رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العودة إلى إفريقيا

على الرغم من أن مصر تقع فى أقصى الطرف الشمالى الشرقى لإفريقيا فإنها مثلت فى مراحل قوتها القلب النابض للقارة السمراء، وإذا كانت فتوحات محمد على قد كونت ما يشبه الإمبراطورية الصغيرة لمصر فى إفريقيا فإن ثورة 23 يوليو وقائدها جمال عبد الناصر قد أعادا فتح إفريقيا من خلال مفهوم إنسانى راقٍ يستند إلى فكرة التحرر الوطنى، وقد أسس عبد الناصر لمكانة إفريقيا فى السياسة المصرية بكتيب «فلسفة الثورة» الذى أعطى لإفريقيا المكانة الثانية فى دوائر السياسة الخارجية بعد الدائرة العربية، وإن سوى بينهما من منظور نصرة معارك التحرر ضد الاستعمار فيهما، وقد وضع عبد الناصر الثقل المصرى فى كفة حركات التحرر الإفريقية التى دعمها سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا وعسكريا حتى أصبح بطلاً للتحرر الوطنى فى القارة ومازالت ذراعه اليمنى فيها المناضل محمد فايق يتمتع بمكانة رفيعة فى الدوائر الإفريقية رسميا وشعبيا على المستويات كافة، وواصلت مصر بعد أن تحقق الاستقلال دعمها للدول الإفريقية اقتصاديا وقدمت شركة النصر للتصدير والاستيراد تجربة لافتة فى هذا الصدد.

ومع انشغال مصر بتحرير سيناء بعد عدوان 1967 ورحيل عبد الناصر وبدء عملية التسوية السياسية مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر تراجع الاهتمام المصرى بإفريقيا إلى أن بدأت المرحلة التى أُحب أن أنسبها لصاحب الفضل الأول فيها، وهو الدكتور بطرس غالى الذى أصبح مسئولا عن الملف الإفريقى فى عهد الرئيس السادات ومن بعده الرئيس مبارك، وقد كان الدكتور بطرس -عليه رحمة الله - عاشقا لإفريقيا مؤمنا بأهميتها للمصالح المصرية حتى إنه كان يعتبرها الدائرة الأولى للسياسة الخارجية المصرية، ومن هنا أعطاها كل وقته وفكره وأقام شبكة متينة مع رؤسائها ومسئوليها دون كلل أو ملل، وكثيرا ما كان يتندر بخفة ظله المعهودة على السنوات التى كان ينفقها فى توطيد علاقته برئيس ثم يُطاح به بواسطة انقلاب فى غمضة عين، والأهم من ذلك ما ذكره لى مسئول إفريقى رفيع من أنه كان يهتم بهم بصدق ويأخذهم على محمل الجد ويستجيب لطلباتهم ما أمكن ذلك، كما قدم مبادرات عديدة فى مجال تعزيز العلاقات المصرية-الإفريقية لعل أهمها منظمة الإندوجو لدول حوض النيل التى تحسر عليها فى آخر حديث لى معه قبل وفاته بأقل من شهرين عندما كنت أشكو إليه ما حل بمعهد البحوث والدراسات العربية فرد بأسى أن علينا أن نتعود على اختفاء أشياء جميلة تعبنا فى صنعها، وضرب مثلا بتلك المنظمة، وقد انتهت مرحلة الدكتور بطرس التى كانت مرحلة الازدهار المعاصرة الثانية فى الحضور المصرى فى إفريقيا وإن من منظور مختلف بتوليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة وانخفاض مستوى الاهتمام المصرى الرسمى بإفريقيا، وزادت محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا فى 1995 الطين بلة فأدار ظهره بالكامل تقريبا لإفريقيا.

ثم عُقدت الآمال على ثورة يناير فى إحداث نقلة نوعية فى السياسة الخارجية المصرية، وهى آمال سرعان ما انتكست فى إفريقيا بصفة خاصة بعد الاجتماع الفضيحة الشهير الذى تم على مرأى ومسمع من الجميع فى عهد الرئيس الأسبق محمد مرسى لمناقشة سبل التحرك لمواجهة المخاطر المترتبة على سد النهضة، وفى هذا الاجتماع تبارى الأفذاذ الذين حضروه فى تبادل الأفكار الساذجة التى جعلت المرء يرثى للحال الذى وصلت إليه عملية صنع القرار فى مصر، ناهيك بالضرر المستعصى على الإصلاح الذى سببه هذا الاجتماع الكارثة لعلاقات مصر بإثيوبيا وصورتها فى إفريقيا عموما، وهو ضرر لم تدخر إثيوبيا وسعا فى استغلاله لتشويه صورة مصر، غير أن الله سبحانه وتعالى شاء أن يقيض لمصر من شعبها وجيشها ما يخلصها من المصير المأساوى الذى كان ينتظرها لو دام حكم الإخوان لكى تبدأ مرحلة جديدة تؤمن القيادة فيها بالأهمية الاستراتيجية التى تمثلها القارة الإفريقية لنا، وكانت الخطوة الأولى هى زيادة الاهتمام بإفريقيا وتغيير النهج المتبع إزاءها من المواجهة إلى التعاون على أساس الاعتراف المتبادَل بالمصالح المشروعة للأطراف كافة، وانطبق هذا النهج على مشكلة سد النهضة فى اعتراف مصر بحق إثيوبيا فى التنمية التى يتعين عليها أن تحترم حق مصر فى الحياة.

وفى السياق السابق ازداد الاهتمام المصرى بإفريقيا بوضوح، وبدأت ألمح مجددا فى جامعتى تلك الوجوه الإفريقية المهذبة المحببة فى إشارة لسياسة مصرية واعية تزيد المنح الدراسية للطلاب الأفارقة فى الجامعات المصرية كتوظيف واجب لقوة مصر الناعمة لترسيخ المكانة المصرية فى إفريقيا، وبدأت مصر الرسمية تهتم مجددا بتعزيز علاقاتها الثنائية مع الدول الإفريقية وآخر تجلياتها فوز المقاولون العرب ذراع مصر الناعمة فى إفريقيا بمناقصة بناء سد ستيجلر جورج فى تنزانيا الذى انتزعته الشركة المصرية ذات التاريخ المشرف فى القارة السمراء من شركات عديدة بينها شركات صينية وتركية، واستعادت مصر مكانتها فى الاتحاد الإفريقى بعد الالتباس الذى شاب علاقتها به عقب ثورة يونيو وصولاً إلى رئاستها له فى السنة التى تبدأ بعد أيام، وكان حضور الشباب الإفريقى لافتا مرتين فى منتدى الشباب العالمى الذى تنظمه مصر، وتقرر فى المنتدى الثانى أن تكون أسوان عاصمة للشباب الإفريقى فى السنة المقبلة، وأن تقوم مصر بتدريب أعداد كبيرة من الكوادر الإفريقية، وشهدت الأيام الأخيرة مؤتمر إفريقيا2018 بالتعاون بين وزارة الاستثمار ومنظمة الكوميسا التى تضم فى عضويتها 22 دولة، وتستضيف مصر حاليا التدريب المشترك فى مجال مكافحة الإرهاب لدول تجمع الساحل والصحراء، وكلها مؤشرات أكيدة على عودة مصرية فاعلة لإفريقيا تحقق المصالح المشتركة رغم ضراوة المنافسة من قوى إقليمية وعالمية، وهى منافسة لن نفوز فيها إلا بالإخلاص والجدية والإجادة.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: 
كلمات البحث: