا الكبير نجيب محفوظ هذا رجل ندر نفسه للفن الروائى وقدم نفسه ضحية والنتيجة هنا مأساوية، وهو بدون تأكيد حاول أن يتجنب المأساة، لكنه لم يسافر ولم يخرج من مصر إلا قليلا جدًا، ورتب حياته بصرامة شديدة على أن يكتب، فأصبحت الكتابة هى الهدف ودون أن أتطاول على هذا الرجل العملاق أقول إن الفن التهم حياته.. فيروز.. الحب بمعناه يقترب من الصوفية.. لا أكتب إلا على صوتها.. أحب أم كلثوم ولكنى لا أستطع الكتابة على غنائها لأن كوكب الشرق يجب أن يتهيأ الإنسان لها مثل شخص يدخل فى مكان مقدس.. لكن فيروز البنت اللى عند البير، واللى مواعدة حبيبها على المفارق صوتها فيه خليط عجيب من الأشياء.. أصداء بيزنطية بالإضافة للبداوة وحتى الكلمات موحية جدًا.. يا سلام لما تقول «يخرب بيت عيونك يا.. عالية.. شو.. حلوين»!.. أصدقائى كثيرون.. لا أستطيع أن أنسى د. يوسف إدريس الشخص الطيب جدا على عكس ما يبدو من تهور واندفاع وعنف، ورجاء النقاش شديد الرقة واللطف وهو أول من نوّه بذكرى فى مصر، وإلى جانب ذكائه وسِعة اطلاعه ينتمى إلى فئة النقاد المصريين الذين يُدركون أن زعامة مصر فى العالم العربى تبدأ من الفكر والعقل، وعبدالرحمن الأبنودى شاعر كبير وجنوبى وأقرب إلى السودان وقدم فنًا لم يقدمه أحد غيره، وصلاح جاهين.. أقرب إنسان للعبقرية وموهبته كانت ثقيلة عليه ولم يتحملها. فمات.. وأحفظ عن ظهر قلب كل رباعياته.. وتظل وحدها أمام عينى..

دخل الربيع يضحك لقانى حــــزين

نده الربيع على اسمى لم قلت مين

حــط الربيع أزهــــاره جــنبى وراح

وايـش تعـمــل الأزهــــــار للمـــيتين،

وعجبى!

وتجلس القديرة نجوى عزت إلى سامى شرف ليتذكر الكثير على المدى الطويل: «لقبت بأسماء عديدة (العين الساهرة)، (الحارس الأمين)، (رجل المعلومات)، (كاتم الأسرار)، (الصامت)، ولا أفضل أيًا منها فبطاقتى الخاصة تحمل اسمى فقط.. سامى شرف.. أراد والدى الطبيب البشرى الحاصل على الدكتوراه من انجلترا عام 1926 أن ألتحق بكلية الطب وذهبت معه لزيارة عميد الكلية د. على باشا إبراهيم الذى وافق على الفور وطلب من والدى أن يدفع المصروفات إلا أنه لم يجد معه المبلغ الكافى (وكان أربعين جنيها فى السنة) يدفع منها 25 جنيها فوريًا، وحتى يضمن والدى عدم تغيير رأيى فى الالتحاق بالكلية ذهبنا معا إلى شارع عبدالخالق ثروت فى عمارة كان بها اليهود المرابون ليقترض من أحدهم مبلغ 15 جنيها، وأذكر أنه كان يوم الاثنين فسلمه المبلغ وأخبره بأنه لابد أن يقوم بالسداد يوم الخميس بالضعف أى 30 جنيها، وكل يوم إضافى تكون الفائدة مركبة!! وشعرت فى هذه اللحظة بجرح غائر وبكراهية شديدة لكل ما هو صهيونى، ودفع والدى المصاريف إلا أنه لم يمكننى الاستمرار فى كلية الطب أكثر من يومين وبدون أسباب. وأصر والدى بعدها على الالتحاق بكلية الصيدلة فجربت ليوم ولم أستطع فصارحت والدى برغبتى الحقيقية فى الالتحاق بالكلية الحربية، وقدمت أوراقى هناك ويوم الكشف الطبى أصبت بالتيفود، وأسقط فى يدى فالتحقت بكلية التجارة عام 1946 حيث قضيت عاما واحدا وعاودت بعدها التقديم للكلية الحربية، وقبلت وسميت دفعتنا بدفعة الكوليرا وسبب التسمية انتشار وباء الكوليرا فى ذلك العام .. كرب أسرة تعودت أنا وأسرتى طويلا على غيابى سواء فى السجن أو العمل... ندمت أحيانا كأى بشر حين دخلت السجن لو كنت أكملت تعليمى بكلية الطب كى أحظى بالخمسة عيون كما يقولون: عروس وعربة وعزبة وعيادة وعمارة، لكن الندم لم يدم أكثر من دقائق لأننى لا أقدم على عمل إلا وأكون مقتنعا به تمامًا.. تجسد الوفاء فى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حين سمع بزواج ابنتى الاثنتين فتكفل بهما لأنه كان يعلم أننى لا أملك شيئا ومازلت.. كل ما أمتلكه الآن سيارة هيونداى فقط لا غير.. لا فيلا ولا مصيف.. ولاخدم.. أملك الستر والحمد للـه».

وفى موسوعة الاعترافات جلس الصحفى الكبير صلاح منتصر ليسجل اعترافاته للزميلة هبة سليمان والتى جاء من بين سطورها: «عشت طفولتى بين دمياط ورأس البر بعد وفاة أمى ولم يتجاوز عمرى ثلاث سنوات، فأخذنى والدى إلى دمياط لتقوم عمتى برعايتى فنشأت فى أسرة متوسطة الحال تعمل فى صناعة الحلويات، وأتذكر رأس البر ودمياط ذلك المجتمع المغلق الذى تربيت فيه على الأخلاق والدين، ولا أتذكر أن نصحنى أحد ذات يوم بالصوم أو الصلاة فقد كان أمرًا طبيعيًا، وإذا فطر أحدهم فلن يجد مطعما مفتوحا أو مقهى مستعدًا لاستقباله فى شهر رمضان، ولهذا كانت المفاجأة الكبرى عندما جئت إلى القاهرة مع أبى وأخى وعمرى 15 سنة لأجد نفسى فى مجتمع مختلف تماما فالناس يفطرون فى رمضان فى الشارع دون إحساس بالحرج والمحلات مفتوحة للزبائن كأمر عادى، واختل توازنى لبعض الوقت كأننى فلاح سافر إلى أمريكا وتمردت على التقاليد والعادات وكل ما تعلمته فى دمياط، ولكنى والحمد للـه سرعان ما رجعت إلى الصواب، وكان البيت الذى نستأجره من بابه إلى سطوحه به حجرة للغسيل تستخدم مرة فى الأسبوع فوق السطح فكنت أمكث لساعات طويلة أمسك فيها الكرة والمضرب لألاعب نفسى دون أن أدرى بضربها فى الحائط «لعبة الاسكواش» التى أدمنتها لألعب بعدها مع زكريا محيى الدين وحسين الشافعى وكمال الدين حسين فى نادى اتحاد الجيش دون أن أعرفهم حيث كانوا يأتون قبل الثورة.. زوجتى (منى الطويل) سيدة مثقفة ثقافة رفيعة وتعمل أستاذة طبيعة فى الجامعة الأمريكية، وبينى وبينها ثقة كاملة والخصوصيات فى بيتنا من الأشياء المقدسة وليس لدى قفل واحد فى المنزل ولا مفتاح... أتذكر أول خبطة صحفية وكانت بعد ثلاثة أشهر من عملى فى (آخر ساعة) عندما كانت الثورة فى بدايتها وكان قصر عابدين مفتوحا ليزوره الشعب، فقررت أن أختار نموذجا فلاحا مصريا بسيطا وزوجته وابنه وأخذتهم معى بعد تصريح من إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة وأجلستهم على كرسى العرش وأخذت لهم صورة كبيرة للنشر على صفحة كاملة فى (آخر ساعة)، ويومها جاء جمال عبدالناصر لزيارة هيكل ودخل مكتب سكرتير التحرير وكان الرقيب رجاء العزبى يراجع موضوعى فأخذ رأيه فيه فوافق على النشر مع إبداء إعجابه باللفتة الصحفية ليغدو العنوان «الشعب يجلس على العرش».

وأبدًا لم يخف الفنان صلاح طاهر جانبا من أسراره فوق كرسى الاعتراف ليلاحقه قلم الزميلة سهير حلمى اليقظ: «والدتى كانت سمحة الوجه ممتلئة القوام ومن شدة حبى وتعلقى بها اكتشفت أخيرًا جدا لماذا تجذبنى المرأة الممتلئة على الرغم من طبيعة عملى كفنان يقدّر الرشاقة والخفة.. فى يوم كنت فى زيارة لصديق وفجأة داعبت أذنى مقطوعة موسيقية رائعة على البيانو لموتسارت وأبديت إعجابى الشديد بما سمعت فالعزف المنفرد ينقل الارتجافات والانفعالات.. إنه الإعجاب الذى كان مفتاح القلب. صارحت صديقى بأننى معجب بعزف أخته، وحدث اللقاء بيننا وتزوجنا بعد شهر من التعارف، وأحيانا أضحك لأتجنب الحزن كما يقول فولتير، وسبب ضحكى وحزنى أن عايدة لم تعزف بعد ذلك اليوم مدى الحياة، بل لم يدخل البيانو منزلنا، وعايدة كانت مثقفة وتجيد اللغات الأجنبية، فقد تخرجت فى الجامعة الأمريكية، وأصبحت أنا محور حياتها، وكانت تقوم بقراءة بعض الكتب الأجنبية عن الفن وتقوم بتلخيصها لى حين أعجز عن إيجاد وقت كاف لقراءتها.. باختصار شديد عايدة كانت ولاتزال أعظم حب فى حياتى ولم أصادف امرأة بهذا العقل والقلب والحِكمة.. أحببت تحية كاريوكا رحمها اللـه، وكان بيننا قصة حب لا تنسى، فقد كانت جميلة وعطوفا وصاحبة مبادئ لا تتنازل عنها أبدًا ولا تطيق الكذب.. و.. عرفت غيرها وللأسف كنت وقتها متأثرا بمثل فرنسى يقول: شيئان لا يجب على الإنسان أن ينتظرهما النساءوالقطارات، فإذا لم يدرك أحدهما أدرك الآخر».. من أعز أصدقائى الذين لا أنساهم أبدا توفيق الحكيم الذى كان يجاورنى فى مكتبى بالأهرام وكان مفكرًا عميقًا وخفيف الظل جدا ولا أنسى تلك الواقعة الكوميدية فى أحد أيام الشتاء البارد عندما دعانى أنا ونجيب محفوظ وثروت أباظة إلى مكتبه وتناولنا بعض المشروبات الساخنة، ولم يمض وقت طويل حتى حضر شاب شاحب الوجه ضعيف البنية فرحب به وأجلسه معنا، وفجأة احتد النقاش بين الشاب وثروت أباظة، واتضح أنه شيوعى، وهاجم البرجوازية المتمثلة فى العائلة الأباظية، ووبخه ثروت بعنف لكنه لم يرتدع بل تفوه بألفاظ جارحة، فما كان من ثروت إلا أن قام بضربه وكاد يقتل الشاب من شدة الانفعال، وعجزت أنا ونجيب عن منعه فكـلانا قصيران وثروت ضخم الجسم، وتعالت أصواتنا واستغاثتنا وجاء بعض الزملاء فى الأهرام وتم فض الاشتباك بعد جهد جهيد وإصابات بالغة.. ماذا كان يفعل توفيق الحكيم ونحن جميعا فى مكتبه؟!! كان يتحدث فى التليفون ويشير لنا بيديه لكى يتم حديثه الذى لم يقطعه، بل أحيانا كان يضحك مع محدثه ونحن نصرخ فى مكتبه، وفى الختام قال لنا ضاحكًا كده برضه يا نجيب انت وصلاح تعملوا دوشة بالشكل ده!!

وتدفقت يسرا فى سرد أسرارها عندما وضعت الخبيرة حنان مفيد يدها على المفتاح.. الطفولة: «أبويا اللـه يرحمه كان صعب جدًا، حاولت كثيرا التفاهم معه أو الاقتراب منه لكن بكل أسف كان فيه دائما حاجز يمنعنا من اللقاء.. جايز كان بيعاقب أمى فى شخصى، جايز أنا كنت نقطة الضعف بينهما، وأتذكر أنى كنت دائما ألوم أمى على تسرعها فى طلب الطلاق وأقول لها ليه ماقدرتيشى تضحى وتصبرى على الحياة زى كل الأمهات، فكانت تقول لي: لما بكرة تكبرى تعرفى ليه.. ولما أخذنى أبويا من حضنها وأنا عندى 14 سنة علشان يوجعها ويوجعنى، رقدت فيها سنين، وفى بيت أبويا انعزلت عن العالم لم أكلم سواه، فقد حرمنى من الدخول والخروج، وحرمنى من المدرسة، من أصحابى، من الهواء، وذاكرت من البيت (منزلى) وكنت أكلم الكتب، ويوم ما تخرجت وأخذت الشهادة مزقها أبويا شرائح أمام عينى وياما كنت أروح أشكى لزوج خالتى من علق أبويا السخنة أصله ياما ضربنى، لكن عمرى ما كنت أبكى، المرة الوحيدة اللى بكيت فيها من قلبى يوم ما ماما ضربتنى بالبوكس فى عينى، وكانت أول مرة تضربنى فى حياتها، والسبب أنى كنت مش عايزة أذاكر وعايزة أقعد مع (منّة) جارتنا بنت الفنانة شويكار، وفى هذه الفترة كنت قد بدأت أهمل دراستى وطبعا ده كان من رواسب عيشتى مع أبويا، وفى ذلك اليوم أصررت على عدم المذاكرة وقلت من حقى أتفسح مع أصحابى زى كل البنات وفجأة فوجئت بالبوكس فى عينى وعقاب حبس انفرادى، والحقيقة أمى لعبت دور الأب والأم وبقدر ما كانت حنونًا بقدر صلابتها.. وأفتكر يوم ما صارحت أبويا برغبتى فى التمثيل زى سعاد حسنى جرى ورايا بالسِكينة وكان عايز يدبحنى.. زى ما عندى أصدقاء من غير عدد عندى صندوق أسرار بداخله الكثير.. كل شيء عنى من أول عقد بطولة، وصورى فى المدرسة ومع أمى وكروت معايدة من خالاتى، وتذكارات سفر، وخواطر نثرية أكتبها بحلوها ومرها وعبطها، غير جوابات غرامية من مرحلة ثانوى.. و..لكن ليست كل حاجة فى الصندوق حلوة فهناك ما أتجنب رؤيته لفترة لكنى أعود إليه حتى لا أنسى قسوة أيام المعاناة وطعم المرارة التى لم تزل فى حلقى»..

وبعيدا عن هذه الاعترافات جلستُ بدورى فوق كرسى الاعتراف لأدوّن كلمات واجهت بها النفس قبل الآخرين:

لأن ارضاء اللـه أيسر من إرضاء الناس، فقد غدا التحليق فى الفضاء أسهل كثيرا من المشى فوق الأرض.

ليس صحيحا أن كل الذين يسيرون على أقدامهم أحياء، فبعضهم وافته منية الروح منذ فقدوا من يحبون.

انتحار الجسد حرام لا ريب، لكن انتحار الروح قد يكون ثمنا للحلال..

لم يملكا شجاعة المضى قدمًا فى الطريق الصحيح، ولا حماقة المضى فى الطريق الخطأ، فآوى كل إلى عشه كسيرًا، يعاقر الحزن ويجتر لحظات الفرحة.

الاختبار الحقيقى للمشاعر ــ صدقها وعمقها ــ لا يكون فى لحظات ائتلاف الروح، وإنما فى لحظات اختلافها

لا تصدق أن الافتراق نهاية بالضرورة، لأنه أحيانا يغدو بداية وصل غير متطور.

ليس الصمت انقطاعا دائمًا، ولكنه قد يكون غطاء لصخب فواّر، ترصده العين ولا تسمعه الأذن.

الزهور الطبيعية لا تفعل ذلك، فوحدها الزهور المصنوعة يمكن أن تظل نضرة وفواّحة إلى الأبد

شهيد أيضا ذلك الذى إذا خُيّر بين أن يدمر المعبد على من فيه أو يدمر نفسه فحسب، فإنه يفدى المعبد بنفسه.

 

[email protected]


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: