رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جــــبــــار

مكثت طويلا أدور فى فلك صنّاع النغم وصيّاغ الكلْم وأصحاب القلم وسلاطين الطرب وأساطين الألحان وأساطير الدندنة، وسافرت على أجنحة التواشيح والطقاطيق والمواّل والدور ورجعْ الآهات ومنازل المقامات وانسجام الأبيات ودوزنة الآلات، وأصداء الرِتم وحلو القصائد وغزل الأزجال وصوفية الرباعيات، وروحانية الابتهالات ومسارات الربع تون، وسيادة السيكا وسطوة النهاوند، وفقه النغم، وأنين الهجر وتغريد الوصال وتمهيد اللقاء ودعاء السماء وحديث الدفوف وترانيم الشجن، وكسرِ القلوب، والدمع الهتون وليل السُهاد وسُمّ العزول وضوء القمر، وقلب يحب فيشدو الكمان، وقصة عشق يرويها الجيتار، وغرام وانتقام على السكسافون، وحزن دفين ما بين السطور، وأورج شغوف يصاحب الأوكرديون، وعنف وشدة من الأوبوا الخشبية، وسوانح

سماوية من الفلوت الفضية، ومزمار وزغاريد ورقص وزفّة عرس وأنّة عشق وسجالات ربابة.. و..حبيبها لست وحدك حبيبها.. جميع المسارات تقود إليه.. عبدالحليم حافظ.. النغمة التى سادت، والمحور الذى تأكد، وميدان كان فيه اللقاء جماعيا، والمقصد الذى اتجهت إليه الكوكبة النيّرة من الملحنين والشعراء والمخرجين.. بليغ حمدى وكمال الطويل ومحمود الشريف ومحمد الموجى وعلى إسماعيل ومنير مراد وحلمى بكر... وكامل الشناوى، ونزار قبانى، ومأمون الشناوى، وعبدالوهاب محمد، ومرسى جميل عزيز، وعبدالرحمن الأبنودى، وصلاح جاهين، وحسين السيد، ومحمد حمزة، وأحمد شفيق كامل، وعبداللـه الفيصل، وخالد بن سعود.. وحسن الإمام، وحسين كمال، وإبراهيم عمارة، وحلمى حليم.. و.. محمد عبدالوهاب.

 

عبدالوهاب عن عبدالحليم جاء قوله: «سمعت صوته حوالى سنة 50 كان يُغنى فى ركن الهواة بأغنية للنيل عن لحن محمد الموجى «يا حلو يا أسمر» فأعجبت بصوته واتصلت بالإذاعة وطلبت من حافظ عبدالوهاب ـ وكان عضوا معى فى لجنة الاستماع ـ أن أرى صاحب الصوت ـ فأتوا به، قدم لى نفسه عبدالحليم شبانة، وقال لى حافظ يومها إذا أعجبك فسنغير اسمه.. رددت على الفور: ده يستاهل ونص! حقيقى يستاهل يا حافظ، فاستأذننى فى أن نُسميه عبدالحليم حافظ.. ومن يومها وبدأ عبدالحليم يتردد علىّ فى مكتبى بشارع توفيق يوميًا.. نتغدى ونتمشى سوا وكان ساكن فى المنيل، وكان من يومها وصحته على قدها.. معرفشى إذا كان المرض من يومها ولا لأ.. ولكنه كان يتعب كثيرا.. أروح أزوره فى المنيل وكان دائما فى بيتى ومعايا فى المكتب، وكنت لمدة طويلة من معرفتى به مستمعًا جيدًا له، ولم أفكّر فى التلحين له إلا بعد أن استولى على مسامعى تمامًا وهو بيغنى لى «على إيه بتلومنى» التى كنت أحب سماعَها منه كثيرًا وأطلبها منه فى أوقات الإلهام.. أول لحن أهديته له كان «توبة» ونجحت الأغنية، وبسبب هذا النجاح اتعمل لها فيلم خصيصًا، وكان دائمًا يُردد لى، وأحيانا أمام مجدى العمروسى: «أنا واخدك مثال لى.. مثل أعلى.. فى السلوك.. فى الكـلام. فى المعاملة.. فى الفن طبعًا، وهنا كنت أضحك معه واسأله: طيب مبتقلدنيش ليه فى المحافظة على صحتك.. وبدأت أهتم به وبأعماله الفنية، وقبل أن يصبح شريكًا معى فى (صوت الفن) التى أساهم فيها، كنت شريكًا فى (بيضافون) للأسطوانات، وقد كانت أسطواناته الأولى من خلالها، التى بدأت بـ40 جنيها لأسطوانة (صافينى مرة) وبعد سنة تدرج المبلغ إلى 300 جنيه، وبعدها تعاقد على نسبة 27٪ من ثمن كل أسطوانة.. عبدالحليم شخصية فنية مستقلة فى التأدية، عبدالحليم فى تطوره بالأغنية له أسلوب ذاتى، وقد أخلص لفنه ولخدمة فنه، ومن أحسن ما قدمه اهتمامه البالغ بالأوكسترا التى كبرها واعتنى بآلاتها، وبذل مجهودًا مضنيًا فى اختيار الكلمة واللحن.. إخلاص فوق المعقول يعجز الوصف عنه.. ذواّقة. يقدر بسهولة أن يضع يده على الأحسن والأفضل.. كان متشددًا فى الوصول إلى الكمال.. إلى أحسن مظهر فنى.. عبدالحليم ملتزم.. مبيلعبشى كثير فى اللحن. لا إضافات تهز كيان اللحن الأصلى بحيث كانت الجملة تصل طازجة إلى الجمهور.. عبدالحليم معبّر.. بإيماءاته وحركاته ورأسه وشعره وملامحه وذراعيه ويديه وأصابعه وجسمه حتى بعينيه.. كثير السؤال والحصاد والتزوُد والاطلاع على التطور الفنى فى أوروبا فى كل مجال، ومن هنا طعّمَ شخصيته بالمزيد والجديد والفريد، حيث أضاف التعبير الجسدى إلى وسائل الاتصال الأخرى مع المتلقى. عبدالحليم يعطى كل صوته.. لا يخفى منه شيئا.. كل ما عنده يمنحه بانطلاق وأريحية وكرم حاتمى باذلا مجامع قوته.. يعطيه كاملا للناس.. يمتاز بموهبة ساطعة وباهرة ونادرة خاصة فى طبقات صوته المتوسطة والمنخفضة»..


وتبدت أواصر العلاقة القوية ما بين عبدالوهاب وحليم فى أسمى مظاهرها خلال مرض عبدالحليم، وعرف المحيطون بهما مدى حب الموسيقار للعندليب، وفى خلال العمليات الجراحية التى كانت تُجرى لعبدالحليم كان عبدالوهاب حاضرًا حوله طوال اليوم.. طول النهار، وعندما يأتى المساء لم يكن يغيب عن التليفون والسؤال، وفى مرضه الأخير كان عبدالوهاب وكأنه المريض، وعندما يحس من عبدالحليم إهمالا فى صحته أو يُخيل إليه، كان العتاب يطول.. وفى رحلة مرض عبدالحليم الأخيرة إلى لندن لم يستطع الموسيقار السفر معه كعادته بسبب ظروفه الصحية، فطلب من زوجته السيدة نهلة القدسى البقاء إلى جوار عبدالحليم، حيث لم تفارقه لحظة، وفى يوم قبل النهاية طلب منها عبدالحليم أن تُسجل له صورة قبل إجراء العملية قائلا: «ربما تكون الصورة الأخيرة للذكرى، فرفضت دامعة وغادرت الغرفة.. وظل عبدالوهاب طوال الوقت على تليفون القاهرة حتى توقيت العودة الحزينة وعندما عَلِّمَ عبدالوهاب بقدوم جثمان حبيبه من لندن تحامل على نفسه، ونزل متساندًا من بيته رغم المرض والألم، وتوجه إلى بيت عبدالحليم فى الزمالك، وطلب من أهله أغرب طلب.. قال لهم: افتحوا لى حجرة عبدالحليم، وفتحوها.. ودخل عبدالوهاب إلى الغرفة وأغلقها عليه ساعة كاملة ـ كما يروى مجدى العمروسى محامى عبدالحليم ـ ولم يجرؤ أحد على الاقتراب، حتى خرج فى حالة يرثى لها من الحزن والبكاء، ويعرف العمروسى بعدها أنه كان فى تلك الساعة يشم كل شىء فى الحجرة: ملابس عبدالحليم، وفراش عبدالحليم، وأدوية عبدالحليم التى وجدوا زجاجاتها مبعثرة.. كان يتزوَّد من عبدالحليم وأشيائه الصغيرة فى حجرته الخاصة التى لن يدخلها صاحبها بعدها، ومعلوم أن حاسة الشم عند عبدالوهاب كانت تقوم مقام بقية الحواس: اللمس والنظر والتذوق بل وتفوقها بالكثير.

وتظل كلمات المطربة الغالية نجاة عالقة فى ذاكرتى عندما قالت لى إن الصورة الوحيدة التى كان يضعها الموسيقار الكبير عبدالوهاب داخل إطار فضى ثمين فوق الكومودينو إلى جوار رأسه هى صورة عبدالحليم حافظ متجهًا بناظريه ناحيته وكأنه كان يُلقى عليه مع كل طلعة شمس تحية الصباح، ويودّعه بتحية المساء قبل إغلاق ضوء الأباجورة.

زمان.. التقيت بآمال فهمى على ناصية برنامجها الإذاعى الشهير، وسألتنى فأجبت بلسان أحلامى ولم أكن قد دخلت بكامل كيانى نفق الرحلة الشائكة فى سكة اللى يروح مايرجعش، وتركتنى بسؤالها التقليدى «تحبى تسمعى إيه؟» فجاءت إجابتى تحمل مشاعرى الفواّرة الفورية التى أفصحت عن موقعى فى مركز دواّمة الحب.. لو سمحت أغنية «حبك نار» لعبدالحليم.. وبهذا التصريح العلنى اكتشفت العائلة درجة حرارة عواطفى.. كان دومًا صوت عبدالحليم يعايش نبض أحاسيس جيلنا.. كانت الرومانسية القديمة التى أرسى دعائمها الشاعر أحمد رامى قد انحصرت فى عدد من الكلمات المستهلكة يقوم كل مؤلف بإعادة ترتيبتها فى نسق مختلف، حول معان هابطة مكررة، ترسم صورة لحبيب مصاب بعقدة سادية يهوى بموجبها تعذيب المحب وإذلاله وسحق كبريائه ومسح كرامته بالبلاط.. كانت كل الأغنيات التى شاخت من حولنا يسهر فيها الحبيب الملتاع الليل بطوله يتذلل ويفرش الأرض بآهاته ودموعه حتى بات الحب قرينًا للـهوان والانسحاق وضياع العزّة، وكانت عبارة «عزّة جمالك فين من غير ذليل يهواك» التى رددتها أم كلثوم من كلمات رامى تعبّر تلخيصًا لعصر كامل من الغناء الذليل.. وأتى عبدالحليم بكلمات طازجة جديدة موجزة غير مترهلة، تتفق وإيقاع العصر السريع، ولا تتطلب مجهودًا فى الاستماع، حيث يستمع الواحد منا ويعمل فى آن معًا، بل إن الأغنية نفسها تشحنه بطاقة عملية تبعث على حب الحياة وتذوق الجمال، وإذا ماكانت الأغنية قبل عبدالحليم باكية مولولة حزينة تبكى نيابة عن شعبنا الميّال للحزن بحكم چيناته المتوارثة، المستعد للانفجار لأدنى استثارة لمشاعره، فقد اختلف الأمر مع عبدالحليم فهو وقبل كل شىء صاحب صوت متفائل مشرق بسيط ناعم كالقطيفة، صافى النبرة، مقتصد فى التزويق، يتمتع بمصداقية فطرية، فإذا قال «أحبك» فإن نطقه تجسيد لمعنى الحب فعلا، وإذا أشار إلى الحزن فالحزن واضح وجلى ومؤثّر، أو إلى الفرح فالفرح طاغ تصل عدواه المشرقة للدوائر من حوله.. ومع عبدالحليم كانت رياح التغيير الشامل تهب من جميع الجهات محملة بروح التفاؤل والثقة.. بل لقد أصبح منطق الحب يجد فى المجتمع بجميع طبقاته ومستوياته آذانا صاغية، ولم يعد الكـلام فى الحب مصحوبًا بالخجل أو المروق، بل أصبح مشروعًا، وأصبحت الفتاة لا تجد حرجًا من الكـلام حول ساكن القلب الذى تتمناه شريكًا للعش.. وربما من هنا اخترت فى «على الناصية» أغنية «حبك نار»!!.. وتسير بنا الحياة مع ترانيم صوته.. يغنى للوطن «بالأحضان» فيشتعل حماسنا، ويشرح حكاية السد فنفهم فى السياسة، وتتوالى الامتحانات والناجح يرفع إيده، وتختال السمراوات تحت وقع شدوه للسمراء وأسمر يا أسمرانى، وتحملنا رحلة الحب فى يوم من الأيام صدفة مع كلمة حب حلوة، ويهزنا الشوق لأظل أهواك، ونغفر للحبيب لأنهم ظلموه، ونرجوه صافينى مرة فيتعالى علينا ونجد له حجة بأنه مغرور، ونٌُعلن توبة، واوعى يا قلبى تحب تانى، ولكن يبقى نبض الشوق فى عروق حبيبها عاشق ليالى الصبر فى مالك القلب، ولا يتبدد فى يوم أو شهر أو سنة، فالواحد منا موعود، وكامل الأوصاف سوّاح خلِىِّ البال يطلع له القمر مداّح القمر لأنه أحلى الناس، ونرسل ونحن غرقى رسالة من تحت الماء أنّاتها قل لى حاجة أى حاجة، ونخرس صوت العقل ونبحث عن الطالع عند قارئة الفنجان ونقنع بأنها رحلة فوق الشوك من سار على دربها مفقود مفقود.. و.. يسير بجوار السور يده تنادى يد حبيبته، وعندما تلحقه فى الموعد تستقر الأصابع فى الراحة المرحبة، ويسيران فى الصحراء فى فيلم «الوسادة الخالية» ليُداعبها مشغول وحياتك ولآخر الأسبوع مشغول، ونسير بعدها فى الطريق بأصابع متشابكة.. كان حلم الأنوثة فارسًا فارعًا بأكتاف مصارع وعنف كاوبوى، وتسلل عبدالحليم ليهذّب الحلم ليصبح البطل مخلوقا عاديا نجده من حولنا بوجهه الشاحب وسحره لا يكمن فى عضلاته.. بل لقد أثرى مظهر حليم حب المرأة بعاطفة الأمومة لتحتوى رجلها كطفل يحتاج منها إلى الرعاية والعناية والحنان، ولهذا كان انبهارنا وقتيًا بالأصوات الجهورية من أجسام هرقلية ـ مثل فهد بلان ـ فما تكاد تشدنا حتى يتدفق علينا صوت عبدالحليم من جسده النحيل نهرع لهفة إليه بمشاعر أم انشغلت عن وليدها لحظات بالنظر إلى صفحة فى مجلة موضة زائلة ــ فهد الذى قال عنه حليم: إنه يستهلك نفسه بسرعة فائقة، فيغنى كل أغانيه فى حفل واحد، وستظل الإذاعة والتليفزيون يذيعان هذه الأغانى حتى تموت، فهى مثل النكتة إذا تكرررت يملها المستمع ــ ويغمّض عبدالحليم عينيه وهو يُردد مقاطع الغناء، ونُعجب، وبعدها نكتشف أننا نرى أبعادًا أخرى عندما لا يحددنا الواقع.. ويستدير عبدالحليم يقود الفرقة الموسيقية ونقول استعراضًا دخيلا على مهمة المؤدى، ولكن إصراره جعل حركته جزءا من إطار أغانيه، وأصبحنا نصم بالتقليد كل من يحاول محاكاته ولا نهضمه.. ويتكلم قبل الغناء ويمنح ألقابًا للموسيقيين وعذره فى قوله: «لكنى أنا لا أتكلم إلا عندما أقدم أغنية جديدة، فأقدم مؤلفها وملحنها والموسيقيين الذين يؤدون اللحن، وبما أن الأغنية عمل جماعى فلابد من حصول كل من اشترك فيها على حقه الأدبى.. وما أفعله ليس بِدعة إنه الأسلوب المتبع فى العالم، وعندما أقول فوق المسرح عن بليغ حمدى إنه أمل مصر فى الموسيقى لم أتكلم اعتباطًا أو تريقة كما قال أحدهم، بالعكس أنا أرى بليغ أمل مصر فى الموسيقى لأكثر من سبب: أولا لاجتهاده، ثانيا لنشاطه، ثالثا لأننا فى مصر لا نغنى إلا ألحان بليغ حمدى، فمثلا محمد رشدى له 11 أغنية لأكثر من ملحن أنجحهم لحن بليغ، ونفس الشىء بالنسبة لنجاة لها أكثر من أغنية جديدة أنجحها لحن بليغ حمدى، وعندما أقول إن بليغ هو أمل مصر فليس معنى ذلك أن الأمل متوقف على واحد فقط وإنما على ناس كثير، وممكن كل واحد فى شعبنا يكون أمل مصر ويُفيدها فى لحظة أو شىء معين».. هذا فى الكـلام على المسرح عن بليغ حمدى، أما عن كـلام عبدالحليم فى حفل نادى الضباط بالزمالك ليلة 23 يوليو 66 فكان عندما طلبت أم كلثوم من المسئولين عن الحفل فى تلك الليلة، أن تغنى وصلتها قبل عبدالحليم، وليس بعده كما كان متفقًا عليه من قبل، فالمعروف أن أكبر اسم فى الحفل هو الذى يختتمه خاصة وقد اكتسب الحفل أهمية كبرى لحرص الرئيس عبدالناصر وجميع القادة والوزراء على حضوره، وعَلِمَ عبدالحليم بالشرط المفاجئ لأم كلثوم وبذكاء شديد وافق على الفور حتى لا يدخل معركة خاسرة، وفى العاشرة مساء صعدت أم كلثوم لخشبة المسرح وبدأت تغنى أولى أغنياتها، ثم تقوم بتكرار كل مقطع أكثر من مرة، وبعد أن انتهت من أغنيتها الأولى، بدأت فى الثانية ليحدث ما حدث فى الأولى.. وبدأ عبدالحليم يساوره الشك فى أن أم كلثوم تحاول المكوث أطول فترة ممكنة على المسرح حتى يصبح الوقت متأخرًا، فينصرف الحاضرون عقب وصلتها الغنائية، وتضيع على العندليب فرصة المشاركة فى الحفل، وهو الذى تعوَّد الاشتراك فيه منذ سنوات طويلة، فظل يراقب من خلف الكواليس، وعندما بدأت الموسيقى تعزف اللحن الثانى لها، همس فى أذن ابن خالته «شحاتة» بعدة كلمات انصرف بعدها شحاتة مسرعًا ليعود إلى الكواليس حاملا قفصا كبيرا فيه سرب من الحمام.. وما انتهت أم كلثوم بين عاصفة التصفيق حتى ظهر المذيع الداخلى للحفل وأعلن عن وصلة عبدالحليم الغنائية، وكانت الساعة قد جاوزت الواحدة والنصف صباحا ليستقبله الجمهور بعاصفة من التصفيق.. وقبل أن يبدأ الغناء قام بتوجيه هذه الكلمات إلى الحاضرين: «أنا مش عارف إذا كان غنائى بعد أم كلثوم شرفًا لى، أم مقلبًآ من أم كلثوم، لأن الوقت أصبح متأخرًا على ما أعتقد».. وبعد هذه الكلمات التى صفق لها الجمهور طويلا ارتفعت التعليقات «معاك للصبح يا حليم» وارتفعت معنويات عبدالحليم وبدأ يُغنى كما لم يغن من قبل، وفى منتصف الأغنية أعطى الإشارة إلى ابن خالته ففتح قفص الحمام لينطلق السرب الأبيض فى سماء نادى الضباط.. وانتهى عبدالحليم وعاد سعيدًا لمنزله مع الأصدقاء ليظل الحديث حول ما حدث حتى الفجر، وينصرف الجمع ويدخل حليم لينام، وعند استيقاظه عصر اليوم التالى فوجئ بفردوس زوجة شحاتة تسأله فيما إذا أرسل زوجها إلى مكان ما حيث لم يحضر منذ خروجه معه إلى الحفل.. وتذكر حليم أنه أثناء إطلاق شحاتة للحمام، هبطت عليه من فوق الأشجار مجموعة من الحرس الخاص بالرئيس وأخذوه بعيدًا، ولم يخطر ببال عبدالحليم أنه مازال محجوزًا، وذهب عبدالحليم ليتصل بالرئيس عبدالناصر يستفسر عن مصير ابن خالته وعاد من بعد المحادثة يقول ساهمًا: واضح إن الريس مش عايز يتدخل فى اللى حصل بينى وبين أم كلثوم، لأنى كل ما أحاول أفتح الموضوع، يدخل هو فى موضوع ثانى، ويكلمنى فى حاجة تانية، وعموما إذا كانت أم كلثوم قد فرضت عليّ دخول معركة معها، فسوف أدخلها، ولو كسبتها، حيكون نصر كبير لى، ولو خسرتها حتكون الخسارة بشرف، لأنها معركة بينى وبين عملاقة.. وكانت القشة التى قصمت ظهر العلاقة بين المشير وحليم عندما رفض حليم طلب المشير بأن يعتذر لأم كلثوم رغم محاولات المشير وشمس بدران وعلى شفيق.. وكانت تلك العلاقة قبل ذلك طيبة حميمة للغاية لدرجة أن المشير كان يترك كل أعماله وأعبائه وما بين يديه عندما يشاهد عبدالحليم وبالأحضان.. وفى السنة التالية رفضت أم كلثوم أن يُغنى معها عبدالحليم فى احتفالات 23 يوليو، وأسقط فى يد حليم، ولم يملك إلا أن يرسل خطابا إلى الرئيس مع مدير مكتبه السيد محمد أحمد بكلمات الأغنية التى كان ينوى غناءها فى ذكرى يوليو وهى «يا أهلا بالمعارك» ويأمر عبدالناصر بأن يقام حفل بالاسكندرية يوم 26 يوليو لأول وآخر مرة يحييه عبدالحليم وحده ومعه من يختار من الفنانين ويحضره جمال عبدالناصر وكانت أكبر ترضية لعبدالحليم، خاصة بعد أوامر الرئيس بإعادة إذاعة أغانيه بالإذاعة التى توقفت جميعها، وإيقاف الحملة الضارية ضده فى الجرائد، وكانت أم كلثوم هى التى طلبت العفو عن عبدالحليم لدى جمال عبدالناصر بعدما رفع حليم سماعة التليفون وقال لها: «يا ست عايز أشرب معاكى فنجان قهوة، وردت عليه أم كلثوم بطريقتها الخاصة فى مداعبته: تعالى لى بكرة فى البيت يا واد..

ويروى الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عن مشاعر عبدالناصر تجاه أول أغنية وطنية قدمها عبدالحليم من كلمات جاهين تقول: «احنا الشعب اخترناك من قلب الشعب يا فاتح باب الحرية يا ريس يا كبير القلب».. وكان للأغنية مكانة خاصة لدى ناصر فقد غناها حليم بعد انتخابه رئيسا لمصر فى يونيو 1956.. يقول هيكل «ذات مساء وبينما الكل فى انتظار الغزو بعد تأميم القنال كنت معه فى مقر مجلس قيادة الثورة، فوجدته يذرع الشرفة ذهابا وإيابا بمزاج عكر للغاية، فقد كان يستمع إلى الأغنية التى ألهبت خيال الجماهير، وأخذ كل مصرى يرددها، كانت نشيدًا لعبدالحليم، الذى أصبح من بين أوسع المطربين شهرة، وكانت اللازمة فى النشيد: سيبنا فى إيدك مصر أمانة.. وقال لى عبدالناصر: لقد أحسست بشعور غريب وأنا أسمع هذا التعبير (سيبنا فى إيدك مصر أمانة).. إن مصر فعلا فى ظرف خطر، هى بالفعل أمانة مرهونة على حسن تصرفنا، وعلى شجاعتنا فى المواجهة..

وتمضى الأيام لتظل خناقة أم كلثوم وعبدالحليم ماثلة فى الأذهان محفورة على جدران تاريخ الغناء المصرى، ليُعاتب الكاتب الراحل رجاء النقاش عبدالحليم حافظ بعدها بعشرات السنين تحت عنوان «أيها الجميل المجنون» بما فى قوله: «أنت يا حليم معجزة من السماء على أرض مصر وفى هذه الأرض الطيبة تتكرر المعجزات الإلهية كل يوم.. حتى أصبحت كلمة «المعجزة » فى مصر هى القاعدة وليست الاستثناء!.. فى صوتك يا حليم جمال بغير حدود ولا أسوار، ولكنك كنت جميلا ومجنونا فى نفس الوقت! وقد تجلى جمالك فى كل أغانيك التى سوف تجعل من عمرك آلاف السنين بدلا من سبعة وأربعين، أما جنونك فقد تجلى فى عنادك لأم كلثوم.. كيف تعاند أم كلثوم يا حليم وهى أمك بل هى أمتك؟! لقد كان عليك أن تفهم أن مجد أم كلثوم هو مجدك وعرشها هو عرشك.. ولو تقوَّض عرش أم كلثوم لتقوَّض عرشك فى نفس اللحظة! ومن أكبر العجائب فى تاريخ مصر أن الكبار فيها أحيانا يحاولون أن يهدموا الكبار!!

تلك مأساة.. لأن الكبير ـ حقًا ـ لا يستطيع أن يبقى ويعيش إلا إذا كان حوله كبار آخرون.

فكل ما فيك رائع وجميل يا حليم.. إلا عنادك لأم كلثوم ويا أيها المجنون الجميل: نحن نعشق جمالك ونغفر لك الجنون»..

ولم تكن أم كلثوم وحدها من ارتبط اسمها بحساسية العلاقة مع العندليب فقد كان حليم يرى فى فريد الأطرش المنافس الحقيقى له فى الغناء، وله جمهوره العريض فى مصر والبلاد العربية، ومن هنا أصر على أن يُقيم حفلة شم النسيم فى سينما ريفولى عندما كان فريد يقيم حفله المعتاد فى نفس الليلة فى سينما قصر النيل وكان فى تصوره أنه لو غنى من ألحان فريد فسوف يسهم فى إضافة مزيد من النجاح وكثير من المعجبين لفريد، وأبدًا لم يصارح حليم أحدا بشعوره ذلك بل كان عندما يلقاه يبادره بقوله: جهز لى لحنا وأنا أغنيه، وأحيانا يدير قرص التليفون فى بيت فريد قائلا بدون مناسبة: «فين يا فريد اللحن بتاعى أنا جاهز وعلى أحر من الجمر».. ويسرع فريد إلى عوده وهات تلحين آخذًا المسألة بجدية شديدة حتى أنه قام بالفعل بتلحين أغنيتين وعرضهما على عبدالحليم الأولى من كلمات مرسى جميل عزيز يقول فيها «أتارى الحب شيء مكتوب علىّ» والثانية من كلمات حسين السيد ومطلعها «يا ويلى من حبه يا ويلى من عذابى فى نهارى وليلى» وحدد له الأغنية التى يغنيها أولا والأغنية التى بعدها وأصرَّ على الترتيب، وانتهز عبدالحليم الفرصة قائلا: لا يعم أغنى الأول فوق غصنك يا ليمونة وبعدها الثانية، ويغضب فريد ويحتج حليم وهو يعرف أنه لن يغنى لا الأولى ولا الثانية ويعتذر، ويشكو فريد لطوب الأرض من عناد حليم، وقام بترجمة غضبه بموقف لا يُنسى وكان عندما قرر عبدالحليم إقامة حفل فى بيروت، وتحدد يوم الغناء وسافر ليجد مفاجأة لم يتوقعها.. جميع الأماكن التى يمكن أن يقام فيها الحفل محجوزة، وحاول مع المتعهد أن يجد شبرًا واحدًا فى بيروت كلها يصلح لإقامة الحفل أبدًا.. وعرف السبب!! فريد الأطرش وراء الأزمة.. هو الذى حجز كل الأماكن ودفع العربون بسخاء. وأثار عبدالحليم القضية وقدم المستندات التى تثبت تورط الأطرش ومحاولته منعه الغناء فى بيروت، واضطر فريد إلى إلغاء الحجز لأهم مكان «مسرح البيسين» وأعلن ذلك فى مقابلة تليفزيونية بينه وبين حليم مدعيًا أن المتعهد هو الذى قام بهذا العمل، وفتح عبدالحليم ذراعيه، وفتح فريد قلبه وصافى يا لبن.. حليب يا قشطة.. وعاد التفكير جديا فى لقاء مشترك يوم ولادة لحن «أنت عمرى» لأم كلثوم وعبدالوهاب الذى أسمته الجماهير «لقاء السحاب» حيث توجه عبدالحليم لمنزل فريد فى اليوم التالى وفاتحه بلقاء سحاب آخر يجمعهما، ويحول مرض العملاقين دون اللقاء رغم ما يجمعهما من صفات ومظاهر، فكـلاهما طوال حياته الفنية يعانى من المرض، وكـلاهما عاش بلا زواج وبالتالى ليس لديهما أولاد يحملون اسميهما، ونظرتهما للزواج واحدة وهى رفض أن تقوم الزوجة بدور الممرضة ومن ثم الترمل. وأخيرا وافتهما المنية فى الخارج وفارقا الحياة غريبين عن مصر، ووصلا فى نعشين محمولين على أعناق عشاق فنهما، ودفن فريد فى البساتين، وبعد سنتين وثلاثة أشهر وخمسة أيام لحقه عبدالحليم بعدما ترك رصيدا فنيا مكونا من 16 فيلما روائيا طويلا أولها «لحن الوفاء» وآخرها «أبى فوق الشجرة» و93 أغنية سينمائية، و17 برنامجا تليفزيونيا، و50 أغنية مصورة، و5 أفلام روائية بطريقة الدوبلاج، و3 برامج إذاعية، ومسلسلين إذاعيين، و260 أغنية غير مصورة.

حياة عبدالحليم ونشأته فى الريف والحضر كان حريصا على إخفائها عن أقرب الأصدقاء له، ولكنه وبعدما حقق نجاحا كبيرا فى مجموعة من أفلامه وفى بداية الستينيات فتح قلبه وخرج من دائرة الصمت ليكشف الستار فى مذكراته عن رحلته مع اليُتم والعذاب والمرض فى يناير 1973 وذلك قبل وفاته بأربع سنوات فى مستشفى اكسفورد حيث كان يعالج من نزيف مفاجئ فى المعدة.. يروى عن اسمه بالكامل: عبدالحليم على إسماعيل شبانة، من أب تاجر جلود، والأم زينب أحمد عماشة بنت عم أحمد رشدى عماشة المحامى الذى رشح قبل ثورة 52 وزيرا للعدل واعتذر عن قبول الوزارة ـ والد الصحفية الكبيرة الراحلة انجى رشدى التى جاء ذكرها فى نعى المطرب عبدالحليم حافظ فى صفحة الوفيات بالأهرام ـ وهو آخر العنقود لثلاثة أشقاء هم اسماعيل ومحمد وعليّة.. ويشاء القدر أن تكون حياة عبدالحليم منذ شهد النور إلى أن فارق الحياة فى 30 مارس 1977 ـ بمستشفى كنجز كوليج بلندن ـ ملحمة عذاب فقد ماتت أمه يوم مولده بعد ولادة عسرة ليُستقبل بالنحيب بدلا من الزغاريد، وقالوا ارضعوه من ثدى الراحلة ليدفن «الفقرى» معها، ويحتضنه إسماعيل الشقيق ساهرًا الليل بطوله حتى لا تمتد للوليد يد تريد وأده، وحتى العمة التى ألقمته ثديها تموت هى الأخرى بعد عام، وبعدها كارثة وفاة الأب ليغدو الأبناء الأربعة أيتامًا لا أحد لهم فى قرية الحلوات مركز ههيا بالشرقية، لينتقلوا إلى الزقازيق فى بيت الخال متولى أحمد عماشة ومنه لملجأ الأيتام ليحصل على الشهادة الابتدائية فى السادسة عشرة، وتتطلع آماله إلى القاهرة للالتحاق بمعهد الموسيقى مودعًا الزقازيق.. والملجأ.. وحقنة البلهارسيا الموجعة.. وعزبة الحريرى.. وفلقة سيدنا الشيخ، وفين يوجعك ومحاكمة الخال بتهمة اشعال الحريق فى مقر عمله ببنك التسليف الزراعى!!

عبدالحليم حافظ الذى قام نجيب محفوظ صاحب نوبل بتقييمه قائلا: «إذا أردنا أن نؤرخ للغناء المصرى ووصلنا إلى فترة عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم، فأين نضع عبدالحليم وأين مكانه بالضبط.. ببساطة أقول: نضع عبدالحليم بجانب عبدالوهاب وأم كلثوم، لأنه رغم الفترة الزمنية القصيرة التى عاشها فإنه استطاع أن يقدّم الكثير من الأعمال الجادة والجيدة سواء فى مجال الأغنية أو فى دنيا السينما».

ومثلما كتبوا له ليغنى كلماتهم، كتبوا عنه ما لا يستطيع قراءته وإن ظل حيًا عندنا وعندهم.. قال الشاعر الغنائى عبدالوهاب محمد:

مال البلابل بتتهادى من الأغصان

بلبل ورا بلبله ورا عندليب ألحان

ويا فن مالك بتفقد كل يوم فنان

آه يا للى شلت الألم جواك فى كل مكان

وبتدى م القلب وانت فى منتهى الحرمان

بابكيك يا عبدالحليم وأنا فى الدموع غرقان

بابكيك يا عبدالحليم بابكى اللى قال بحنان

فى يوم فى شهر فى سنة تهدى الجراح وتنام

وعمر جرحى أنا أطول من الأيام

احنا كمان جرحنا حيعيش وراك أزمان

 

ويكتب مأمون الشناوى بقلم الألم، وكان يكتب له بمداد الفرح:

يا من ملأت حياتنا نغمًا/ وتركتنا فتيتم النغم

غرد بدار الخلد منطلقًا/ واجمع ملائكه وغنهموا

ذوبت روحك فى مسامعنا/ حتى براك النزف والسقم

وفى رحيله كتب مرسى جميل عزيز:

لننتظر ولن يطول الانتظار/ وعن قريب سوف يرفع الستار

عن قريب يا حليم تلتقى/ أحضاننا.. ولن يطول الانتظار


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: