رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو نموذج جديد للتنشئة الاجتماعية

فى الوقت الذى يكثر فيه الحديث عن بناء الإنسان، وعن التنمية البشرية، والتنافسية وغيرها من القضايا التى تتعلق بقدرات البشر وتطلعهم نحو المستقبل الأفضل، يسعى المجلس العربى للطفولة والتنمية فى طريق مختلف، ولكنه يصب فى نفس المسعى وهو الاهتمام بدراسة نموذج جديد للتنشئة الاجتماعية فى الوطن العربي. ويتأسس هذا التوجه على أساس التكوين الاجتماعى للبشر الذى يتم فى الأسرة والمدرسة وعبر وسائل الاتصال، وهى القنوات الرئيسية للتنشئة الاجتماعية. والتنشئة عبر هذه المؤسسات هى الأصل فى بناء العقل والنفس والوجدان، ومن ثم فإنها الأصل فى أى سعى للتنمية البشرية وبناء الإنسان. ولقد كان المؤتمر الكبير الذى عقده المجلس هذا الشهر حول هذا الموضوع تتويجاً لجهود بحثية وفكرية استمرت سنوات لتكوين معالم نموذج للتنشئة الاجتماعية يدفع إلى بناء العقل، وبناء الأمل. ولقد كان لى شرف المشاركة فى هذا الجهد ببحثين، أحدهما فى مشاركة الأطفال فى الوطن العربي، والآخر عن التنشئة الاجتماعية فى البلدان العربية. ولقد توصل بحث التنشئة الاجتماعية إلى نتائج مهمة قد يكون مفيداً أن نتعرف عليها لكى ندرك أوجه القصور الكامنة فى النموذج الحالى للتنشئة الاجتماعية، وأهمية التوجه إلى تبنى نموذج مغاير. لقد أجرى البحث فى ست دول عربية هى مصر، والسودان، وتونس، والعراق، والسعودية، ولبنان، والمتأمل لنتائج البحث يكتشف أنها خطيرة بالفعل وأنها تحتاج إلى تأمل، وهى تذكرنا بالبحث الكبير الذى نشره فريق من مدرسة فرانكفورت بألمانيا عام 1950 حول الشخصية التسلطية، والذى أثرت على نمو الميول التسلطية داخل الأسرة، تلك الميول التى أفرزت كل صور التطرف والغلو واستخدام العنف وعدم القدرة على التعايش مع الآخر، والتى جسدتها الأفكار النازية والفاشية. لقد كشف بحثنا عن نتائج يمكن أن تصب فى نفس الاتجاه، فقد أكد وجود إطار تقليدى محافظ وماضوى يسيطر على رؤية الأسرة، كما ينعكس فى النقد الذى يوجه لأساليب التنشئة الحديثة التى يفترض أنها تفسد النشء وتغير هويته، وتثمين الأساليب التقليدية المتوارثة من الآباء والأجداد. ورغم تأكيد الأسر والمربين أهمية التربية الحديثة التى تقوم على المشاركة والحوار والابتعاد عن صور العقاب البدني، فإنهم يجدون أنفسهم حائرين بين القديم والجديد،وإذا كان عليهم الاختيار فإنهم يميلون إلى الماضي، فيفرضون آراء الكبار على الصغار مثلما كان يفعل الأجداد والآباء، ولا يسمحون بقدر كبير من المخالفة أو التغاير. فرغم أنهم يؤكدون - مثلاً - على أهمية المناقشة، والاستماع، والنصح والإرشاد كأساليب للعقاب ومواجهة المشكلات التى تظهر فى تفاعلها مع الأطفال، فإنهم يقومون فى الوقت نفسه بتوجيه النقد إلى الأطفال، ويقسون عليهم بالضرب أحياناً، ولا يثقون فى تصرفاتهم، ويتدخلون بشكل ساخر فى اختياراتهم (الهوايات واختيار الأصدقاء وأساليب الترفيه على سبيل المثال). فالتوجه نحو التدخل ونحو العقاب وطلب الطاعة والإذعان من الأطفال يفوق كثيراً التوجه نحو النصح والإرشاد وطلب الحرية والمشاركة. بل إن هذه الرؤية للتنشئة تقوم على ثنائية قطبية تتأرجح بين الميل نحو الأبوية المثقلة بالإذعان والترهيب، والميل نحو المدح الشديد والمنح الشديد، دون وجود حدود وسطى متسعة للنصح والحوار والتوجيه. ومن الأمور الجديرة بالنظر فى نتائج البحث ما توصل إليه من خضوع نموذج التنشئة السائد إلى عوالم منفصلة لا يظهر بينها الاتصال إلا من حيث الشكل. فالأسرة والمدرسة يشكلان عالمين منفصلين، فهما يختلفان اختلافا كبيراً فى أساليب التعامل، وإن اجتمعا فى التذبذب بين السلبية والإيجابية، وثمة عالمان آخران منفصلان أيضاً هما عالم الكبار وعالم الصغار، ثمة اختلاف فى الرؤى والتوجهات بينهما، إلى درجة أن كل طرف فيهما يوجه اللوم إلى الآخر فى عملية التنشئة. وثمة انفصال ثالث بين عالم الذكورة وعالم الأنوثة فلا تزال الثقافة السائدة داخل الأسرة - وحتى داخل المدرسة - ثقافة ذكورية تعظم من صور التميز ضد النساء وتعمل على تدعيم هذه الثقافة وتكريسها. وتتجمع هذه الصور من الانفصال - مع سيادة الإطار التقليدى فى التنشئة سواء فى الأسرة أو المدرسة - لتنتج نمطا قاسيا من التنشئة. فالطفولة ليست على هذه الدرجة من البراءة، وتربية الأطفال يجب أن تقوم على الترويض لا التحرير، وعلى تطبيعهم على الإذعان للكبار والخضوع لهم، باستخدام الأساليب القاسية أحياناً، وأساليب التدليل والرعاية الزائدة أحياناً أخرى. ويتواكب هذا النمط الشائع للتنشئة مع سياق اجتماعى وقانونى يتسم بالكثير من الكوابح (زيادة عدد الأطفال داخل الأسرة فى بعض البلدان - نقص الأطر التشريعية - سيادة النزعة العائلية والقبلية فى المجتمع بشكل عام) ويعمل هذا السياق على دعم النموذج الجامد فى عمليات التنشئة الاجتماعية، بحيث يبدو الأمر وكأن المجتمع بأسره يميل إلى الارتداد إلى الماضى ويتوجس خيفة من المستقبل.وتدفعنا هذه النتائج إلى كثير من القلق على الطريقة التى نبنى بها النشء، ونكون بها الأجيال. ولا شك أن هذا القلق هو الذى يؤسس للهمة والإرادة فى تأكيد الدعوة إلى نموذج جديد للتنشئة الاجتماعية، وهو الجهد الذى يقوده التربوى الكبير الدكتور حسن الببلاوى وزملاؤه والباحثون المتعاونون معه فى المجلس العربى للطفولة. وتقوم هذه الدعوة على شعار «تربية الأمل» وهو شعار يؤطر لنموذج تربوى قادر على بناء العقل وبناء النفس وبناء الوجدان بطريقة تجعل الطفل قادرًا على أن يتمكن من المهارات والمعارف، والمشاركة الفعالة فى بناء حياته ومستقبله فى إطار من الحرية واحترام التنوع، وقادرًا أيضاً على أن يبنى عقله على فهم تقاربى وتشاركى بين عالم الصغار وعالم الكبار، وبين عالم الذكور وعالم الإناث، وبين البيت والمدرسة. إن بناء الإنسان يتعلق فى الأصل ببناء الوجود العقلى والنفسى والوجدانى السليم، ولا يتحقق ذلك إلا بإعادة النظر فى الأصل، أقصد مؤسسات التكوين الأولى: الأسرة، والمدرسة.كما لا يتحقق إلا بإرادة قوية وعزم شديد.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: