رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دور الفساد فى استدامة الصراعات الداخلية

أدلى الدكتور غسان سلامة المبعوث الأممى إلى ليبيا بحديث شامل إلى الأستاذ مكرم محمد أحمد نُشر فى الأهرام  بتاريخ ٢٠١٨/١١/١٢، وقد تضمن الحديث رؤية شاملة وعميقة وواقعية للصراع الدائر فى ليبيا تعكس مكانته الأكاديمية الرفيعة وخبرته السياسية العريضة، لكن أكثر ما لفتنى فى هذا الحديث كان تكييفه للصراع بأنه صراع على الثروة وليس الفكر أو الثقافة أو تحديات المكان والزمان، وكان من الممكن أن يُفهم هذا التكييف على أنه يعنى صراع القوى الدولية الطامعة فى ثروة ليبيا خاصة أن هذا حاصل بالفعل لكنه لم يترك مجالاً لشك فى ما يقصده بقوله: جوهر المشكلة الحقيقية التى تواجهنا أن الجميع يريد الإبقاء على الأمر الواقع لأن الوضع الراهن يتيح للجميع نهب ثروات البلاد، وهناك توافق عميق بين كل الأطراف على إبقاء الوضع على ما هو عليه الذى ينتج مليونيراً جديداً كل صباح بينما يتردى الوضع العام ويزداد سوءاً.

لقد بدأنا عملية لملمة الشظايا وهناك من يتصور أنها يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، لكن هؤلاء واهمون لأن حجم التوافق على الوضع الراهن ضخم وكبير، وفى كثير من بلاد العالم يكون الخارج هو مصدر الصراعات الأساسى أما فى ليبيا فإن معظم الصراعات مصدرها الداخل، وباختصار شديد فإن ليبيا تنتحر بأموالها ولابد من وقف هذا النهب أولاً، ورسالة د. غسان شديدة الوضوح ومفادها أن الصراع مستمر أساساً لأن أطرافه المحلية تريد ذلك ببساطة لأنها تستفيد من هذا الصرع مادياً من خلال عملية نهب منظم للثروة الليبية تلعب فيها الميليشيات المسلحة الدور الرئيسى.

   وقد دفعتنى صراحة الدكتور غسان إلى إمعان النظر فى خواطر سابقة لى عن نشوب الصراعات الداخلية فى الوطن العربى وتطورها، فالصراعات قد تنشب لأسباب أيديولوجية أو سياسية أو عرقية أو مذهبية وغيرها، لكنها بعد نشوبها تطور آليات تعمل على استدامة هذه الصراعات لسبب بسيط وهو أن غالبية الأطراف تصبح صاحبة مصلحة فى استمرارها فالحرب هى حرفتها التى تعيش عليها ولو توقفت يتوقف معها مصدر رزقها، وينطبق هذا على المقاتلين العاديين أما بالنسبة لأمراء الحرب فإن المسألة ليست أكل عيش وإنما هى نهب شرس لثروات طائلة تحت راية المبادئ المزعومة والشعارات الرنانة، ومصدر هذه الثروات مزدوج فهو إما داخليا فى البلدان ذات الموارد الطبيعية الوفيرة كما أوضح د. غسان فى بداية حديثه فى حالة ليبيا التى تصدر مليوناً وربع مليون برميل بترول يومياً من أجود الأنواع  ويدخل العراق بطبيعة الحال فى هذه الشريحة بقدرات أكبر، وإما خارجيا بسبب تفاقم ظاهرة التدخل الخارجى فى الصراعات الداخلية لأسباب غير خافية قد تكون اقتصادية بمعنى السيطرة على ثروات البلد الذى يدور فيه الصراع أو سياسية لنصرة فصيل محارب أو أكثر يدين بالولاء للدولة المتداخلة سياسياً أو أيديولوجياً أو باع ولاءه بالمال الذى تغدقه عليه دون حساب لأنها تعتبر تحقيق أهدافها فى الصراع بإسقاط نظام أو فرض فصيل سياسى بعينه على مقدرات البلد موضوع التدخل إنجازاً استراتيجياً يرتبط بدورها ومكانتها إقليمياً أو عالمياً، ومن ثم فإن ظاهرة الفساد أو الإفساد عامة سواء فى البلدان الغنية بثرواتها التى يتم النهب منها أو حتى الفقيرة التى تتكفل القوى الإقليمية أو العالمية الكبرى بإفسادها، وهكذا تتولد حلقة جهنمية مفرغة تتراجع أمامها الأسباب الأصيلة لتفجر الصراع وإن لم تختف على الأقل لكى يكون استمرار نهب الثروات أو تدفق التمويل الخارجى مبرراً، وبموجب هذه الحلقة المفرغة لا تصبح هناك أدنى مصلحة لأمراء الحرب وأتباعهم فى انتهاء الصراع.

   ويستطيع المتابع أن يجد بسهولة أمثلة أخرى عديدة للحالة الليبية، ويتذكر الجميع حالات الفساد المروعة فى العراق إبان احتدام الصراعات الداخلية فيه وأنهار الأموال التى تدفقت على جماعات إرهابية فى سوريا لإسقاط نظامها تصفية لحسابات سياسية وليس نصرة للديمقراطية كما يزعمون، وقد سبق لى أن كتبت على هذه الصفحة أن سبباً رئيسياً لإخفاق جهود المصالحة فى فلسطين أن أطراف النزاع فيها تتكسب من استمرار الوضع الراهن ولدى معلومات مباشرة مذهلة بهذا الخصوص، وقدمت الحرب الأهلية اللبنانية فى سبعينيات القرن الماضى وثمانينياته بانوراما كاملة لهذه الظاهرة، وإذا صح هذا التحليل فإن دلالاته كئيبة بالنسبة لمستقبل جهود تسوية الصراعات الراهنة مادام أن استمرار الصراع يؤدى وظيفة إيجابية لأطرافه التى لن تتوقف عن النهب أو تلقى المساعدات إلا إذا قُنن هذا النهب فى التسويات المنشودة وهذا أسوأ، كما أن الأطراف الخارجية لن تتوقف عن إذكاء الصراعات بأموالها إلا إذا ضمنت مصالحها فى أى تسوية قادمة وهذا بالغ السوء أيضاً، ولذلك قد يبدو أن الحل، بعيداً عن مؤتمرات كباريس وباليرمو وغيرها، هو أن تتولى القوى الوطنية الحقيقية إن وجدت مهمة إخضاع أمراء الحرب وأتباعهم بالقوة وهو ما يذكرنا بماتعرفه أدبيات علم السياسة من أن الدول تنشأ أحياناً بالقوة عندما تسود المصالح الضيقة فتنعدم رؤية مزايا العيش المشترك، ومن الناحية الفعلية فإن الدولة غائبة بوضوح فى الحالتين الليبية واليمنية، ولعل أقرب الفصائل إلى مهمة إعادة بناء الدولة الليبية هو جيشها الوطنى الذى تدعمه مصر من خلال سياستها الصائبة المدافعة عن كيان الدولة الوطنية العربية، وعلى هذا الجيش أن يتخلص من أى ممارسات تعوق مسيرته لتحقيق هذه المهمة وعلى أنصاره أن يوفروا له الدعم اللازم ويعملوا بدأب على رفع القيود على تسليحه أملاً فى استعادة الدولة الوطنية الليبية الموحدة وعندها يمكن للشعب الليبى وحده أن يتفرغ لمهمة بناء ليبيا الديمقراطية التى تليق بشعب ليبيا ونضاله الوطنى وتضحياته الجسام عبر التاريخ.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: