رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شـمــس الشمــوس

الهادر الثائر الساحر الجامح الصاخب الراجح الغاضب الرائق.. العبقرى.. الأسطورة.. الشلال الذى تفجّرَ على أرض مصر ليغمر الوادى والحادى والبادى بفيض النغم.. ابن مدينة الثغر التى أفتر ثغرها فى عام 1892 عن ميلاد أجمل ابتسامة كما شمس الشموس أضاءت بفنها الأكواخ والقصور.. ابن كوم الدكة الذى كان بمثابة مؤسسة فنية سياسية ثورية إعلامية وطنية أقوى فى تأثيرها من المدافع والقنابل وجحافل الجيوش.. سيد درويش الفتى الاسكندرانى قائد مسيرة التطور الذى سبق بخطواته الزمن وألقى بنا على أرض الدهشة، وسافر

بنا إلى مدن الغرابة، فلم تعد الألحان عنده انتظارا للمنتظر كما كانت على أيدى نجارى الموسيقى وببغاواتها، بل أصبحت ألحانه شوقًا لما لا يأتى، وانتظارًا لما لا ينتظر، وبفعل هذا الموسيقار ألقت الموسيقى العربية عن ظهرها بالتركة العثمانية الثقيلة لتستقبل وعيها الوجودى، وتدرك قيمة الكلمة والنغمة فى التعبير عن واقعنا الاجتماعى والسياسى والوطنى، وإذا الشعب يجد لأول مرة صوتا يترجم أفراحه وأحزانه، والمصوّر الذى يُجيد بالحركة والكلمة والإيقاع التعبير عن طوائفه وطبقاته.


سيد درويش (1892 ــ 1923) قال إيمان الحفيد إنه مات مسمومًا بيد الإنجليز ولم توافق الحكومة وقتها على التحقيق والتشريح

 

 

لقد تجلت قدرة المولى فى خلقه كيانًا موسيقيًا محضًا، ووضع فى قلبه كل أسرار النغم ليُجيد الإنصات لنجوى الطبيعة من حوله فى تلك المدينة الساحلية الساحرة.. ينصت إلى عربدة البحر فى صخبه النشوان ليل نهار، وجرجرة الأمواج الأبدية عندما تطرح ذؤاباتها فوق الرمال لتستردها فى جزْرها عائدة بها إلى الأغوار لتدفع من أعالى البحار بجديد من جبال هادرة سرعان ما يأتيها الخذلان لتركع بوشيش على أقدام الشاطئ.. ينصت إلى عزف الرياح وزمجرة الرعود وصخب البرق وضجيج النوّات ودفقات المطر فوق أسطح الصفيح والقرميد والماء.. يرهف الأذن لغناء البحارة والصيادين يستحثون الرزق على المجىء بوفرة تليق باحتياجات العيال.. يتوحد مع شجن الفواعلية فوق السقالات الذى يستعين بالغناء على دفع التعب وتخفيف المشقة هيلا هوب هيلة.. ينتشى لوقع دقات أقدام بنات بحرى بالخُلخال العجب على بلاطات الكورنيش والأنفوشى وزنقة الستات.. ينصت لصوت قلبه المكلوم بلوم العزول ليُغنى معه أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول.. كما أجاد الإنصات إلى صوت الجوع والحرمان والألم وكأن لعرق الجباه وقعًا فوق أخشاب رئات الصدور العارية يفوق هدير الآلات والمجنزرات.. وتسكن أذنيه منذ ولادته حتى رحيله أصوات الاسكندرية الكوزموبوليتينية حيث البيئة العالمية المتفردة التى كان يعيش فيها اليونان والطليان والأسبان والألمان والانجليز والفرنسيين والأتراك والأعراب، الذين لهم حق المواطنة الكاملة بنشاطهم التجارى والسياسى والفنى.. وكانت كلا من الأغنيات المصرية والأجنبية قد تأثرت كل منها بالأخرى لينعكس ذلك التفاعل على فن الفتى السكندرى العاشق للغناء، والذى سافر للشام مرتين وأقام ردحًا من الزمان فى حلب الشهباء، ومن الشام سافر إلى الأستانة فاستمع إلى الغناء التركى من منابعه الأصيلة لتمور كل تلك الحصيلة من الأنغام بداخله فتخرج بمزاج مصرى صِرف لا نظير له يغزو به القلوب.. وليست الأذن وحدها كانت معبرًا لعبقرية سيد درويش فقد حباه اللـه ذوقًا وتذوقًا يفوق الخيال، وصفه يومًا «الشيخ عبدالعزيز البشرى» أول من اكتشف هذا الفنان، حيث قدمه إليه أحد أصدقائه الموسرين: «إن فن هذا الرجل، فوق ما له من القدرة القادرة على الاقتباس والابتكار يمتاز بصفات أربع: أولها القوة فلاحَّظ فى ألحانه للانخذال، وثانيها البراعة فى التصرف، فهو ينتقل بسامعه من فن إلى فن، ويتحول من نغم إلى نغم، فى اتساق وانسجام كأنه يتنزه فى روضة نسقت أغصانها يد بستانى صنّاع، وثالثها شيوع الطرب فى ألحانه فمهما استحدث جديدًا يوجب من الإطراب الإعجاب، أما رابعها فهو الذوق البارع النافذ الداعم للمعنى، فإذا ما قوى لحنه سمعت منه مثل زئير الآساد، وإذا جنح الكلام إلى اللين كان لحنه أرق من الطيف وألطف من نسمة الصيف، وما كان القول فى بر الحبيب بوعده طبع الكلام بمرح الأنغام حتى ليكاد الغناء يتمثل لك عصفورًا يثب فى الروض بين أغصانه، وما كان الحديث فى التوسل إلا أتى بما يكاد يفطر الماء من الحجر الجلمود، ولا كان فى وصف القطيعة وما فعلت بتباريح الهوى إلا أشاع الأسى وأذكى الشجون فتناثرت الدموع من الجفون.. لقد اتسعت الموسيقى المصرية وأثْرت، وأصابت موقعًا محمودًا من موسيقات الأمم الأخرى شرقية وغربية، ولقد تم هذا الانقلاب الخطير، وإن شئنا قلنا تمت هذه الثورة الكبيرة دون أن تراق قطرة دم واحدة.. تم ذلك كله بفضل ذلك الموسيقار العظيم».

كان مولد الشيخ سيد درويش فى السابع عشر من مارس 1892 العام الذى ولد فيه أيضا عمود آخر من أعمدة الموسيقى العربية «محمد القصبجى»، وزعيم المسرح الفكاهى «نجيب الريحانى» الذى تخصص لسنوات بتقديم مسرحيات سيد درويش الغنائية وأولها «ولو» وفيها 12 لحنًا منها لحن «السقايين» الذى كتب شهرة بديع خيرى، ومسرحية «وقولواله» ــ التى رد عليهاعلى الكسار بمسرحيته قلناله ــ وفيها 10 ألحان منها «القلل القناوى»، ومسرحية «إش» وفيها 12 لحنا، وتتناول ثورة 1919، ومسرحية «رِن» وفيها 13 لحنًا منها لَحْنان للحشاشين وأغنيات وطنية، ومسرحية «العشرة الطيبة» وفيها 16 لحنًا أشهرها «على قد الليل ما يطول» و«علشان ما نعلا ونعلا ونعلا لازم نطاطى نطاطى نطاطى»، وأغنية الأفراح «اتمخطرى يا عروسة واتهنى»، والمسرحية اقتباس محمد تيمور من الفرنسية «اللحية الزرقاء» وقام بوضع أغنياتها بديع خيرى، وفيها تهكم بحكم الأتراك والمماليك مما أغضب الطبقة الحاكمة فى مصر على سيد درويش وجعلتها تناهض فنه حتى بعد مماته، ومسرحية «فشر» وفيها 10 ألحان أشهرها «أبوالكشاكش» التى غناها الريحانى وسجلها على أسطوانة، ومنها الأغنية «يامدام نفوسة أنا نفسى فى بوسة إن شاللـه أبيع الفدانين والكام جاموسة.. اللى يشوفك يابيه يحطك جوه عنيه مش عارفة أنا دايخة ليه فيك ولاّ فى الجنيه.. جنيه اتنين جنيه يا أجلاسيه يا مدام نفوسة»، وكان الريحانى يتمتع بالأريحية والخلق الكريم فأباح للشيخ سيد أن يُلحن لمنافسيه فى الفرق المسرحية الأخرى، حتى أخذ يتقاضى منها أجورًا تساوى أجره لدى الريحانى، حيث كانت الفرق المسرحية الأربع جميعها تعرض مسرحيات غنائية وضع ألحانها الشيخ الشاب، وكان الريحانى يعطيه فى أول الأمر أربعين جنيهًا لقاء تأليف مقطوعات استعراضية بين الفصول، فلما نجحت أولى المسرحيات «ولو» بلغ مرتبه مائة وخمسين جنيها فى الشهر.. وجاء فى الكلمة التى قالها الريحانى فى ذكرى وفاة سيد درويش الثامنة ـ حيث تم التعتيم على ذكراه حتى عام 1958 لتصدر مصلحة البريد طابعا يحمل صورته وقام له تمثال نصفى فى المعهد العالى للموسيقى ويطلق اسمه على شارع سوق كوم الدكة محل ميلاده فى بيت أزالته البلدية ــ ما يزيح الستار عما وراء الستار فى علاقتهما.. «كان روح هايمة على وش الأرض، روح غير مستقرة، روح بتستعجل أيامها للرحيل من الحياة. كأن الحياة حلم ثقيل وعايزة تتخلص منه. كأنه ضيف على الدنيا غريب ومشتاق يروح لموطن تانى. كان الموت ميغبشى عن باله. كان يفتكره حتى فى المرح والسرور وفى أزهى سهراته. أهدانى مرة صورته وكتب تحتها (إهداء من ميت إلى أموات).. ذكرياتى معه طويلة. فيها الإخلاص والتقدير والمشاحنات والغضب والرضا والضِحك والعياط برضه. أذكر كنا على خلاف كبير وصل إلى حد الخصام وأراد صديق لنا اسمه محمد جاهين يصلحنا مع بعض، وجمعنا فى بيته، وزعيق وشخط وتطورت الخناقة إلى مشادة عنيفة إلا ومسكنا فى خناق بعض وفجأة بصوت عصفور كناريا كان بالحُجرة يغرد ويزقزق فإذا بالشيخ سيد يزقزق ويّاه، قام منطور يجرى افتكرته قام يدور على حاجة يحدفنى بيها، وما نشعر إلا وإيده على زر النور وراح طافى اللمبة الكهرباء وجاب العود وهات يا غُنى وفاتت نصفة ساعة واحنا بنسمع وكأننا انتقلنا إلى عالم تانى خالص، وبرضه على غفلة لما ولعنا النور بصيت فى وشه لقيته كله دموع. أقول لكم الحق نزلت دموعى أنا كمان معرفشى ليه وطبطبت عليه وبُسته تانى تالت ورابع مع إن الحق كان عليه. والمقصود خرجنا ليلتها حبايب لكن مسافة نصف ساعة وشبكنا فى خناقة جديدة، أعمل إيه؟! رحت منادى على العربجى اطلع يا سيدنا.. على فين؟ على شارع عبدالعزيز على بتوع العصافير أشترى لى قاضى يصلح ما بينى وبينك.. اللـه يرحمك يا سيد.. كنت إنسان غير كل الناس.. عرفت الشيخ سيد وقدّرته قبل ما أتعرف عليه. سمعت له لحن «أنا رئيس روح البستان» وشفت فيه لون غير كل الألوان اللى بنسمعها، وحسيت كأن واحد نقلنا من عالم نايم همدان إلى محيط تانى كله صحة ونشاط.. بعت له.. جاء.. سلام عليكم وعليكم السلام. أنا سيد درويش.. انت!!! مش ممكن. مش ممكن إزاى.. بقى اللى بيعمل اللحن الرقيق اللى سمعته يكون بالجسم العريض ده كله.. وماله هو الملحن بتخدوه بالميزان؟!.. وقمت ومسكت فيه وقعدته وحالا اتكلمنا فى اتفاق وخلصناه وابتدأ يلحن لى أول رواية استعراضية اسمها «ولو» والرواية طلعت فى المسرح من هنا، وفلوس الناس طلعت من جيوبها من هنا، والشوارع مطرح ما تمشى ماتسمعشى إلا الحلوة قامت تعجن، ويهوّن اللـه ع السقايين.. والمدهش أنا بصوتى ده اللى انتم سامعينه كان الشيخ سيد عامل لى ألحان تطرب وتنعاد وتكسر ايدين المتفرجين من كتر التسقيف وتجيب أم كلثوم وعبدالوهاب الأرض... نظرتى للشيخ سيد.. روحه الشفافة الرقيقة قضت على جسمه الجامد. بقيت أقلق عليه وأطمئن كأن اللى قدامى فعلا طفل برئ طيب القلب. سليم النية. يفرح بكلمة ويزعل من كلمة. يحب الضُهر ويكره بالليل ويرجع يحب الصبح من تانى، وكل ده إحساس صادر عن روح محبوسة عايزة تنطلق من قيود الجسد بتئن وتصرخ بلغتها الخاصة البعيدة عن لغة بقية الأرواح.. لغة الموسيقى»..

وإذا ما كانت زقزقة العصافير تمسح غضبة سيد درويش فذلك التسامح كان فى حيز العلاقات بين الأصدقاء فقط، وليس فى التعدى على أى من ألحانه، وحدث مرة أن قصد أحد المسارح الغنائية فسمع ضمن استعراضاتها لحنًا من ألحانه قد أخذ بأكمله مع تغيير الكلمات وجعلها على وزن المقطوعة الأصلية لتساير اللحن، أما الأصل فكان لحن «القلل القناوى» وأما المستعار فخاض باستعراض حياة غانية فى أحد الكباريهات، وما كاد الفنان يستمع إلى لحنه المغتصب حتى قصد إلى الملحن الذى لم تشفع له زمالة وأهوى عليه بالضرب فى غير شفقة ولا هوادة دونما انتظار لإنصاف القانون أو التقدم بعريضة شكوى!!

كان سيد درويش ــ يتيم الأب فى السابعة لتكفله الأم ملوك مع شقيقاته الثلاث فريدة وستوتة وزينة، كما فى حياة غالبية أمهات العباقرة الأفذاذ ــ كريمًا جوادًا إلى درجة مسرفة يبذل نفسه وماله فى سبيل القريب والغريب والصديق والزميل. لم يكن يكترث بالمال حتى لا تجد معه فى أغلب الأحيان إلا النزر اليسير على الرغم من وفرة ما كان يتقاضاه بما تجاوز الثلاثمائة جنيه فى الشهر.. بعد وفاته فى 15 سبتمبر 1923 لم يخلف وراءه شيئا سوى عصاه وعوده، وكان شديد الاعتزاز بهما فى حياته، وعددا قليلا من الكتب، وخاتما متواضعا، وجهاز فونوغراف من النوع القديم الذى كان يجرى فيه التسجيل على اسطوانات من الشمع، وكان يستعين به أحيانا عند التلحين حتى يتسنى له فرصة التدوين، وكان فى غالبية الأوقات يحرص على أن يلازمه كظله كل من صديقيه محمد على شلبى، وبلدياته المطرب محمد مرسى، حتى إذا بدأ فى وضع لحن أرهفا أذانهما لاستيعابه وحفظه، وفى الصباح التالى يعيدان اللحن على سمعه، وظل سيد درويش على هذه الحال حتى أهداه مسيو مشيان صاحب محل الاسطوانات جهاز الفونوغراف.... وبعد مائة عام على مولده ذهبت مجلة «آخر ساعة» تبحث عن آثاره فلم تجد سوى جدران متهالكة بكوم الدِكة بالاسكندرية، ومنزل متواضع فى جزيرة بدران بشبرا، وعود قديم فى إحدى الحجرات ينعى صاحبه الذى أهدى للتراث الموسيقى المصرى فى ست سنوات 20 مسرحية غنائية و50 أغنية، و66 طقطوقة و17 موشحًا، والنشيد الوطنى بلادى بلادى!!.. هذا الفنان لم يكن يسعده إلا أن يرى ألحانه وأغانيه ترددها الجماهير، ومثل تلك السعادة بالازدهار والانتشار لمسها يومًا بنفسه عندما كان لا يملك فى جيبه قروشًا معدودة كما روى حسن القصبجى أحد أعضاء فرقته: «هبطنا شارع عماد الدين ذات ليلة فى رفقة سيد درويش وقصدنا مسرح الريحانى، فإذا بهم يعزفون إحدى أوبريتاته المعروفة، وخرجنا إلى مسرح على الكسار المجاور فإذا بهم يعرضون أوبريت أخرى للشيخ سيد، وعلى مقربة كان (كازينو دى بارى) يعرض العشرة الطيبة، وخطر للشيخ سيد أن نعرف ماذا يعرض أولاد عكاشة، وفرقة منيرة المهدية، فإذا على مسرح الأزبكية أوبريت (هدى) وفى فرقة منيرة (كلها يومين)، وهما من تلحين الشيخ سيد أيضاً، وأمام مسرح منيرة كانت نعيمة المصرىة فى صالة (الهمبرا) تغنى دور ضيعت مستقبل حياتى للشيخ سيد... وضحك سيد درويش فى رضا ثم اقترح أن نذهب إلى روض الفرج، وكان يزور المقاهى هناك كعادته فى أشهر الصيف وكل منها تضم التخت والمطرب والغناء والرقص، وتشاء مفارقات القدر أن نجد جميع مطربى هذه المقاهى يغنون أدوارًا أو طقاطيق للشيخ سيد.. وجلجلت ضحكته الشهيرة وهو يخرج من جيبه ثلاثة قروش هى كل ما كان معه!).. وأمام فيض شلال الألحان تساءل الجميع كيف سنح للشيخ سيد الوقت لهذا الكم المتميز، وحتى العاملون معه ساورهم أيضا الشك فى أن يضع هذا الفيض فى هذا الزمن القصير، فقام المسيو (كاسيو) قائد الفرقة الموسيقية باستبدال علامة موسيقية فى إحدى أغنيات مسرحية (الطاحونة الحمراء) التى قدمها سيد درويش على مسرح البوسفور، وتضم ثلاثة ألحان اشتهرت جميعها وهى «دنجى دنجى، ويا كيكى كيكو، ويا أمى ليه تبكى علىّ»، ليختبر يقظة الشيخ فى خضم ما وضعه من ألحان كثيرة فى أيام قلائل، وفاجأه الشيخ سيد ومن معه من الموسيقيين حين استوقفهم وأمرهم أن يعيدوا اللحن كما كان، فما كان من كاسيو إلا أن ضرب رأس سيد درويش بقوس الكمان قائلا له: (نريد أن نعرف ما فى هذا الدماغ)؟!

وفى استغراقى الشغوف بتراث الشيخ سيد درويش وفى الخلفية (أهو ده اللى صار وآدى اللى كان ملكش حق تلوم علىّ) وجدت أداة النداء والتنبيه (يا) غالبة مع بدايات أدواره وقصائده وموشحاته وطقاطيقه وأناشيده المسرحية ومنها: (يا مصر يحميكى ربى.. يا شادى الألحان.. يا هاجرى هل إلى الوصال منك سبيل.. يا من يروم لقائى.. يا بهجة الروح.. يا حمام الأيك أطرب.. يا صاحب السحر الحلال.. يا غُصين البان.. يا مليكا تاه عجبا.. يا ذات الجمال.. يا زهرة الفتنة الزكية.. يا عزيز عينى وأنا بدى أروح بلدى.. يا عشاق النبى صلوا على جماله.. ياللى قوامك يعجبنى.. يا بلح زغلول. ياللى تحب الورد الورد هجرته ليه.. يا لذيذ يا أخضر.. ياختى عليها وعلى بطتها.. يا سلام ماكنتش أفهم.. يا فؤادى ليه بتعشق.. يا خراب بيت أمك يا عطية.. يا حليلة يا حليلة على أكل البليلة.. يا مدام كيلوباتره.. يا لون الفل يا حبيبى.. ياليل سمير كل العشاق.. ياما انت واحشنى.. ياما بكرة نشوف ونسمع.. ياماشاء اللـه ع التحفجية.. يا مْحَنْدقة يا ست الستات.. يا مرحبا بك يا مرحبا بك.. يا مصر يحميكى ربك.. يا منعنشة يا بتاعة اللوز.. يا ميت بونجور على عيونك.. يا ناس بلادى مانسهاش.. يا نسر طير وافرد الجناحين.. يا نواعم يا تفاح.. يا نيل يا أنس الفؤاد.. يا هل ترى إيه الخبر.. يا أها يا أها قال إيه بتغير من بنتها.. يا أهل الشفقة جعانين.. يا اخواننا بردانين.. يا اسكندرية يا أوروبية.. يا بابا ليه ماتدلعنيش.. يابو الشريط الأحمر.. يابو الكشاكش كان جرالك إيه يا هل ترى.. يا مين يا صبايا ينده لى.. يا مصر يا أم العجايب.. يابوى يا ولد عمى.. يا حلالك يا بلالك.. يا حلاوة أم اسماعيل.. يا حلولو القط ياختى بيقول نونو.. ياحلوة قومى صح النوم.. يا ورد على فُل وياسمين».. ياااه.. يا شيخ سيد!!

و..فى البدء كانت الكلمة، والفنون كلها كلمات: فالموسيقى كلمة على فم الوتر، والرسم كلمة على فم اللون، والنحت كلمة على فم الحجر، والشِعر كلمة على فم اللغة، والكلمة عند سيد درويش لم تقف وحدها بل كانت هى والنغم بمثابة الرائحة واللون فى زهرة واحدة لا يمكن فصلهما، فكل منهما يكمّل الأخرى ويزيدها وقعًا فى النفس، وتأثيرًا فى السمع، ولقد كان من حظ سيد درويش أن يجتمع له من فرسان الكلمة والإخراج والتمثيل أعظم نخبة شهد بها تاريخ الفن فى أوائل القرن العشرين ومنهم محمد تيمور، وبيرم التونسى، وبديع خيرى، ونجيب الريحانى، وعزيز عيد، وعمر وصفى، وبشارة واكيم، وعبدالعزيز خليل، وأمين صدقى، ومحمد يونس القاضى وغيرهم.. وكان الفرسان الثلاثة ــ بديع وأمين وبيرم ــ هم الطليعة فى تغذية ألحان سيد درويش المسرحية بالزجل الرائع والحوار الشيق والاستعراض المبهر لمختلف الصور الشعبية فى فترة لم تزد على ست سنوات، وتعود معرفة الشيخ سيد ببديع خيرى بعدما قام بتلحين مقطوعة وطنية له نشرت فى جريدة «السيف» ولم يكن قد لاقاه من قبل وعنوانها: «مصر والسودان» وفيها باللـهجة السودانية البيت الشهير (سرجو الصندوق يا مهمد لكن مفتاحه مآية)، ومن بعد اللقاء يمضى بديع فى كتابة مقطوعاته الزجلية للطوائف المختلفة بألحان سيد درويش مثلما كان فى مسرحية «ولو» لفرقة الريحانى والتى جاء فيها «لحن الصنايعية»:

الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية

والديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية

ياللا بنا على باب اللـه يا صنايعية

يجعل صباحك صباح الخير ياسطى عطية

وفى «لحن الموظفين» يكتب رامى:

هز الهلال يا سيد.. كراماتك لأجل نعيّد

ويكتب أمين صدقى فى مسرحية (الانتخابات) لاستعراض (بنات اليوم) رسالة للفتاة المصرية سبقت زمانها بأكثر من نصف قرن جاء فى سطورها:

دا وقتك دا يومك يا بنت اليوم

قومى اصحى من نومك بزياداك نوم

وطالبى بحقوقك واخلصى من اللوم

شطارة شاطرين قدارة قادرين

مين فى دردحتنا وخفتنا مين

معانا شهادات ودبلومات

ونعرف بولتيكة بالسبع لغات

ليه مانكونشى يا بيه زى الراجل ليه

قول لنا هوّ زايد عننا إيه؟!

ليه جوزى يتعب تمللى ليه يشقى وأنا قاعدة محلى

ويكتب بيرم التوسنى فى مسرحية (شهرزاد) ألحان سيد درويش 15 نشيدًا على رأسهم «أنا المصرى كريم العنصرين» و«أحسن جيوش فى الأمم جيوشنا» و«اليوم يومك ياجنود».

وفى مسيرة سيد درويش توقفت أمام إعلان جاء فى الصحف عام 1927 يقول: «ترامى إلى أسماعنا ثناء مستطاب على شيخ سكندرى معمم اسمه سيد درويش أوتى مقدرة نادرة فى تلحين الأدوار والتواشيح وأشرف على الإخراج والموسيقى فى مسرح الرينساس الذى كان يقع مكان عمارة شملا وذكر أحد الصحفيين أنه شاهد إحدى الروايات التى وضع ألحانها سيد درويش وهى (فيروز شاه) فنالت نجاحا منقطع النظير».... وفى مسيرة الموسيقار والكلمة كان هناك «عقد أغانى الشعب» الذى يقول: إنه فى يوم تاريخه الواقع فى أول أغسطس 1923 بالاسكندرية قد حصل الرضا والاتفاق بين كل من الشيخ سيد درويش الملحن من رعايا الحكومة المحلية ومقيم بمدينة القاهرة كطرف أول، وإميل عريان المهندس مخترع البيانو الشرقى من رعايا الحكومة المحلية، ومقيم بالاسكندرية كطرف ثان على تأسيس شركة بينهما الغرض منها تدوين الأغانى المتداولة على الألسن بالنوتة تحت اسم (أغانى الشعب)، وكانت فاتحة الشروط الثمانية تقول: يتعهد الطرف الأول أن يقدم فى ظرف مدة لا تتجاوز الأسبوع من يوم التوقيع ست قطع موسيقية من الأغانى المذكورة بمفتاحى صول وفا بصفة احتياطى تحت يد الطرف الثانى، وأن يقدم فى أول كل شهر يلى ذلك عدد 2 قطع أخرى.. وما يلفت النظر فى التعاقد توقيع الموسيقار مرتين باسم «الشيخ سيد درويش» فهو المحافظ على لقب «الشيخ» محافظته على عروبة موسيقاه.. و.. فى 9 سبتمبر 1921 قامت «مجلة النيل» فى عددها الـ35 من السنة الأولى بنشر العنوان التالى (حضرة الأستاذ الشيخ سيد درويش جاء فيه «لقد أراد اللـه لفن الموسيقى الرفعة الحقيقية والرقى الذى تنشده الأمة من عصور مضت فوفق الأستاذ الشيخ سيد درويش إلى تأليف كتاب موسيقى أهداه إلى جريدتنا النيل لتنشره تباعًا، وقد بدأنا فى هذا العدد بنشر القطعة الأولى فى تعريف الموسيقى، وسنتبعها بنشر قطعة فى كل عدد مع نشر أغنية من تلحين الأستاذ مع نشر نوتتها ليسهِل على الفتيات ومن له ولعٍ بضرب الآلات الموسيقية تناولها وأخذ الفن من منبعه وفقه اللـه إلى ما فيه رفعة الفن.. وقد جاء فى مقال «الموسيقى» بقلم الشيخ سيد عدة تعريفات بها منها أنها أصوات مكهربة تحدث أنغامها بواسطة اهتزازات تنجذب لها الأفئدة كما تنجذب الإبرة إلى المغناطيس.. وفى تعريف آخر أن الموسيقى هى جسم الحشاشة له روح من النفس وعقل من القلب، والموسيقى بقواها التأثيرية تدفع الجندى بعيدًا عن التجوال حول الماديات ليندفع ثملا بخمرة الشهامة والهِمة لا يفكر إلا فى التقدم إلى الأمام مهما تكن قوة الأعداء.. ويوقع سيد درويش على مقاله باسم «خادم الموسيقى».

وربما ظلمنا سيد درويش بالقول إنه كان يهم بالسفر فى أواخر أيامه إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى فداهمه الموت، ويزيد القائلون: ولو أتيح له العمر الطويل، ولو كان له ما أراده من علم موسيقى فى إيطاليا لتبدل تاريخ الموسيقى العربية، بل وقد يزيد البعض: لدخلت الأوبرا والسيمفونية فى الموسيقى العربية.. وجميع تلك الافتراضات لا تقع فى مكانها الصحيح لأن الشيخ سيد كان قبل مماته وبدون سفر إلى إيطاليا قد أبدى الكثير من جوانب نبوغه وعلمه فى تجديد الموسيقى العربية، وعموما فإن عبقرية سيد درويش مثل أى عبقرية أخرى بحاجة إلى الاحتكاك الحضارى لتبدى كل كنوزها وتستكشف كل آفاقها، ثم إن الشيخ سيد كان قد اطلع على الكثير من علوم الغرب الموسيقية وهو فى مصر فاستمع إلى أوبرا توسكا وأوبرا البلياتشو لليونكافالوا، وأوبرا مدام باترفلاى ليوتشينى، وأوبرات عديدة أخرى لكبار موسيقيى إيطاليا فى تياترو الكورسال وغيره من المسارح التى كانت تستقدم فرق الأوبرا الإيطالية، ثم إن الشيخ سيد كان قد بدأ يتعلم فى مصر أصول كتابة النوتة، حتى أنه خاض سجالا صحفيًا حاميًا على صفحات «المقطم» وغيرها بشأن أول من ابتكر أسلوب تدوين ربع التون فى الموسيقى العربية والتركية، كذلك أحاط نفسه بموسيقيين عالميين بأصول التدوين والتوزيع الموسيقى والعلوم الموسيقية المساعدة فقط مثل مسيو كاسيو وجميل عويس، وبالنسبة للإلهام والقدرة على إنشاء الألحان والإحساس الموسيقى فإن سيد درويش كان فيها جميعها متفوقا لا مجال لمزيد عليه لا فى إيطاليا ولا فى غيرها، ولو قدر له العمر للسفر لإيطاليا لاستزاد فى العلوم الموسيقية المساعدة لأن الأصل لم يكن يعوزه أبدًا.. لقد كان سيد درويش عالمًا موسيقيًا كبيرًا اختزن فى أعماق وجدانه الموسيقى من مقامات التجويد القرآنى وإيقاعات العروض، ونهلَ من ينبوع عبده الحامولى ومحمد عثمان، وتعلم فى رحلتيه إلى الشام التواشيح على عثمان الموصلى وغيره، واستمع إلى الموسيقى الكنسية المشرقية العربية وسماها «أوبرا إلهية» ثم استمع إلى الباعة وابن الحارة فى مصر «وأذاب كل هذا فى سبيكة واحدة نادرة المعدن».

كان يُحب فيغرق فى حبه، بل إنه ليستطيع أن يجمع فى ذلك بين أكثر من حبيبة فى وقت واحد.. كان حاد المشاعر ملتهب العاطفة مسرفًا فيها، فإذا أخلص بالغ فى إخلاصه، وإذا رضى بالغ فى تسامحه، وإذا اندمج فى عمل أفنى نفسه فيه.. كان لا يعرف نقطة الوسط.. وبلغ هيامه بإحداهن أن أغمى عليه حين تلقى نبأ خطبتها لغيره بعد أن يئست من اقترانها به، ومازال وراء هذه الخطبة حتى حل عقدتها.. اقترن بزوجته الأولى بالاسكندرية وهو فى السادسة عشرة ومنها أنجب اثنين من الأبناء «محمد البحر» فى أول يناير 1909 وأحمد الذى توفى بعد ثلاثة أشهر من ميلاده، والزوجة الثانية ابنة عمه التى أنجب منها طفلة لم يمتد بها العمر، ووقع الخلاف العائلى الذى انتهى بالطلاق وتوفيت الزوجة إثره ليشعر بمدى ظلمه لها ليغنى على لسانها:

مظلومة وياك يا ابن عمى الذنب ده ذنبك مش ذنبى

ولعل الألم النفسى ما دعاه لترك جو الاسكندرية مهاجرًا للقاهرة ليقيم فى حى باب الخلق بشارع العلواية، وتمتد الهجرة إلى الملابس لينتقل من الجبة والقفطان إلى البدلة الملائمة للجو المسرحى، وعن طريق خالته الست لبيبة يقترن سيد درويش بزوجته الثالثة التى انفصل عنها بعد يوم واحد من الزفاف، وكانت الزوجة الرابعة والأخيرة جارة له بشبرا والتى أنجب منها ولدين توفى أحدهما فى سنته الأولى والثانى هو نجله «حسن درويش» وهذه الزوجة التى عاشت معه فى قمة مجده الفنى وتوفى عنها ولم تبلغ العشرين لتبقى وفيّة لذكراه مؤثرة السهر على تربية الابن حسن فلم تتزوج مرة أخرى واسمها «جليلة عبدالرحيم» ــ وجليلة الزوجة غير جليلة التى مكثت فى خلفية حياته ليصدها مرات دون جدوى لتستمر علاقته بها قائمة إلى آخر أيام حياته، ولعل الدور الخالد الذى قرر فيه الهجرة للقاهرة يعبّر عن موقعها منه:

يوم تركت الحب كان لى/ فى مجال الأنس جانب

ورجع لى المجد تانى بعدما كان عنى غايب

وتعثر الصحافة على قسيمة زواجه بابنة عبدالرحيم فى يوم الخميس الموافق 29 مايو 1919 على يد المأذون الشرعى للمنطقة إبراهيم الدمنهورى، وقامت العروس البِكر الـمُقيمة فى حارة على عبدالناصر المتفرعة من شارع ابن الرشيد فى جزيرة بدران بشبرا بتوكيل أخيها محمود لاتمام عقد القرآن، وتم تحرير القسيمة بشهادة كل من محمد أحمد حسن، وعلى إسماعيل البنا، جيران العروس، وتم الزواج على صداق قدره «خمسة وأربعون» جنيها مصريا دفع منها الزوج سيد درويش مبلغ ثلاثين جنيها ومؤجلا منه كمؤخر صداق مبلغ خمسة عشر جنيها!!

وتعد عائلة الفنان الموسيقار سيد درويش أقدم وأعرق العائلات الفنية فى مصر وتتمثل أهمية أفرادها، ليس لأنهم ممن درسوا أو اهتموا بالطرب والألحان ولكن لأنهم حافظوا على تراث العميد، فكان البِكرى محمد البحر صاحب الصوت الرخيم الذى قام بتقديم تراث والده فى الإذاعة لسنوات طويلة، كما حرص شقيقه حسن درويش الحفاظ على تراث جده بإنشاء جمعية للمحافظة عليه، وبذل جهدًا خارقًا فى البحث عن نصوص الأوبريتات ونوتها الموسيقية، كما أصدر موسوعة لجميع تراث الجد العظيم، ومن أغصان العائلة العفية المطرب الرائع إيمان البحر درويش بحضوره الطاغى وشخصيته القوية فوق المسرح ووراء الميكروفون.. الحفيد الذى يسير على درب الأصالة والمعاصرة عندما توقفه كلمات لحن جده:

اوعى.. يمينك.. اوعى شمالك/ اوعى الأزمة توقف حالك

اوعى وشك.. اوعى ظهرك/ اوعى فوقك.. اوعى تحتك

اوعى لجيبك.. م الحرامية/ اوعى لروحك.. م الحانوتية

اوعى م الكوكايين.. يلحس مخك/ اوعى م الجوكر.. ليطسك

اوعى الجوزة.. تطير عقلك/ يمينك اوعى.. شمالك اوعى


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: