رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الانتصار الثالث

حضرت أخيرا منتديً عربياً يبحث فى الأوضاع العربية الراهنة، وتابعت فى فترة الاستراحة حواراً بين اثنين من المشاركين سأل فيه أحدهما الآخر عن رأيه عن الأوضاع فى فلسطين وفى بلده وفى الوطن العربى عموماً، ولفتنى أنه أجاب بأن الوضع فى فلسطين جيد، وفى بلده مألوف، وفى الوطن العربى بالغ السوء، ودفعنى فضولى لأن أسأله عن مبررات حكمه على الأوضاع فى فلسطين، خاصة أن عجز النخبة الحاكمة الفلسطينية عن تجاوز انقساماتها شديد الإحباطا فأجابنى من فوره لأن فى فلسطين شعباً متمسكاً بهويته لا يتوقف عن مقاومة الاحتلال فاطمأن قلبي.

والواقع أن الشعب الفلسطينى يقدم منذ نكبته فى 1948 نموذجاً فذاً على الصمود والمقاومة بكل أشكالهما، وقد أثبت الفسطينيون قدرتهم على الإبداع فى وسائل النضال بما يتجاوز الكفاح المسلح بكثير، وربما كانت انتفاضة الحجارة التى بدأت أواخر 1987 من أوضح الأمثلة، وتكرر الإبداع فى انتفاضة الأقصى 2000 ومسيرات العودة التى لم تتوقف منذ مارس الماضى وما ارتبط بها من بالونات حارقة، وعادة كان الاستخفاف بكل أسلوب جديد هو المهيمن فى البداية كما حدث مع الصواريخ الفلسطينية التى كانت موضعاً عند ظهورها الأول لسخرية لاذعة، ثم أصبحت الآن عامل ردع أدى إلى ظهور مبدأ الهدوء بالهدوء الذى طرحته القيادة الإسرائيلية، وأزعم أن النضال الفلسطينى بدأ يبلور منذ السنة الماضية أسلوباً راقياً وناجحاً فى النضال المدني، ففى يوليو 2017 انتصر الفلسطينيون فى معركة بوابات المسجد الأقصى عندما أصروا على مقاطعة الصلاة فيه مالم تُنزع هذه البوابات من مداخله، ثم عادوا وانتصروا فى فبراير-مارس 2018 عندما أغلق المسئولون عن كنيسة القيامة أبوابها احتجاجاً على فرض سلطة الاحتلال ضرائب عليها إلى أن تراجعت، واليوم يحقق الفلسطينيون انتصارهم الثالث فى معركة الخان الأحمر.

فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية يوم السبت الماضى بأن رئيس الوزراء الإسرائيلى قرر وقف هدم قرية الخان الأحمر فى قضاء القدس حتى إشعار آخر، ورغم صغر هذه القرية التى يعيش فيها نحو مائتى بدوى فلسطينى فحسب على رعى الأغنام إلا أنها نافذة بالغة الدلالة على المشروع الصهيونى فى فلسطين برمته، فقد طرد الجيش الإسرائيلى سكانها الذين كانوا يقيمون فى الجنوب فى خمسينيات القرن الماضى فاستوطنوا الخان الأحمر وأقاموا فيه مساكن لهم دون تراخيص وهذه حجة إسرائيل، علماً بأن الحصول على هذه التراخيص مستحيل أصلاً، ويعود الإصرار الإسرائيلى على هدم القرية إلى وقوعها فى قلب مخطط استيطانى استراتيجى (مشروعE1) يعده كثير من المحللين أخطر مشروع استيطانى منذ الاحتلال الإسرائيلى لكامل القدس فى 1967 لأنه يمتد على أرض تزيد مساحتها، على اثنى عشر ألف دونم ويهدف إلى إقامة أربعة آلاف وحدة استيطانية وعشرة فنادق ومنطقة صناعية، ويربط الكتلة الاستيطانية معاليه أدوميم شرقى القدس بالقدس الغربية، وهو يفضى إلى إغلاق المنطقة الشرقية من القدس بشكل كامل بحيث تُحرم من أى إمكانية توسع مستقبلى باتجاه الشرق، ويحول القرى العربية إلى معازل محاطة بالمستوطنات ويساعد فى إقامة القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي، ويقوض التواصل الجغرافى المطلوب بين الأراضى التى يُفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

وتعود جذور هذا المشروع إلى رئيس الوزراء إسحاق رابين الذى طالب فى 1994 بإعداد هذا المخطط وصودق عليه للمرة الأولى فى 1997 ولكنه قوبل برفض فلسطينى ودولى واسع أدى إلى تجميده، لكن وزارة الدفاع صادقت فى 2002 على الخطة العامة لتنفيذه وباشرت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية عمليات البناء التمهيدية فى المنطقة، وفى 2007 أصدر الجيش الإسرائيلى أمراً بمصادرة ما يزيد على ألف دونم من الأراضى الفلسطينية من ضمنها الخان الأحمر، وفى 2013 أعلنت الحكومة الإسرائيلية مناقصات لبناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية بينها آلاف فى منطقة المشروع E1، وإزاء الانتقادات الغربية الحادة لهذا المشروع أعلن نيتانياهو إلغاء المناقصات، غير أن تقارير كشفت عن أن وزارة البناء والإسكان عينت فى العام التالى مهندسين للعمل على تنفيذ عديد من الخطط التى قيل إنها ألغيت، وأخذ المشروع يتقدم ببطء إلى أن بات الخطر وشيكاً فى العام الحالي، فتصاعد النضال المدنى الفلسطينى ضد مخطط الإخلاء والهدم سواء بالتظاهر والاعتصام أو باللجوء إلى الآليات القانونية من خلال تقديم التماسات للمحكمة الإسرائيلية العليا التى أصدرت فى مايو الماضى قراراً يقضى بهدم القرية وتهجير سكانها وإن تم تأجيل التنفيذ للنظر فى التماس مقدم من الأهالي، وانتهى الأمر فى سبتمبر الماضى بقرار نهائى من المحكمة بهدم القرية وحينها صرح رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن الآليات القانونية قد سُدت منافذها ولم يبق إلا العمل الجماهيري، وأصبح الخان الأحمر مركزاً لتجمع كل الفلسطينيين المتمسكين بحقوقهم وكل مناصريهم من غير الفلسطينيين.

وفى هذا السياق مارس الجيش الإسرائيلى كالعادة أقصى درجات القوة المفرطة وأظهر الفلسطينيون ومن معهم شجاعة فائقة فى مواجهة القمع الإسرائيلى وصمدوا حتى صدر القرار الأخير بوقف الهدم.

وليس من أدنى شك فى أن اتخاذ هذا القرار الإسرائيلى يُعَد أمراً بالغ الدلالة، فهو يعنى ببساطة شديدة أن النضال المدنى يمكن أن يكون مجدياً فى تحقيق انتصارات ذات قيمة حتى ولو كانت جزئية، ولا ننسى أن النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا قد صُفى بالنضال المدني، كما يعنى أنه من الممكن التعويل على المساندة الدولية فى وجه الفجاجة الإسرائيلية فقد كانت المواقف الأوروبية حاسمة ضد مخطط الهدم، كذلك من الأهمية بمكان أن معسكر السلام الإسرائيلى قد لعب دوراً مشرفاً فى كسب هذه المعركة، ولهذا دلالاته المهمة فى مواصلة النضال الذى يجب أن يستمر حتى لا يتم إجهاض انتصار الخان الأحمر.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: