رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لا لمفهوم التنمر

اتصلت بى زميلة من دفعتى فى السبعينيات وهى فى غاية الانزعاج والقنوط. وكان السبب فى هذا أنها صادفت بعض الناس (قادمين من القاهرة غالبًا) يذهبون إلى المدارس والندوات العامة فى مدينتها الساحلية للحديث عن التنمر، وأن ما يزعجها فى الأمر أن المدارس ليس بها التنمر الذى يتحدثون عنه، وقد عملت مدرسة منذ تخرجها فى الجامعة، وأن استخدام كلمة تنمر تزعج المدرسين والتلاميذ والأهالى، وتخلق لديهم قدرًا كبيرًا من الخوف على أبنائهم. ولقد شرحت لها وجهة نظرى فى هذا الموضوع. ولقد حدث أن تحدثت مع بعض الزملاء والمسئولين عن التعليم فى هذا الموضوع، كما قرأت عددًا من التعليقات المتضاربة على وسائط التواصل الاجتماعى، وهى تعليقات لم تخل من سخرية وتهكم. وقد دفعنى كل ذلك إلى أن أكتب عن هذه القضية التى لا أعرف لماذا أُثيرت فى مجتمعنا فى هذا الوقت بالذات؟.

ولم تكن علاقتى بالموضوع جديدة، فقد أشرفت على أول بحث أٌجرى حول العنف المدرسى فى مصر بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وهو بحث أكد أن العنف المدرسى لم يصل إلى مدى كبير، وأن نحو 25% من التلاميذ أكدوا أنهم تعرضوا لشكل من أشكال العنف البدنى أو اللفظى، وأن جُل العنف يقع خارج المدرسة، خاصة بعد انتهاء اليوم الدراسى، وفى مواقف التزاحم فى فناء المدرسة أو فى أثناء الصعود إلى الفصول. ولم نجد ساعتها أن ثمة دليلا على ما يُسمى بالتنمر. فما قصة التنمر إذن؟

ثمة مفهوم درجنا على أن نترجمه بالبلطجة، وهو مفهوم Bullying، وكانوا يترجمونه فى الشام وفى بعض كتب علم النفس بالتنمر. والاختلاف فى هذا المفهوم عن مفهوم العنف أنه يشير إلى نمط من علاقات القوة بين شخصين يفرض أحدهما سطوته وسيطرته على الطرف الآخر بطرق عديدة مادية أو معنوية، شريطة أن تتكرر على نحو مستمر يجعل الطرف الضعيف خاضعا لسلطة الطرف القوى. ومن هنا جاءت ترجمتنا للمفهوم بالبلطجة ؛ فالمفهوم يشى بفرض القوة والسطوة والابتزاز على نحو متكرر كما يوحى مفهوم البلطجة. وتشير البحوث على مستوى العالم إلى أن هذا النمط من السلوك أكثر انتشارًا فى مجالى التعليم والعمل، وأنه يتخذ صورًا عديدة تتدرج من البلطجة الفيزيقية إلى البلطجة اللفظية، مرورًا بالبلطجة الاجتماعية (العزل والتهميش)، والبلطجة السيبرية عبر مواقع التواصل الاجتماعى، كما تشير الإحصاءات إلى أنها تنتشر فى معظم البلدان وعلى رأسها إنجلترا وأمريكا التى تشير الإحصاءات فيها إلى أن تلميذا من بين كل 4 تلاميذ يشهد صورة أو أكثر من صور البلطجة. وقد أصدرت منظمة اليونسكو فى العام الماضى تقريرًا حول العنف والبلطجة فى المدارس قدر نسبة حدوثها بنحو 30%.

ولا شك أن هذه المؤشرات خطيرة، ولا شك أيضًا فى أن ثمة خلطا بين البلطجة والعنف، حيث تجمعهما بعض الإحصاءات معا فى فئة واحدة (البلطجة والعنف). ولذلك فقد كنا وما زلنا نؤكد أهمية دراسة العنف المدرسى، دون أن نركز كل هذا الاهتمام على مفهوم التنمر غير المحبوب. فالتنمر أو البلطجة سلوك محمل بالعنف فى صوره العديدة، والفرق فقط بين السلوكين هو التكرار والإلحاح فى الضغط فى حالة البلطجة. فلا حاجة بنا إذن لاستخدام مفهوم يثير أشكالًا من الالتباس، كما يثير قدرًا من الإزعاج؟

ولكن القصة لا تنتهى عند هذا الحد، فثمة فيضان من الاهتمام الإعلامى الآن بهذه القضية، لم يسبق أن حدث فى مصر. فالبحث الذى نبهنا فيه إلى أهمية دراسة العنف المدرسى والذى نُشر عام 2004م، لم يلق أى اهتمام (أرسلت منه نسخًا إلى وزير التعليم وإلى رئيس لجنة التعليم بالحزب وإلى رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب) إلا عندما حدثت حادثة عنف خطيرة تمثلت فى موت أحد الأطفال من فرط ضرب المدرس له. ساعتئذ هاتفنى الوزير الدكتور يسرى الجمل وطلب إقامة ندوة حول الدراسة، وأقمنا ندوة وسط حشد كبير، أكدت فيها بصوت عال وغاضب أن ثمة ظاهرتين يجب أن نلتفت إليهما فى نظام تعليمنا؛ عنف المدرسين مع الطلاب، والتطرف الفكرى للمدرسين، مع توضيح طبيعة العلاقة بين الظاهرتين. وانتهت الندوة وانتهى الكلام، وتواصلت الحياة. وكشفت بحوث وأحداث عديدة عن تنامى ظاهرة العنف فى المدارس، وظاهرة التطرف.

وفجأة ــ ومن غير مقدمات كثيرة- وجدنا سيلًا إعلاميًا حول التنمر ومبادرات مع ما يصاحبه من لفظ وسوء فهم لدى المتحدثين أو المشاهدين، وما يصاحبه أيضًا من خوف وقلق. وأحسب أن إثارة الموضوع على هذا النحو الكثيف يرجع إلى اعتبارات غير منظورة تتصل بأجندات المنظمات الدولية، والمنظمات المانحة، الذين ربما يكونوا دفعوا بتمويل كبير لهذه الأنشطة البحثية والمدنية. وأنا هنا لا أشكك فى نوايا أحد، ولكن أود أن توضع الأمور فى نصابها على النحو التالي: لا يوجد لدينا هذا النوع من التنمر الذى ترصده البحوث عبر العالم، وإنما الذى يوجد هو صور من العنف يُساء فهمها على أنها تنمر أو بلطجة، ولذلك فنحن لسنا بحاجة إلى كل هذا الحديث عن التنمر، لما يؤدى إليه من هلع وخوف، ولما يبثه بين الناس من توجس وشك. وإذا تحدثنا عن الموضوع، فمن الأفضل أن نستخدم كلمة العنف، وأن نضع الأمور فى نصابها بأن نقدم الإحصاءات العالمية حول العنف المدرسى، وأن نوضح للناس أن العنف أو التنمر فى المدارس المصرية يختلف كثيرًا عن نظيره فى بلدان أخرى، وأن أحداث العنف المدرسى لاتزال قليلة مقارنة بالدول الأخرى. وأن الثقافة المصرية هى ثقافة رافضة للعنف ومناوئة للتنمر أو البلطجة. إننا بحاجة إلى أن نخفف من حالة الهلع التى يسببها استخدام هذا المصطلح، وأن نترك شأن التعامل معه للمسئولين عن التربية والتعليم، فثمة إجراءات وتدخلات معروفة للتعامل مع العنف المدرسى. وأنا على يقين بأن لدينا من المربين والمعلمين والأساتذة ما يملكون قدرات أفضل بكثير من الثرثرة والمبادرات الاحتفالية التى تثير من القلق أكثر مما تحقق من الاطمئنان. فهل لنا أن نعول عليهم أكثر فى مواجهة مشكلات العنف المدرسى؟.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: