رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حملات الإزالة وما وراءها

أتابع بكل اهتمام وتقدير حملات إزالة المخالفات بشتى أنواعها التى تقوم بها الأجهزة المختصة، ومبعث الاهتمام والتقدير أن هذه الحملات هى فى جوهرها ردع للاستخفاف بالقانون وهيبة الدولة، وهى ظاهرة شاعت طويلاً وتفاقمت فى ظل ظروف نعلمها جميعاً وأدت إلى ما أدت إليه من اغتصاب لحقوق الدولة والمواطنين فى إطار من البلطجة، غير أن مشاهداتى للقطات التى تسجل تنفيذ هذه الحملات تثير عندى دائماً الإحساس بأن لها وجهاً آخر يجب تسليط الضوء عليه لأنه لا يجد الاهتمام الكافى بل لعله ليس موضعاً للاهتمام أصلاً، وينبثق هذا الإحساس من جسامة المخالفات التى تضع أجهزة الدولة بحسم حداً لها، ويظهر هذا بصفة خاصة فى المبانى المخالفة وبالذات السكنية منها، فمن المألوف أن تُعرض لقطات لعمارات سكنية يبلغ عدد طوابقها ما لا يقل عن خمسة عشر طابقاً لا يمكن أن يحتوى الدور الواحد على أقل من ثلاث أو أربع وحدات يتم نسفها من أساسها أو هدمها على مراحل، وينطبق الأمر نفسه على عديد من المنشآت الأخرى الترفيهية وغيرها، بالإضافة للمخالفات البسيطة بالمقارنة مع المخالفات السابقة والتى تكون أقرب إلى إزالة إشغالات طريق منها إلى إزالة منشآت.

ويتلخص الوجه الآخر لحملات الإزالة فى التكلفة المجتمعية والمظالم الفردية التى تترتب على هذه المخالفات، وليس على إزالتها بمعنى كم أهدر ارتكاب هذه المخالفات من موارد كان المجتمع أجدر بتوجيهها إلى ما ينفع الناس بدلاً من التغاضى عنها ثم القضاء عليها؟ صحيح أن المخالفين دفعوا تكلفة هذا السلوك، ولكنهم استردوها أضعافاً مضاعفة من المساكين الذين اشتروا الوحدات السكنية المخالفة دون أن يدروا بمصيرها المحتوم أو لعلهم تشجعوا بأن المخالفات مرت فى السابق فلم لا تمر فى الحاضر؟ ولنتخيل كم المبانى المخالفة وطوابقها ومساحتها عبر الزمن وكم الهدر الذى ترتب على ذلك فى مواد البناء وفى الطاقات التى وُظفت من أجل إزالة هذه المخالفات الجسيمة، وهكذا فإن وراء كل مسئول يستحق التقدير والاحترام لأنه أقدم على إزالة الخطأ مسئولا آخر يتوجب حسابه لأنه غفل عن الخطأ أو تواطأ معه، وعادة ما تشير أصابع الاتهام إلى فساد المحليات، وعلى الرغم من أن الموضوعية تقتضى عدم التعميم فإنه من المؤكد أن هناك درجة يُعتد بها من الفساد فى المحليات تسمح بوقوع هذه المخالفات بسبب الغفلة والتهاون فى الرقابة والمتابعة أو -وهذا هو الأرجح- بسبب التواطؤ الناجم عن الفساد، وكثير منا لدينا أمثلة حية على وقائع فساد جسيم تعرضنا له واصطدمنا به، ونتذكر أن صيحة فساد المحليات الذى «وصل للركب» قد تمت فى ظل حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك الذى أطلق مدير مكتبه الدكتور زكريا عزمى هذه الصيحة من مجلس الشعب ليعيدها رئيس مجلس النواب الدكتور على عبد العال أخيرا من المنبر نفسه، ويعزز هذا بطبيعة الحال ما تسفر عنه جهود هيئة الرقابة الإدارية النشيطة النزيهة فى تتبع قضايا الفساد فى المحليات، والتى وصلت إلى مستوياتها العليا كما فى واقعتى نائبة محافظ الإسكندرية السابقة ومحافظ المنوفية السابق.

ويعنى ما سبق أن إزالة مخالفات البلطجة والفساد شىء رائع ولكن الأكثر روعة هو الحيلولة دون وقوعها لوقف الهدر فى الموارد المجتمعية والظلم الذى يقع على المخدوعين بسلامة هذه المبانى السكنية من الناحية القانونية، والذين يضعون فيها تحويشة العمر ضمانا لمأوى كريم، وصحيح أن المخالفات وأعمال البلطجة قد زادت على نحو مخيف عقب ثورة يناير على أساس أن الدولة قد اختفت، وبالتالى أصبح كل شئ مستباحاً كما حدث مثلاً فى احتلال البعض وحدات سكنية غير مشغولة ليست لهم، لكننا نعيش الآن ظروفا عادية استردت فيها الدولة هيبتها، وبالتالى فإنه جنبا إلى جنب مع حملات إزالة المخالفات التى وقعت فى وقت أو آخر ينبغى وقف حدوث هذه المخالفات تماما من الآن فصاعدا، ولن يحدث هذا إلا بتشديد الرقابة على النحو الذى لا يسمح بالفساد الذى أصبح للأسف فساداً عادياً بمعنى أنه يتم دون خوف أو خجل وهو أمر ملغز بالنظر إلى الرءوس التى تتطاير تباعاً على كل المستويات بفضل يقظة الأجهزة الرقابية، وقد روى لى صاحب البناية التى كنت أسكنها أنه دخل المصلحة الحكومية المسئولة عن إدخال خدمة أساسية لبنايته بعد أن أُبلغ بمبلغ الرشوة الذى يتعين عليه دفعه وكيف كان مترددا يتصبب عرقا خوفا وخجلا وهو يقترب من الموظف الذى يُفترض فيه أن يتسلم المبلغ بسبب وجود أربعة من زملائه معه فى المكتب نفسه فإذا به يصيح فيه ساخرا وهو يفتح درج مكتبه على مصراعيه: إنت خايف؟ هوه انت فاكرنى لوحدى؟، فإذا برع أحد الفاسدين وأفلت بفعلته لم يفلت بفضل الرقابة الفعالة من العقاب، كذلك ينبغى التشدد فى معايير اختيار المسئولين عن الإدارات القابلة للفساد إذا جاز التعبير، ومن ناحية ثالثة لا شك أن المواطنين يتحملون مسئولية خاصة بل جسيمة فى محاربة الفساد سواء بالإبلاغ عن المخالفات فى بداية وقوعها أو عدم الدخول فى معاملات إلا بعد التأكد من قانونيتها، ويتطلب هذا زيادة وعيهم بخطورة تفشى الفساد، وأخيرا سبق لى أن أثرت فكرة الرقابة بأثر رجعى بمعنى ألا تسقط مخالفات الفساد بالتقادم، فكثيرا ما يكتمل مشروع ويمر بكل الإجراءات المطلوبة لتسليمه، وبعد بدء تشغيله تظهر فيه عيوب جسيمة وأحيانا تظهر بعد وقت قصير لكن المخالفين يفلتون من العقاب لأنهم استوفوا أوراقهم مع أن استيفاء الأوراق فى حد ذاته يكون منطويا على فساد جسيم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: