رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هندسة التنوع وإدارة الاختلاف

يدفع عالمنا المعاصر ثمنًا باهظًا من جراء الحروب والنزاعات وصور العنف التى عملت على تقويض دعائم الدولة الوطنية. وعلى هذه الخلفية فإن لنا أن نحتفى بتلك الدول التى تحقق استقرارًا وتماسكًا وطنيًا، على ما فيها من تنوع وتعدد فى الثقافات والأديان. وأحسب أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجًا متميزًا على تحقيق هذا الاستقرار. ولن أستفيض فى شرح الكيفية التى نشأت بها هذه الدولة الوطنية الفتية، أو النجاحات الكبيرة التى حققتها فى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو الجهود التى تبذلها نخبها السياسية فى بلورة وتحديث مقاصدها لتكون دائما على مشارف العصر. لن أتحدث عن كل هذا، مع أهميته، ولكنى سوف أسوق حديثًا عما أسميه فى هذا الصدد هندسة التنوع وإدارة الاختلاف. إذ يطفو إلى الذهن فى كل زيارة إلى هذه الدولة الفتية سؤال مهم: كيف يتعايش كل هذا الكم من البشر معا، وقد جاءوا من أقطار مختلفة، وهم ينتمون إلى ديانات وجنسيات ولغات مختلفة؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال تدخلنا مباشرة إلى طبيعة الإشكالية التى سوف نتناولها فى هذا الحديث، أعنى هندسة التنوع وإدارة الاختلاف: كيف يتم تنسيق العلاقة بين كل هذا التنوع الهائل، وكيف تتروض السمات الشخصية للبشر، التى تميز كل شخص على المستوى الفردى والسمات الثقافية التى تميز مجموعات من دول مختلفة من كل بقاع الأرض «ذكر لنا رئيس جامعة الشارقة فى أحد اللقاءات أن الجامعة تضم أكثر من مائة جنسية»، أقول كيف تتروض السمات الشخصية والثقافية المتنوعة لتصب فى النهاية فى مسار واحد، فى نسق متكامل ومتناغم من الأدوار ومن التفاعلات.

يتبادر إلى الذهن مباشرة وضوح الأهداف والمقاصد السياسية-الإدارية من ناحية، والاجتماعية-السكانية من ناحية أخرى. فكل الأطراف هنا تعرف أهدافها ومقاصدها، يعرف قادة الدولة أهدافهم، ويوثقونها فى استراتيجيات، وخطط وقرارات وتشريعات وأساليب للضبط والمتابعة تتضمن التنفيذ الدقيق لكل الأهداف، وفى المقابل يعرف كل الأفراد أهدافهم، يعرف كل فرد من الوافدين أن له عملا محددا، وأنه قادم إلى هذا البلد لإنفاذ هذا العمل، ويعرف المواطنون حقوقهم وواجباتهم، ويدركون أهمية وجود هؤلاء الآخرين «الوافدين» فى حياتهم وفى حياة مجتمعهم. ثمة شفرة هنا للحياة، وللتفاعل، ولتحديد الأدوار. وتؤسس هذه الشفرة المتعلقة بوضوح المقاصد، والأدوار، تؤسس لهندسة البناء الاجتماعى الذى تصب فيه أعمدة اجتماعية لتماسكه واستمراره. من أول هذه الأعمدة عمود الكرامة والعدالة. نعم الكرامة والعدالة صنوان. قد يختلف الأفراد فى المهن، وفى المكانة الاجتماعية، وفى الانتماء الطبقى، ولكن لهم جميعاً حد أدنى من الحقوق، وعليهم واجبات يعرفونها حق معرفتها. هنا تفتح الكرامة للعدل أبواباً. فيتخلق ذلك الشعور الخفى الذى يشعر به الأفراد فى أعمالهم وفى تجوالهم، والتى ألخصها دائماً بعبارة موجزة مفادها: أن الشارع يفتح للجميع وهو ملك للجميع، ولا أحد يلمز أو ينبذ فيه، ولا أحد يستملكه بحال، فقط يحصل فيه على موطن قدم وعلى مسار. وثمة عمود آخر له أهميته القصوى، وهو القانون. فهندسة التنوع وإدارته لا تنجح، ولا يفتح لها أفق استمرار إلا إذا كان القانون هو شفرتها الأولى. لا أقصد كثرة التشريعات أو تنوعها، وإنما اقصد إنفاذها على الأرض بحدة وشدة. فالأصل فى القانون أن يكون أسلوب ضبط خارجى لا يخضع لأهواء الأشخاص أو مصالحهم، ولا أحد يخول له تنفيذ القانون إلا الدولة التى تكون الفاعل الوحيد الذى يحق له استخدام الشرعية فى فرض القانون. وإذا ما طبق القانون بشكل صارم فإن الفئات الاجتماعية المختلفة لا تستدعى سماتها الثقافية واختلافاتها وإنما تستدعى القانون، وتضعه نصب أعينها، مع التذكير الدائم بالعقاب الذى يترتب على مخالفة القانون، فيصبح العام فى صدارة المشهد، وتصبح مهمة المحافظة على ما هو عام، والحرص عليه مهمة ملقاة على عاتق كل مواطن. هنا تصل إدارة التنوع إلى مداها، حيث تجعل العام أكثر أهمية من الخاص، فيخلق العام نسيجاً واحداً متماسكاً.

ولا تنتهى شفرة إدارة التنوع عند هذا الحد القانونى، الأمر هنا يختلف، فلا يقف عند الصرامة فى مبادئ العدالة، وتطبيق القانون، ولكن يسمح بمخارج «أو آليات» اجتماعية وثقافية تكمل الوجه الآخر للعملة، وتتيح فرصاً للتفاعل الاجتماعى والثقافى الذى يمكن البشر من أن يستمتعوا بالمواطنة وأن يحققوا بينهم أشكالاً من الاتصال تصقل لهم حياتهم الاجتماعية والثقافية، وتزيد من عملية التواصل والتماسك الاجتماعى. ونشير فيما يلى إلى بعض هذه الآليات: ثمة آلية أولى تتمثل فى الاحتفاء الشديد بالوطن الذى يتجسد فى الكثير من المهرجانات، والمبادرات وعلى رأسها تلك المبادرة المهمة المعروفة ببرنامج وطنى. تمكن هذه الآلية كل البشر من أن يدركوا أنهم يعيشون فى وطن، وأن ثقافتهم الأولى التى جاءوا بها أو ورثوها من الماضى ليست هى أداة التعريف للبشر، بل إن المواطنة هى الأساس الأجدر بأن يعرف به الإنسان، وأنه يتعالى على الثقافة المحلية وعلى الأعراق وكل صور الانتماء الضيقة. أما ثانى هذه الآليات فيتمثل فى تلك المساحة من الحرية التى يسمح بها للفئات المختلفة للتعبير عن ثقافتها وهويتها. عبر هذه الآلية نرى التجمعات المختلفة، فى أوقات الإجازات أو الأمسيات، تتواصل وتتبادل الرسائل والأخبار، وممارسة بعض العادات الثقافية؛ تلك العادات التى قد يعاد إنتاجها فى منصات الترفيه فى الأسواق والفنادق، بحيث تعبر هذه المنصات عن تعددية ثقافية ثرية. ومن مساحات الحرية المهمة التى تسهم فى إكمال شفرة إدارة التنوع، تلك المساحة التى تمنح لممارسة الرياضة والفنون المختلفة. فالأفراد من كل الأعراق يمكن أن يمارسوا، على نواصى الشوارع العريضة بعض أشكال الرياضة، فيخرجون طاقاتهم فى صور إيجابية من تجديد الجسد وصيانته. يتحول التنوع عبر العدالة وإنفاذ القانون وفتح مكونات القدرات الرياضية والإبداعية يتحول إلى اتفاق، يتلاقى فى تراكم منتجات الحياة وثرواتها، مع منتجات العقل وثروته، مع منتجات النفوس والأذواق، فيكون المجتمع النابض المتطلع إلى المستقبل، الباعث فى نفوس سكانه الهمة والشدة على بلوغه.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: