رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من بوسطن إلى نيويورك وبالعكس!

غادرت بوسطن صباح يوم الثلاثاء الموافق 23 أكتوبر المنصرم فى طريقى إلى نيويورك لزيارة صديق وأسرته كما اعتدنا أنا وزوجتى كل عام. كان الطقس رائعا كما جاء فى تنبؤات حالة المناخ، عندما يكون الحال كذلك فإن المتعة تكون مزدوجة، فالوقت خريف وحينما يكون الزمن هكذا فإن الطبيعة تكون فى أبهى حللها حيث تتغير أوراق الشجر عبر كل ألوان الطيف وحسب وقوع كل منها فى مسار الضوء، وضوء الشمس على سبيل التحديد. الطريق يمشى هكذا كما لو كان واحدا من تصورات الجنة، يتحول إلى لوحات تشكلها الخضرة والألوان والأشجار وانحناءات الطريق وارتفاع وانخفاض التلال، ومن وقت إلى آخر يبرز جسر أنيق لآثار تاريخ مضى يربط بين مدن أو يبرز بحيرة زرقتها من زرقة السماء فوقها.

كان الوقت المقدر للرحلة أربع ساعات وفى نهايتها بالتمام والكمال كنت قد وصلت إلى نيويورك: التفاحة كما يدعونها التى صارت لسبب ما عنوانا للذنب الذى أخرج آدم من الجنة، ولكنه عندما جاء إلى الأرض صارت مسارا للإثارة والمال والمتعة.

التفاحة صارت فيما بعد العلامة التجارية لشركة آبل التى صارت أولى الشركات التى قيمتها تريليون دولار، ومنتجاتها لم يكن فيها معصية من أى نوع وإنما فتحت للبشر دنيا ربما لم تتكرر منذ جاء أبو الأنبياء إلى كوكب الأرض!.

وجدت صديقى العزيز فى الانتظار كما اعتدنا، وكما اعتدنا أيضا كان سؤاله الأول سياسيا هو: تُرى أين توجد الجثة؟ كان موضوع مقتل جمال خاشقجى لا يزال متوهجا، والأسئلة عن مصيره كانت أكبر بكثير من الإجابات.

كان التليفزيون لا يزال يعالج الموضوع، وينشر التقارير، ولكن وسط الأخبار الكثيرة لفت نظرى خبر باق من اليوم السابق ـ الاثنين ـ عن وصول طرد حمل مفرقعات إلى الملياردير جورج سورس. بدا الأمر ساعتها مستغربا، ولكنه لم يستغرق تفكيرا طويلا، فهناك قائمة طويلة من أعداء الرجل على اليمين واليسار؛ وعلى أى الأحوال فإن التحقيق سوف يأخذ مساره المعروف، وظل البحث عن الجثة جاريا رغم أن خطاب أردوغان فى تركيا لم يأت بجديد.

فى اليوم التالي، الأربعاء، انقلبت أمريكا كلها رأسا على عقب، لم تختف الجثة وحدها وإنما ذهبت قصة الصحفى كلها وحلت محلها شبكة جديدة من الأخبار حول موضوع المفرقعات التى جاءت فى طرود إلى مجموعة مؤثرة بشدة فى الرأى العام الأمريكي: فقد وصلت إلى الرئيس باراك أوباما ومعه بالطبع زوجته ميشيل أوباما، كما وصلت إلى الرئيس بيل كلينتون ومعه ـ أيضا بالطبع ـ زوجته هيلارى كلينتون، والنائب العام السابق إريك هولدر، ونائبة مجلس النواب عن دائرة فى كاليفورنيا ماكسين ووترز.

وذهب طرد آخر من المفرقعات إلى الرئيس السابق للمخابرات المركزية الأمريكية جون برينان ولكن عنوان الرسالة كان على مكاتب شبكة سي.إن.إن الإخبارية فى نيويورك (على مسيرة عشر دقائق من حيث أقيم). مع صباح الخميس كان قد أضيف إلى القائمة نائب الرئيس أوباما جو بايدن فى ولاية ميريلاند، والممثل الأمريكى المقيم فى نيويورك روبرت دى نيرو.

نيويورك من تلك النوعية من المدن التى إما أن تحبها وإما أن تكرهها، فهى من الإثارة بحيث تشعرك دائما باللهفة، ولكنها من الوحشية والابتزاز العاطفى الذى يجعلك تتمنى أن تتركها على الفور.

بالنسبة لى فالأرجح أننى كنت دوما من النوع الذى لا يتمنى أبدا العيش فى المدينة الأشهر فى الولايات المتحدة، ولكن بضعة أيام تكفى دوما للحديث فى السياسة مع الصديق، وربما مشاهدة واحدة من الأوبرات التى يعشقها ويعرف كيف يفك لى ألغازها.

هذه المرة كنت أود مشاهدة مسرحية هاملتون الذى كان واحدا من الشخصيات المثيرة للغاية فى الثورة الأمريكية، فحارب مع جورج واشنطن وبعد ذلك ألف الكسندر هاملتون الأوراق الفيدرالية مع جيمس ماديسون التى وضعت الأساس للدستور الأمريكي، وكانت السبب فى إنشاء البنك المركزي، وإقامة الدولة الفيدرالية.

على أى الأحوال فإن الرجل مات فى مبارزة قاتلة بسبب امرأة، وبقيت صورته على فئة العشرة دولارات اعترافا بفضله على الولايات المتحدة الأمريكية.

الأحداث التى كانت تجرى بسرعة جعلت ذلك صعبا للغاية؛ وفى كل الأحوال فإن المسرحية المعروضة منذ أكثر من عامين كانت مقاعدها محجوزة بكامل العدد خلال إقامتي، ولم يبق متاحا سوى التجول فى شوارع المدينة التى بدا أن المصائب أحاطت بها حيث كان لها نصيب الأسد من الطرود المفرقعة.

المغامرة كانت مثيرة فى أوجه متعددة جوهرها كيف تتعامل مدينة كبيرة عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، وقائمة على عدد من الجزر المترابطة بجسور تاريخية، وأهمها مانهاتن يوجد فيها أكبر تجمع لناطحات السحاب فى الدنيا كلها، وهى المكان الذى جرت فيه كبرى العمليات الإرهابية فى التاريخ فى الحادى عشر من سبتمبر 2001، ومن ساعتها فإن جهاز الشرطة فيها يعد الأكبر بين مدن العالم، وربما كان الأكثر خبرة فى مقاومة الإرهاب.

مشيت فى شوارع المدينة الكبيرة حتى وصلت إلى قلبها ما بين ميادين كولمبس والجراند بارك وميدان حديقة ماديسون حيث يوجد المركز المغناطيسى للمدينة كلها بأضوائها التى ليس لها مثيل. كانت الشرطة موجودة فى كل مكان تقريبا، ولكن شارعا واحدا لم يغلق، لم ترتبك حركة المرور، ورغم الازدحام الشديد كانت كل الأمور منضبطة.

ألقت الشرطة بيانا مهما على الإعلام أكدت فيه أولا أن المدينة آمنة، وأهلها وزوارها آمنون؛ وثانيا أن التحقيقات جارية، والفحوص للأدلة من طرود المفرقعات تسير فى مسارها لدى معامل مكتب التحقيقات الفيدرالية, وثالثا أنه على المواطنين الإبلاغ عن أى أمر مهما بدا بسيطا للشرطة, ورابعا أن عليهم تقديم كل معاونة ممكنة للشرطة لكى تؤدى مهمتها، وللصحافة حتى تقوم بوظيفتها.

سارت الرحلة كما كانت تسير كل مرة، ولم يكن الوجود الكثيف للشرطة الودودة أكثر من إضافة استدعتها الأحداث الجارية. وبعدها آن الأوان للعودة إلى بوسطن مرة أخرى!.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: 
كلمات البحث: