رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شهداء مصر وأبطالها

أرسل لى ابنى يوم الجمعة الماضى عبر الفايبر نصاً مطولاً قرأه فى أحد مواقع الفيسبوك عن معركة الجزيرة الخضراء، وكان واضحاً أنه تأثر كثيراً بما ورد فى النص عن بطولة المقاتلين المصريين الذين دافعوا عن الجزيرة، ثم سألنى بحذر عما إذا كانت هذه المعلومات مستندة إلى مصادر موثوق بها، فأجبته بأنه أما عن معركة الجزيرة الخضراء فهى بالفعل وسام على صدر كل من قاتل فيها ودليل على عظمة القوات المسلحة المصرية، وأما عن التفاصيل فسوف أسأل أهل الذكر، واتصلت على الفور بالأخ العزيز اللواء حسام جعفر الذى أكد لى تفرد هذه المعركة، وأحالنى إلى اللواء مصطفى أبو سديرة وكان (قائد ثانى) موقع الجزيرة الخضراء، وقد أحاطنى سيادته مشكوراً بحقيقة ما جرى، وحذرنى من أنه قد تكون هناك أحياناً مبالغات هنا وهناك، لكن الأساس أن معركة الجزيرة نقطة مضيئة فى تاريخ القوات المسلحة المصرية، والجزيرة الخضراء جزيرة صغيرة المساحة شمال خليج السويس، وهى كتلة جبلية صخرية ترتفع نحو أربعين متراً عن سطح البحر حوافها شديدة الانحدار وترجع أهميتها الاستراتيجية لوجود موقع للدفاع الجوى بها كان من الواضح أنه يزعج الإسرائيليين كثيراً لدوره فى الإنذار المبكر بأى هجوم على الجيش الثالث والسويس، وكذلك الاشتباك مع الطيران المعادى فضلاً عن أن قائد الموقع (النقيب محمد عبد الحميد آنذاك واللواء فيما بعد) كان يستخدم مدفعيته المضادة للطائرات بعيدة المدى فى اصطياد الأهداف الإسرائيلية التى تتحرك على الضفة الشرقية لخليج السويس، ولهذا قرر الإسرائيليون التخلص من الموقع وهاجموه ليلة 19ــ20 يوليو 1969 فى ذروة حرب الاستنزاف بقوات قدرها اللواء أبو سديرة بأربع موجات تتكون كل منها من أربعة زوارق يحمل كل زورق عشرة أفراد مع الإسناد اللازم بطبيعة الحال.

ووجه التفرد والبطولة فى معركة الجزيرة الخضراء أن الخلل فى ميزان القوى كان فادحاً لمصلحة القوة المهاجمة التى كانت تواجه سرية دفاع جوى صغيرة العدد مهمتها الأساسية هى الإنذار بوقوع الهجمات الجوية المعادية والتصدى لها، وقد استبسلت هذه القوة فى القتال لكن خسائرها البشرية كانت عالية كما أن ذخيرتها كادت تنفد، بالإضافة إلى أن الحصار الإسرائيلى للجزيرة أجهض محاولات إمدادها كافة، ولذا يقول العميد مجدى بشارة فى لقاء مع الإعلامية القديرة منى الشاذلى إنه طلب من قائد الجيش الثالث أن يدك الموقع بالمدفعية باعتبار أن تلك هى الوسيلة الوحيدة لمنع سقوط الجزيرة، بينما لجأ المقاتلون المصريون إلى المخابئ، وبالفعل نجحت الخطة ولم يسقط الموقع المصرى فى أيدى الإسرائيليين، وقد وجهنى اللواء أبو سديرة إلى أن أكتب على جوجل عبارة اعتراف: اثنان فقط، لأتأكد من حقيقة ما جرى ففعلت ووجدت شريط فيديو صادراً عن المجموعة 73 يلخص المعركة، لكن الأهم أنه يحتوى لقاءً تليفزيونياً مع قائد المجموعة الإسرائيلية المهاجمة وهو آمى إيلون سُئل فيه عما كان يفعله فى المعركة فأجاب: كنت أحاول البقاء على قيد الحياة, وأضاف أن الهدف كان احتلال الجزيرة وأنه لا يرغب فى سرد القصة، وأن المعركة كانت مريرة جداً وأن اثنين فقط من أفراد المجموعة المهاجمة هما اللذان نجيا والباقى بين قتيل وجريح وأن علينا فى المدى الطويل أن نقلق من تبعات هذا النوع من العمليات، وعندما سُئل عما إذا كانت العملية ماهرة (clever) رد بأنه ليست لديه إجابة.

معتادة هى القوات المسلحة المصرية على ما يطيب لى أن أسميه بالمعارك المستحيلة، وقد كانت حرب أكتوبر معركة مستحيلة تحقق فيها ما يشبه الإعجاز، والأمر نفسه ينطبق على معركة الدفاع عن السويس فى نهاية الحرب وغيرها الكثير، وقد تذكرت فى هذا السياق بطولة العقيد رؤوف محفوظ ورجاله فى معركة الدفاع عن شرم الشيخ إبان العدوان الثلاثى، والذى استأذن القيادة فى عدم تنفيذ الأمر بالانسحاب الذى صدر للقوات المصرية فى سيناء بعد أن تكشفت أبعاد المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية فأُذن له فقاتل ورجاله بشراسة حتى نفدت ذخيرتهم بعد أيام من القتال الضارى الذى أوقع خسائر فادحة فى صفوف الإسرائيليين، ووفقاً لرواية اللواء حمدى الشعراوى فى رسالة إلى القمص أنجيلوس جرجس الذى نشرها فى الأهرام تحت عنوان «رسالة من بطل مصرى», فإن العقيد محفوظ رأى أن المقاومة والقتال لآخر طلقة ولآخر رجل أفضل من انسحاب مهين لمسافة كبيرة بعد أن أمن رحيل الجرحى والمدنيين ووجه السفينة رشيد للنجاة بقرار شجاع. لم ينج بنفسه ولم يفكر فى ديانته إنما فكر فى مصر، أما عبارة «لم يفكر فى ديانته التى ذكرها اللواء الشعراوى فلأن العقيد محفوظ ورئيس شئون أركان شرم الشيخ المقدم حنا بخيت مسيحيا الديانة»، وهكذا يلاحظ القارئ الكريم عظمة النسيج المصرى الواحد فى كل المعارك الفاصلة، وعبثاً يحاول أعداء الوطن أن يخدشوا هذا النسيج الذى يمثل أهم عوامل القوة المصرية، ولقد كان من المصادفات الجميلة أن ينشر الأخ العزيز الدكتور إبراهيم البحراوى الذى يقوم بعمل جليل فى ترجمة الوثائق الإسرائيلية عن حرب أكتوبر مقاله الأسبوعى فى المصرى اليوم بعنوان: شَرُفنا بمطالعة أسمائكم، ويقصد بذلك أسماء شهداء معركة تبة الشجرة ومقاتليها التى استولت فيها الكتيبة 12 مشاة على مقر القيادة الإسرائيلى الحصين للمنطقة الوسطى فى سيناء، ولقد سألنى ابنى بصدق: أين ترجمة هذه البطولات التى تمثل رصيداً لا ينضب لتعزيز الانتماء الوطنى؟ فأجبته بأننى لا أدرى هل يتوجه المرء برجاء تكرر كثيراً للمسئولين عن صناعة السينما فى مصر بأن ينصفوا أمجادها العسكرية وبطولات أبنائها أم يشير بأصابع الاتهام إلى كل مقصر فى هذا الشأن؟


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: