رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الجدل حول تطوير التعليم

منذ دشن الدكتور طارق شوقى مشروعه لتطوير التعليم والجدل حوله لا يتوقف بين مؤيد ومعارض وفريق ثالث يؤيد المشروع مبدئياً مع ملاحظات على مضمونه أو آلياته أو سرعة الاندفاع فى تطبيقه، وآخر حلقات هذا الجدل ما أثارته التصريحات المنسوبة للدكتور شوقى فى لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة بمجلس النواب والتى فُهم منها أنه ضد المجانية وهو موقف رغم أنه بات مؤيداً من البعض فإنه مازال محل معارضة الأغلبية لما تعتبره تمهيداً للانتقاص من مكاسبها الاجتماعية فى ظروف حياتية عسيرة، غير أن هذه الحلقة الأخيرة من حلقات الجدل أثارت مسألة بالغة الأهمية لا تتعلق بمضمونه وإنما بمفهوم معروف فى علوم الاتصال وظفه عالم السياسة الشهير كارل دويتش فى التحليل السياسى وهو مفهوم التحريف أو التشويه distortion، وهو يعنى أن الوقائع والأفكار لا تنتقل بالضرورة على حقيقتها فى العملية الاتصالية وإنما يحدث لها تحريف أو تشويه؛ لأسباب متعددة لا محل لذكرها هنا ويترتب عليها أن القرارات التى تُتخذ نتيجة هذه العملية الاتصالية المشوهة لا تمثل استجابة دقيقة للواقع الفعلي، والأمثلة من الواقع السياسى لا تعد ولا تحصى ومن أشهرها فى التاريخ المصرى المعاصر ما نقله وزير الحربية المصرى الأسبق شمس بدران قبيل عدوان يونيو 1967 مباشرة بعد عودته من مهمته فى الاتحاد السوفيتى من أنه سوف يتدخل فى الحرب إن وقع عدوان إسرائيلى علينا، وكان هذا أبعد ما يكون عن الصحة.

كان هذا هو ما حدث فى جولة الجدل الأخير، فبينما أتأهب لكتابة هذا المقال إذا بى أقرأ تصريح الدكتور شوقى بعد أن أثار ما نُسب إليه من أفكار احتجاجاً فى الجلسة العامة لمجلس النواب: أتمنى تحرى الدقة فيما يُنسب إلينا قبل الهجوم والتهكم بلا تحقق مما قيل ولا فهم مقصده الحقيقي، وذكر عبر صفحته الشخصية على فيسبوك: أنا لن أرد على ما لم أقل، ولنحاسب بعض الذين يسيئون إلى الجميع باجتزاء الكلام من سياقه أو عدم فهمه أو نقله بصورة تفتقر إلى الدقة والمهنية، وأيده رئيس مجلس النواب قائلاً إن التصريح تم اجتزاؤه من سياقه بواسطة مجموعة تحاول مقاومة إصلاح التعليم وحسم الأمر بقوله إن التسجيلات موجودة، والحق أن ظاهرة التحريف أو التشويه شائعة فى حياتنا، ولا أنسى أبداً أستاذ الطب الذى قال لطلبته إننا نعلمكم أعراض المرض وفقاً لفهمنا لها وتتعلمونها وفقاً لفهمكم لما نقول ثم تشخصون الأمراض فى حياتكم العملية وفقاً لفهمكم ولحديث المريض عن أعراضها ثم تكتبون ما تتصورون أنه الدواء المناسب ثم يذهب المريض لصرفه فيعطيه الصيدلى دواءً بديلاً وفى النهاية قد يكون هذا الدواء غير ذى علاقة بحقيقة المرض، ومن السهل أن نقول إن الحل يكمن فى تحرى الدقة لكن الأمر ليس بسيطاً، وإحدى سبل الحل العملى للمشكلة أن يكتب المسئولون ما ينوون قوله، وليس من الضرورى أن يقرؤوه نصياً ولكن الاستعانة بالنص المكتوب سوف تقيهم بالتأكيد مغبة زلات اللسان التى نذكر من خبرتنا القريبة أنها أطاحت بوزيرين للعدل، وفى حالتنا أتمنى أن يكون لمجلس النواب متحدث رسمى كما فى حالة رئاسة الجمهورية والوزارات تكون مهمته النقل الأمين لما تم فى لجان المجلس وجلساته العامة.

وفى إطار ما سبق لا مناص من مناقشة الأفكار التى دار حولها الجدل الأخير ليس باعتبارها بالضرورة آراء الوزير وإنما آراء مطروحة فى قضية التطوير وأتخير منها ما يتعلق بمجانية التعليم، وأود أن أركز على أربع أفكار أراها أساسية فى هذا السياق أولها نفى الفكرة الشائعة بأن مجانية التعليم تمثل حقوقاً للأفراد وحدهم ذلك لأنها بالأساس حق للمجتمع وآلية ضرورية لأن يكتشف أفضل ما فى قدرات أبنائه؛ لأن الحرمان من التعليم بسبب الفقر يعنى أن المجتمع قد يحرم من قدرات نخبة من أذكى أبنائه لمجرد عدم قدرتهم على تحمل تكاليف التعليم، والثانية نفى الفكرة الشائعة أيضاً بأن مجانية التعليم سمة للمجتمعات الاشتراكية أو ثمرة لثورة يوليو التى لا يطيقها البعض فالدول الرأسمالية الرشيدة كألمانيا مثلاً تأخذ بها؛ لأنها تدرك جدواها للمجتمع كما أن مجانية التعليم لدينا بدأت فى ظل الحكومة الوفدية وعممها جمال عبد الناصر، والفكرة الثالثة أننا نعلم جميعاً أنه لا توجد مجانية تعليم فعلية فى مصر بتحايلات كثيرة كمجموعات التقوية مثلاً فى التعليم قبل الجامعى والمدارس الخاصة المصرية والدولية ذات المصروفات الفلكية وأقسام اللغات فى الجامعات المصرية وكذلك مرحلة الدراسات العليا التى أصبحت رسومها فوق طاقة الأسرة العادية والجامعات الخاصة المصرية والدولية، أما على الصعيد غير الرسمى فحدث عن الدروس الخصوصية الفردية والجماعية ولا حرج، وصحيح أن المصريين يدفعون فيها عشرات المليارات ولكن هذا يحدث لأن المدرسة أسقطت وظيفتها تماماً ولذلك فالحل هو أن تقوم بهذه الوظيفة وهذه قضية إستراتيجية تتعلق بإمكانات مادية وجهد تدريبى فائق للمدرسين وتعميم نموذج المدرس المتفانى الذى تلقى جيلى بل وجيل أبنائى العلم على يديه، أما الفكرة الرابعة فهى أن كل ما سبق لا يعنى أن المجانية غير قابلة للترشيد، وثمة مقترحات كثيرة فى هذا الصدد منها ما طرحه د. جابر نصار بخصوص ألا يتمتع بالمجانية من اختار التعليم الباهظ التكلفة فى التعليم قبل الجامعى أو أن تُعطى فرصة المجانية لمرة واحدة بحيث لا يتمتع بها الراسبون أو أن تُفرض رسوم إنسانية على الجميع وغير ذلك الكثير، وأخيراً فلا علاقة لثمن تذكرة حضور حفلات عمرو دياب بالموضوع إلا من زاوية تحمل الفئة القادرة على شراء هذه التذاكر مسئولياتها الاجتماعية فى تطوير التعليم وغيره.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: 
كلمات البحث: