رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثمن الكلام

فى زمن الفيس بوك والتويتر والانستجرام وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعى صار ثمن الكلام غاليا، رغم أن كل هذه الوسائل مجانية! بالطبع فإن المقصود بالكلام هنا هو ما يتعلق بالشأن العام، أو بشئون الآخرين وهو شأن عام هو الآخر ولكنه يخص أفرادا بعينهم. فى أزمنة سابقة لم يكن أى من هذا موجودا، ومع ذلك فإن الحكمة الذائعة كانت أن الملافظ سعد، وأن لسانك حصانك يقودك إلى الطيب أو القبيح. فى كل الأوقات كان للكلمة والقول ثمن، قد تشعل نارا أو ثورة أو حربا، وقد تذيع حبا وسماحة، هى الطريق للحب والزواج بقدر ما هى السبيل للكراهية والطلاق. الجديد فى الأمر أن كلام الإنسان أصبح متضخما بحكم الوسائل التى تعمل على مدى الساعة، فالكلمة تقال، وتسمع، وتشاهد؛ كما أنه يجرى تقاسمها مع الآخرين فى التو واللحظة، ولها متوالية الانتشار باتساع الكون. مثل ذلك أعطى الإنسان قوة غير عادية عندما يرسل الكلمة، وانفعالا عاطفيا ونفسيا كبيرا عندما يستقبلها.

وباختصار صار التوازن ما بين العقل والغريزة لصالح هذه الأخيرة، وعندما يحدث مثل هذا الخلل فإن الكلمة لا يصير ممكنا الاعتذار عنها بأن القافية حكمت، فالأغلب أنها كانت مشرطا يجرح ويسيل دما. لماذا نثير هذه المسألة الآن، لأن الخطر منها ليس بقليل، والمحتمل دائما أنه يعرض المجتمع لأخطار بالغة، فالكلمات بخصوص موضوع ما سرعان ما تقسم الجماعة المصرية، وأحيانا العربية، إلى معسكرين ليس مهما هوية كل منهما، ولكن المهم أن الاستقطاب يخلق نزاعا، والنزاع يصير عراكا سرعان ما يندفع إلى المحاكم، فيصير ما يهم الناس جزءا من السياسة فى الدولة. المسألة قد تكون فى جدية تجديد الخطاب الديني، وأحيانا أخرى قد تكون أقل شأنا لأنها تتعلق بحالة فستان ولكنها وبسرعة انتشار النار فى الهشيم تثير قضايا وجودية حول علاقة الدولة بالدين، والدولة الدينية والعلمانية وهكذا أنواع من القضايا المصيرية.

حدثنى صديقى أبو الفضل الإسناوى عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعى فى صعيد مصر، وكيف أنها تشعل نارا من لا شيء تقريبا، ليس فقط من نوعية معارك تشجيع الأهلى والزمالك والمكايدة والنكاية بشأن من فاز ومن هزم، وإنما حول أصل الحكايات والأصول فى القرى والمدن. العائلات تنزل بنفس العصبية والغريزة الكلامية التى تضع الجميع على حواف الصراع. فى معركة الفستان التى جرت مؤخرا، وستر الله فيها حينما تصالح الخلق، انتقلت المعركة فورا إلى القضاء، وما كان حقا اجتماعيا بالاستهجان والاستنكار، صار مسألة لتقرير المصير فى الدولة، ومن ناحية كانت اتهامات الفجور والرذيلة، ومن الناحية المضادة كان أن وأد الحرية يبدأ دائما بفستان! وكما أن لكل معركة أطرافها الأصليين، فإن هناك دائما من يحاولون استغلالها لأغراض خاصة، فما كان خلافا كلاميا حول حدود الرداء فى مهرجان للسينما، فإنه فجأة أصبح صراعا ما بين العرى والنقاب، ولم يعد هناك خيار ثالث يقدمه المجتمع ولا تقدمه الدولة لأن الجماعة تعرف أنه لم يحدث تاريخيا أن قام العارى بعمليات انتحارية أو تفجير نفسه فى المواصلات العامة.

فى معركة الكلام عن مستشفى 57357 توالت الاتهامات بإصرار وعناد غريبين، وكلما تم الرد على الاتهام بعد الآخر، فإن تطبيق القاعدة الكلامية بأن العيار الذى لا يصيب غالبا ما يثير ضجيجا وفرقعات تكفى وحدها لتدمير الغرض. لم يكن لا المرضى ولا الأطفال يدخلون فى المعادلة الكلامية، وحتى عندما قررت وزارة الشئون الاجتماعية أن تشكل لجنة للتحقيق ضمت فيها قضاة ومسئولين عن المحاسبة والمراجعة، وبدلا من انتهاء أعمالها فى عشرة أيام كما قيل فإنها أصدرت تقريرا بعد خمسة أشهر يقوض كل الاتهامات، ولكن كل ذلك يمكن نسفه بكلمات أن التقرير لم يرد على شيء، وبعد هذا الاستنتاج يجرى تكرار نفس الاتهامات مرة أخري، وبعد كل ذلك تتولى أدوات التواصل الاجتماعى عملها. أيا كانت النتيجة، فإن الضرر قد حدث، وعندما تنخفض التبرعات إلى مؤسسة خيرية تعمل وفق المعايير العالمية بنسبة 70% فإن كثيرا من الأطفال يحرمون من العلاج، ومن يعالجون ربما لا يحصلون على ما يجب الحصول عليه، والنموذج الذى اتبعته مؤسسات أخرى للخير والعلاج أصيب بضرر بالغ.

معضلة ثمن الكلام والمسئولية الملقاة على كل أشكال التعبير ليست واقعة فى مصر وحدها، بل إنها باتت معضلة عالمية بحق. والحقيقة أنه لا يوجد حل سهل لها، وتقييد الحريات العامة وفى المقدمة منها حق التعبير ليس حلا، والأرجح أن تقييده أو إغلاق المنصات الاجتماعية كما يحدث فى بعض الدول يضاعف من سوءاتها، ويعمق من عدوانية الغريزة داخلها، ويدخلها فى عوالم سرية تعشش فيها الشكوك والتطرف والعنف. الحل يوجد فى المجتمع ذاته، وفى كل الأمور التى تديرها الدولة فإن الجميع يطالبون بضرورة إدارة «حوار مجتمعي» حول الموضوع، فكيف عندما يخص الأمر المجتمع لا يدار مثل هذا الحوار. فى حادثة الفستان انزعج المجتمع من حالة الاستقطاب التى جرت، فتدخل العقلاء فاعتذرت السيدة، وسحب المحامون القضية، وخرجت السجون والمحاكم من الموضوع. هل يمكن فى حالة المستشفى 57357 أن نضع الأطفال فى أذهاننا وهم يعانون المرض الخبيث، ونأخذ بحكم تقرير لجنة محايدة؟ أو هل يمكن التعامل مع الموضوع برءوس باردة، وليس بحناجر أو كلمات قوية.

الأصل فى عصرنا أن التكنولوجيات الحديثة أعطت للإنسان قدرات لم تكن متاحة له من قبل، أصبح لكل إنسان صوت يطلقه على الدنيا، ونافذة ينظر من خلالها على العالم. الصوت والنظرة ليست مسلحة بما يكفى من المعلومات، ولا من الحقائق، ومن ثم فإن المساحة الكبيرة تحتكرها الغرائز التلقائية، والانفعالات الوقتية التى ترتاع من الفقر، ويصيبها الخضة مع الغني، وبقدر ما ترتعد من الفشل فإنها تجد الصدمة فى النجاح. هناك مؤسسات مهمتها فى العالم البحث عن الحقيقة، وإظهارها؛ وتدفق المعلومات دائما مفيد، والشفافية مقدمة للحكمة. الكلام فى كل الأحوال له ثمن خيرا أو شرا.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: