رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشركات الناشئة فى مصر

أظنه كان العام 1997 عندما اتصلت بى كمدير لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام قيادة جمعية أهلية للعاملين فى مجال الكومبيوتر تطلب عقد اجتماع مع المركز لشرح أهداف الجمعية التى قامت فى هذا المجال الذى كان لا يزال جديدا على الإنسانية، ولعرض عدد من المشكلات التى تتمنى أن يجد لها المركز حلا. لم يكن فى الأمر جديد بالنسبة لمركز الأهرام، فقد كان معتادا على الاقتراب من قضايا ومشكلات مجتمعية حتى إننا عقدنا ورشتى عمل من أجل حل أزمة السينما المصرية وتوصيل شكوى العاملين فى المهنة إلى المسئولين. هذه المرة فإن الضيوف كان لديهم أكثر من هدف، أولها أن هناك تهديدا كبيرا للأمن القومى المصرى وهو أنه مع نهاية القرن العشرين فإن جميع الآلات الحاسبة (الكمبيوتر) سوف يصيبها الجنون لأن كلها مبرمجة على تواريخ القرن الماضى الذى يبدأ بعام 1900 وينتهى بنهاية عام 1999، الانتقال إلى عام 2000 سوف يشكل خللا فادحا خاصة فى تلك الأجهزة التى تشارك فى إدارة البنية الأساسية من مياه وكهرباء والسكك الحديدية والمطارات. كان العالم فى ذلك الوقت قد شغلته هذه القضية تحت اسم KY2 ولم نكن نتصور أنها قد تصل إلى مصر. الغرض الثانى من الاجتماع كان صناعة الكمبيوتر، فمن وجهة نظر الجمعية أن صناعات الكمبيوتر، ومنتجات الثورة الصناعية الثالثة، يمكن أن تنشأ فى المحروسة إذا ما توافر الطلب عليها من جانب الحكومة، خاصة فى مجال التعليم. لم أكن مستريحا فى اللجوء إلى الدولة من أجل إقامة صناعات جديدة، فقد كفانا وقتها خسائر الشركات القديمة. أخى وصديقى الدكتور محمد السيد سعيد، وكان نائبا لمدير المركز ورئيسا لتحرير مطبوعة أحوال مصرية، كان متحمسا للأمر، فقد كان اعتقاده بالنسبة لمستقبل مصر قائما على أنه وقد فاتت الثورات الصناعية الأولى والثانية عليها، فإنه من واجب جيلنا أن نسعى إلى قفزة واسعة نحو الثورة الصناعية الثالثة. على أى الأحوال، قمنا بواجبنا فى ذلك الوقت فى الكتابة عن الخطر وقضية صناعة الحاسبات الآلية، وعقد عدد من ورش العمل الخاصة بالموضوع. مر العام بسلام، وتمكن العلماء من معالجة الانقلاب الرقمى ما بين القرنين العشرين والحادى والعشرين.

ولكن مصر احتاجت إلى عقدين تقريبا منذ تلك الواقعة لكى تأخذ وزارة التربية والتعليم الأمر بجدية، ودخل إلى المدارس التابلت ولوازمه من واى فاى وغيره من الأدوات. الطريف فى الأمر أنه لا يزال هناك من يصرخ قائلا إن إصلاح التعليم ليس مجرد تابلت؛ وبالطبع فإنه ليس كذلك، ولكن وجوده يعنى مرحلة جديدة جاءت متأخرة بكل ما يشمله ذلك الجديد من شروط. هى رحلة جديدة ومبشرة فى مجال التعليم، ولابد أنها سوف تلقى بظلها على الصناعات الرقمية لأنه واحد فقط من مجالات التطبيقات الرقمية. ولمن لا يعرف فإنه خلال الفترة السابقة من التردد فى اللحاق بالثورة الصناعية التكنولوجية الثالثة كانت الثورة الصناعية التكنولوجية الرابعة قد ولدت وبدأت تطبيقاتها العملية فى الظهور. وربما كان التعليم يمثل جانبا واحدا من الصورة الخاصة بالطلب على الأجهزة الرقمية فقد كان لدخول التليفون المحمول إلى مصر بداية أخرى لزيادة الطلب على الصناعات الجديدة. وفى أحد أيام نوفمبر 1997 قابلت المهندس نجيب ساويرس فى عشاء السفارة الهولندية فى القاهرة لتكريم ملكة هولندا التى عندما وصلت إلى مصر جرت حادثة الأقصر الإرهابية، ومع انشغال المسئولين المصريين عن الملكة فإن السفارة رأت عقد هذا العشاء عسى أن تسمع الملكة من المصريين ما يغنى عن الرسميين. كان المهندس نجيب مستحوذا فى ذلك الوقت على شركة موبينيل التى صارت أورانج فيما بعد؛ وسألته عن الأحوال فى هذه التكنولوجيا الجديدة وعما إذا كانت تجربته فيها ناجحة، فكانت إجابته أنه فى اللحظة التى يبلغ فيها عدد المشتركين مليونا، وهو ما لم يكن قد حدث بعد، فإن انطلاقة كبرى سوف تحدث. وفى تعليق على مشكلات الشبكة، قال إنه يتمنى للشركة الثانية للتليفون المحمول كليك أن تخرج إلى النور حتى لا تكون شركته هى مصدر الشكوى الوحيدة للجمهور. قبل عامين من هذا الحديث جرى اعتراض كبير من قبل وزراء فى مجلس الوزراء المصرى على إدخال التليفون المحمول إلى مصر باعتباره سيكون تهديدا خطيرا للأمن القومي. مضى الزمن، وأصبح هناك أكثر من 100 مليون جهاز مستخدم فى مصر، وأكثر من ذلك فإن الجهاز لم يعد كما كان وإنما دخلت عليه تكنولوجيا الأندرويد التى جعلت منه كمبيوتر متحركا يقبع فى جيوب المصريين.

احتاج الأمر لكى نصل إلى ما وصلنا إليه الآن ربع قرن، كان ممكنا أن نحقق فيها أكثر مما حققنا، وكما يقال فإنه من الخير أن تأتى متأخرا بدلا من عدم الإتيان على الإطلاق. وكانت النتيجة هى العشرات من الشركات الناشئة التى تعمل فى مجال التطبيقات الرقمية، بعضها جاء من الخارج مثل تطبيقات أوبر وكريم، ولكن بعضها الآخر، وربما الأكثر أهمية كان الآلاف من الشركات الناشئة (بعضها لم يعد ناشئا مثل فوري) مثل ديوان ووظف وفيزيتا وعقار ماب وكرم للطاقة الشمسية وادفعلى ورايزأب وغيرها مما أصبحت ظاهرة نامية ومبشرة للشباب المصرى حتى إن بعضا من التطبيقات المصرية جذبتها الشركات العالمية، وللاقتصاد المصرى فى مجموعه لأنها توفر مجالا خصبا للتشغيل العالى القيمة والعائد. هذا القطاع قابل للتطوير والانطلاق، فالثابت هو أنه لا توجد ندرة فى الأفكار التى تحل مشكلات مجتمعية مصرية، أو حتى عالمية، كما أنه رغم الشكوى من مستويات التعليم فى مصر فإن العديد من خريجى كليات الهندسة المصرية أخرجت تطبيقات جذبتها الشركات العالمية بعد أن قدمت لها التمويل اللازم لتحويل الأفكار إلى نماذج أولية. هذه المعضلة يمكن أن تحلها البنوك المصرية، خاصة مع ما يتوافر لها من موارد ذات علاقة بالشركات الصغيرة والمتوسطة. نظرة إيجابية لهذا القطاع سوف تقدم دفعة كبيرة للاقتصاد المصرى.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: