رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الوجه الثانى لنهضة التعليم

إذا كان الوجه الذى تمثله السياسات التعليمية الجديدة هو وجه نازل من أعلى متمثلاً فى حزمة من الإجراءات الهادفة نحو تطوير المناهج وأساليب التدريس، وطرق التقويم، وتطوير أداء المدرسين وقدراتهم ومهاراتهم، فإن ثمة وجها آخر هو الوجه الثانى الصاعد من أسفل إلى أعلى. ولقد آثرت أن اسميه بهذا الاسم، لكى لا يفهم هذا الحديث على أنه نفى للسياسات الجادة التى تبذلها الدولة لتحقيق نهضة حقيقية للتعليم، بل يفهم على أنه وجه ثانٍ مكمل يصعد من أسفل إلى أعلى فيلتقى مع السياسات الهابطة من أعلى ليتحقق الهدف الأسمى فى نهضة التعليم. وليس هذا هو المبرر الوحيد للحديث عن هذا الوجه الثانى، فالمبرر الأهم يتعلق بأن هذا الوجه يستهدف تغيير الأحوال من أسفل، أى تغيير السياق الذى سوف تصب فيه هذه السياسات، فقد عرفنا على مدى عقود من رسم السياسات وتطبيقها فى بلادنا أنه مهما كانت الأهداف نبيلة، ومهما كانت السياسات حصيفة، فإن السياقات التى تستقبلها يمكن أن تهدم هذه السياسات هدماً، وتحيلها إلى مجرد سياسات على ورق، بينها وبين الواقع بون كبير. ولذلك فإن إصلاح السياق وإعداده يعتبر أمراً ضرورياً لنجاح أى سياسة، تماماً كما يحدث فى مجال الزراعة، فالبذور لا تنبت إلا فى تربة صالحة، تحتضن البذرة وتستقبل المياه التى ترويها فتخرج إلى الدنيا نباتاً وافر الأوراق والثمار.

يتمثل السياق الذى نتوجه إلى الحديث عنه فى المدرسة كمؤسسة تعليمية، مدرسة تتوافر فيها شروط المؤسسة التربوية المثالية أو الأقرب إلى المثالية. فالمدارس بوضعها الحالى تبتعد كثيراً عن النمط المثالى التربوى، بل إنها تحولت فى كثير من الأحيان إلى بيئة منفرة يتركها التلاميذ ويهربون منها، ويمتنعون عن الذهاب إليها. إنها بيئة طاردة أكثر منها بيئة جاذبة، ويتوقع فى هذه الحالة أن تطرد كل ما يأتيها من تطوير من أعلى، كما تطرد تلاميذها. لاشك أن هناك استثناءات لهذا الوضع، فمازلت على اقتناع بأن فى مصر رجالا قادرين على صنع المستحيل رغم صعوبة الظروف، ومن هؤلاء كثير من المربين الذين ينتشرون فى مدارسنا. وربما نكون بحاجة إلى أن نقلد هذه النماذج المنيرة وأن نحذو حذوهم فى إعادة بناء المدرسة كمؤسسة تربوية يشد إليها الرحال، وتتحول إلى بيئة جاذبة يشعر الأطفال فيها بالفرح والبهجة، ويسعدون بما يتعلمونه من معارف ومهارات.

وعند هذا الحد استطيع أن أوجه الحديث إلى الطريقة التى أفكر فيها فى تحقيق هذا الوجه الثانى لنهضة التعليم. إن الهدف هنا يتحدد فى إعادة هيكلة المدارس فى كل مصر بحيث تحقق درجة اقتراب من النموذج المثالى للمؤسسة التربوية، والذى تتحدد خصائصه فى عناصر أساسية: فصول كافية وذات تأثيث جيد؛ فناء جيد لممارسة الرياضة والنشاط، مكتبة بها كتب تلائم سن التلاميذ، حجرة للموسيقى وثانية للأشغال والفنون وثالثة للتربية الزراعية والمنزلية، ومسرح صغير، وأخيراً مدرسون مدربون ذوو دافعية قوية للتطوع والمشاركة وخدمة الوطن وذوو مظهر لائق ومكانة مقدرة فى المجتمع، وتلاميذ يرتدون نفس الزى فى كل أرجاء مصر. ومن يتأمل هذه العناصر قد يشعر بالإحباط، وقد يسأل السؤال، الصعب: كيف نحول آلاف المدارس إلى الاقتراب من هذا النمط المثالى، وهى مهمة صعبة لا يقدر عليها أحد؟ ولكنى أرد على السؤال فوراً بأنها ليست مهمة صعبة، ونحن نقدر عليها.

ولن أبدأ بالقول بأهمية وضع خطة أو إستراتيجية لذلك، يكفى أننا نعرف خصائص النمط المثالى كما حددته سلفاً. وأن ننتهج نهجاً محلياً ووطنياً صرفاً فى تحقيق هذا الهدف، بل أقول ننتهج نهجاً لا يشتق من الاستراتيجيات أو العروض التقديمية أو المهرجانية، بل يشتق من الثقافة التقليدية المصرية، يشتق من الطريقة التى نبنى بها منازلنا ومساجدنا وكنائسنا، ومن الطريقة التى نزرع بها الحقول، أو التى ندير بها تنظيم رحلات الحج والعمرة أو بناء الأديرة، تشتق من روح التعاون وحب الوطن الكامنة داخل كل فرد فينا. دعونا نكمل الحديث: كيف؟ ...

سوف نفترض وجود تمويل لهذا الغرض (طرحت من قبل أفكاراً حول واجب التعليم الذى يجب أن تسهم به الطبقة الوسطى المتعلمة فى تمويل التعليم تساند به الدولة). وسوف نخصص لكل مدرسة مبلغاً معيناً من المال، ونتوجه مباشرة إلى إحدى المدارس فى كل محافظة، ونشكل فى كل مدرسة مجلس أمناء يرأسه شخص متطوع متفرغ، ونعطى لهذا المجلس إعادة تأهيل المدرسة فى غضون أشهر، بحيث يدرس وضع المدرسة ويضع خطة عاجلة لاستكمال النقص. ويشارك مدير المدرسة ومدرسوها فى هذه العملية، بهمة ونشاط وحب، ويتم إعداد المدرسين، وتقديمهم إلى المدرسة فى مظهر جديد وروح جديدة. وبعد الانتهاء، يتم وضع بقية المبلغ فى وديعة بالبنك تظل تحت تصرف مجلس الأمناء للإنفاق منها على الصيانة وعلى التحفيز التنافسى للطلاب، على أن يضاف لها أى مبالغ قليلة تحصل من التلاميذ تحت بند النشاط أو أى بند آخر. وبعد الانتهاء من إعداد المدرسة فى كل محافظة، يتم افتتاح هذه الدفعة من المدارس فى يوم واحد، ويسمح للإعلام بالزيارة والتصوير، ويفتح المجال فى مصر على مصراعيه لتقليد هذه المدارس بشراكة فعالة (تلقائية ووطنية) من قبل المحافظين والأجهزة المحلية وأعضاء مجلس النواب والمجتمع المدنى (على المستوى المحلي) وبرقابة وإدارة من وزارة التربية والتعليم (على المستوى المركزي). إننا بهذا الطريق الواقعى المباشر نحقق هدفين مهمين فى بنية التعليم الحديث، وهما المشاركة المجتمعية واللامركزية، دون أن نطنطن بهذه المفاهيم فى عالم أجوف، كما نحقق المبدأ التنموى الذى تعبر عنه عبارة أستاذنا حامد عمار بالقول إن: الطريق يمهد بالسير فيه، كما نحقق مبدأ الوطنية والاعتزاز بالنفس والذى تعبر عنه عبارة أستاذنا حسن حنفى :هم رجال ونحن رجال، فما صنعه الآخرون فى اليابان أو أمريكا أو أى مكان فى العالم نحن قادرون عليه، فقط الإرادة والهمة فى النفس، والشدة فى العمل والانجاز.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: