رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

راح.. راح.. راح

فى القدس قالوا للسادات كيف تدعو للسلام فى حين أن نشيدكم الوطنى يدعو للحرب «واللـه زمان يا سلاحى اشتقت لك فى كفاحى انهض وقول أنا صاحى يا حرب واللـه زمان» فاختمرت الفِكرة فى ذهنه كما كانت تختمر على الدوام أفكاره النيّرة مثلما اختار السبت عطلة إسرائيل الرسمية ــ وفقا لسفر الخروج لبنى إسرائيل من مصر، حيث يعتبر دنسًا العمل والبيع والشراء وحركة المواصلات العامة، أى شبه الشلل فى كل القطاعات ـــ للقيام بعبور خط بارليف الذى لا تقهره القنبلة الذرية وذلك بخطة اللواء باقى زكى للاقتحام بخراطيم المياه ـــ ومن ثم طلب من الموسيقار محمد عبدالوهاب الإشراف على توزيع نشيد «بلادى بلادى» للخالد سيد درويش، فما كان من عبدالوهاب بعد امتثاله للتكليف الرئاسى إلا أن عهد بتلك المهمة بدوره إلى مختار السيد عازف الأوكورديون فى الفرقة الماسية، وذلك على أن يُسجل التوزيع بسرعتين إحداهما بسرعة كبيرة وأخرى أبطأ منها ليكون له حرية اختيار الأنسب.. وعبّر السادات عن إعجابه بالعمل بمنح الموسيقار عبدالوهاب رُتبة لواء طالبًا منه قيادة الفرقة الموسيقية بزيه العسكرى فى عزفها للسلام الوطنى مع توزيعه الجديد، وكان مختار السيد أحد أفراد العازفين من خلف سيادة اللواء.. وفى ذلك التاريخ كان كمال الطويل عضوًا بمجلس إدارة جمعية المؤلفين والملحنين فانبرى معترضًا ثائرًا لوضع اسم محمد عبدالوهاب فى خانة التوزيع الموسيقى لـ«بلادى بلادى» فى شكله الجديد، وعندما سُئل عبدالوهاب ذات نفسه أنكر دوره فى العمل، فتم رفع الاسم لتظل الخانة الخاصة بالتوزيع الموسيقى للسلام الوطنى المصرى متروكة بيضاء حتى الآن، وقيل وقتها إن مختار السيد أخذ من عبدالوهاب ألفى جنيه، وفى رواية أخرى ألف جنيه فقط.. أما عن مكافأة الطويل عن موسيقى «واللـه زمان» فقد جاءت على لسان محمد حسنين هيكل عندما أخبره بالفوز فى المسابقة ــ التى لم يشترك فيها الطويل ــ لاختيار سلام وطنى لمصر بعدما أصبح السلام الملكى لا يُناسب الثورة، وكان قد تقدم للمسابقة 67 ملحنًا على رأسهم محمد عبدالوهاب الذى اشترك بلحنين، وقيل إن أم كلثوم كانت وراء اختيار «واللـه زمان يا سلاحى» بدلا من نشيد «اللـه أكبر» لصاحب الموسيقار محمود الشريف الذى كان قد فاز بالمرتبة الأولى

مما حزّ فى نفسه بعدما مضى كل فى طريق هو وثومة من بعد قصة الحب الكبير التى زلزلتها الأعاصير.. كانت المكافأة تبعًا لبشارة هيكل للطويل بمبلغ خمسة آلاف جنيه لكنه لم يتسلمها ولم يبعث إليه أحد لاستلامها إلى أن سأله جمال عبدالناصر مصافحًا ومهنئًا فى احتفالات يوليو 63: إيه يا كمال أخذت جائزة السلام الجمهورى؟! فرد كمال: خلاص ياريس بقى ربنا يسرها من أوسع الأبواب.. فالتفت ناصر لكمال الدين حسين: كمال شوف الحكاية دى، والتفت لكمال قائلا: فوت على كمال خذ الجايزة.. وذهب كمال لكمال الذى وعده بها بعد أسبوع واحد، وبعد ثلاثة أيام لا غير تغيَّر الوضع ليذهب حسين ويأتى بدلا منه على صبرى الذى هبط بالمكافأة إلى ألف جنيه تبدلت هى الأخرى إلى سيارة نصر أشار إليه عزيز صدقى بالذهاب لتسلمها من المهندس عادل جزارين فى وادى حوف حيث لم يكن لديهم سوى سيارتين إحداهما موديل 1100 ثمنها 850 جنيها، والأخرى موديل1300 ثمنها 1200 جنيه، قال للباشمهندس: أنا كمال باعتنى الدكتور عزيز علشان أستلم عربيتى. قال له أيوه عايزها لونها إيه؟! قال له حمراء، قال له الريس على صبرى وافق لك على العربية 1100 وثمنها 850 جنيها. قال له: متشكر وطيب فين المفتاح؟ قال له طيب وفين الفلوس؟ قال له: فلوس إيه هى مش جائزة؟! قال له جائزتك يا سيدى أن أستثنيك من الدور.. فدفع كمال الطويل الفائز بجائزة السلام الوطنى لمصر ثمن العربية النصر صاغرًا.. وداس على البنزين بعدما حرر الفرامل ومضى لا يلوى على شى!!.. وإذا ما انسحبت «واللـه زمان يا سلاحى» من الميدان التى غنتها أم كلثوم تحت أضواء الشموع وصوت الطائرات أعلى الرءوس لتُسجلها فى مبنى الإذاعة المهددة بالقصف، فقد ظلت ألحان الطويل الوطنية فى الذاكرة والقلب والوجدان لا تنسحب أبدًا بل يتنامى امتدادها كلما استشعر الوطن خطرًا قادمًا أو كامنًا أو تتشابك خيوطه، وذلك منذ انطلقت رائعته بكلمات صلاح جاهين «احنا الشعب»، وفى عام 55 وبعد اتمام اتفاقية الجلاء ورحيل الاستعمار البريطانى من كلمات مأمون الشناوى كانت من ألحانه «إنى ملكت فى يدى زمامى»، ومع صدور الدستور استمعنا من ألحانه لكلمات إسماعيل الحبروك «ماشيين فى طريقك ماشيين»، وفى عام 58 بعد قيام الوحدة كانت «يا بركان الغضب يا موحد العرب» للشاعر أحمد شفيق كامل.


وتتوالى الأغانى والأناشيد الوطنية لنشارك عبدالحليم لحن الطويل وكلمات جاهين فى بستان الاشتراكية «على راس بستان الاشتراكية واقفين بنهندز على الميه أمـة أبطــال، عُلمـــا، وعمـــال»، ومن كلمات مرسى جميل عزيز «بلدى يا بلدى واللـه احلويتى يا بلدى»، ومع ثلاثية الإبداع الوطنى جاهين وحليم والطويل كانت أغنية «صورة صورة كلنا كده عايزين صورة، صورنا يا زمان ح نقرب من بعض كمان واللى ح يبعد من الميدان عمره ما حيبان فى الصورة»، وأخذت من احتفالاتنا الكثير أنشودة السد العالى «قلنا هنبنى وادينا بنينا السد العالى يا استعمار بنيناه بادينا السد العالى»، ولاتزال «بالأحضان» راسخة بحلاوتها فى الوجدان لندندن فى غيبتنا عن الوطن وفى لقائنا به: «بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان فى ميعادك يتلموا ولادك يا بلادنا وتعود أعيادك والغايب مايطقشى بعادك يرجع ياخدك بالأحضان يا حبيبتى يا أمى يا بلادى يا غنيوة فى دمى على صدرك أرتاح من همى وبأمرك أشعلها نيران»، وتأتى أغنية «المسئولية» وكأنها خطة الوطن لجيل لم يُولد بعد: «صناعة كبرى ملاعب خضرة تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا فى كل قرية عربية دى ماهيش أمانى وكـلام أغانى»، ومن يومها للآن مازلنا نردد كلمات الأغنية بلحن كمال الطويل «عايزين عايزين» مطالب متعددة من الرخاء والتنمية وتحرير فلسطين، وتتواصل الدعوة الوطنية فى أغنية «يا أهلا بالمعارك» ملايين الشعب تدق الكعب تقول كلنا جاهزين، ومع رائعة عبدالرحمن الأبنودى انطلق صوت عبدالحليم بألحان الطويل فى أغنية لكل جيل: «ابنك يقول لك يا بطل هات لى نهار ابنك يقول لك يا بطل هات الانتصار»، ثم يأتى القسم الوطنى المُبهر الذى ظل عبدالحليم حافظ يردده فى جميع حفلاته من كلمات الأبنودى ولحن كمال الطويل من لحظة دوى القنابل فوق مبنى الإذاعة فى يونيو 67 حتى العبور العظيم فى 6 أكتوبر 73: «أحلف بسماها وبترابها/ أحلف بدروبها وأبوابها/ أحلف بالقمح وبالمصنع/ أحلف بالمدنة وبالمدفع/ بأولادى بأيامى الجاية/ ما تغيب الشمس العربية/ طول ما أنا عايش فوق الدنيا»، ورغم انتصار أكتوبر 73 فإن العدو غادر ولابد من أن نستعد له فى الحرب والسلم؛ ومن هنا كتب أحمد شفيق كامل للأمس واليوم وغدًا: خللى السلاح صاحى/ لو نامت الدنيا صاحى مع سلاحى/ سلاحى فى إيدى نهار وليل صاحى.. وتأتى أغنية «صباح الخير يا سينا مين اللي قال كنتِ بعيد عنى وأنتِ اللي ساكنة فى الننى» التى غناها حليم من كلمات الأبنودى وألحان الطويل لتغدو بمثابة اللحن الخالد فى ذاكرة الوطن للموسيقار الكبير كمال الطويل الذى قال عنه الموسيقار ـــ الكبير أيضًا ـــ محمود الشريف رغم نقل درجته الأولى عنوة إلى الثانية فى مسابقة السلام الوطنى: «إن ألحان الطويل بمثابة منجم الذهب الذى لا ينضب أبدًا».

وإذا ما كان وراء السلام الجمهورى وأغنيته «واللـه زمان يا سلاحى» حدوتة مصرية تروى حول دهاليز ثورة 52، فهناك الأغنية الأخرى «صورة» التى صدر الحكم على الموسيقار كمال الطويل بسببها بوضعه تحت الإقامة الجبرية حتى الانتهاء من تلحينها، ويسبق ذلك حكاية من داخل حكاية، فقد سبق له أن طرد من الإذاعة فى عصر عبدالناصر عندما كان وزيرًا للداخلية ونائبا لرئيس الوزراء، حيث تم نقل الطويل بقرار منه شخصيا كان نصه «ينقل كمال محمود زكى الطويل الشهير بكمال الطويل من الإذاعة إلى وزارة التربية والتعليم لخطورته على العمل»، وكان رئيس الإذاعة وقتها القاضى محمد أمين حماد الذى قام بنقله من القضاء إليها صلاح سالم، ولما كان الطويل وزملاؤه قد اعتادوا التحرر من الروتين والرسميات بحكم المناخ الفنى العام فمضى يتعامل مع حماد على طبيعته، وإذا ما طلبه دخل إليه بالقميص النصف كم والبنطلون، وأحيانًا بلا شعور قد يتكئ على طرف مكتبه أثناء الحديث، فاعتبر حماد مثل تلك التصرفات نوعًا من التسيب وعدم الاحترام له، ولأنه لم يستطع الاعتراض جهرًا انتهز فرصة سفر صلاح سالم إلى السودان ــ حيث رقص مع القبائل هناك رقصته الاحتفالية الشهيرة بينما ناصر يقوم بمهامه ــ فنقل إليه حماد أن كمال الطويل هذا وفدى مشاغب، ليفاجأ بعدها الطويل بصاحبة البنسيون الذى يقيم فيه ملاصقًا لدار الإذاعة فى شارع الشريفين تقول له إن فى الخارج مجموعة من الضباط يُريدون مقابلته فسارع إليهم ليخبروه بأنه قد صدرت الأوامر بمنعه من الذهاب إلى الإذاعة وأن الأمر من الممكن أن يتطور إلى فرض الإقامة الجبرية عليه بالمنزل إذا ما أبدى اعتراضا.. وقعد الطويل فى البيت حتى عاد صلاح سالم من السودان ليخبره شقيقه محيى الدين سالم ـ صديق الطويل ـ بما حدث فقام باستدعائه ليخبره بإمكانية العودة للإذاعة بشرط عدم التعرض لأمين حماد، فما كان من الطويل إلا رفض العودة كلية، وكان قد بدأ مشوار التلحين ليستقيل أيضا من عمله بوزارة التعليم.... وفى تلك الفترة التى اهتزت فيها الثوابت من حوله اتصل به صلاح جاهين ليُحدثه عن أغنية «صورة» وما فيها من خضرة ومية وشمس عفية فأجابه الطويل هايلة لكنه قد قرر اعتزال التلحين نهائيا.. زهقان.. قرفان.. فاستدعاه عبدالحليم للدردشة ليجد عنده شمس بدران وحسن عامر شقيق المشير عبدالحكيم عامر، وفجأة يسأله حليم فيما إذا كان جاهين قد أطلعه على كلمات الأغنية فقاطعه بقراره البات بعدم العودة للتلحين من أساسه، وهنا تدخل شمس بدران بلهجة عسكرية قائلا: «يعنى إيه مش حتلحنها؟!»، فأجابه الطويل الذى لم يكن يعلم قدره فى البلد «يعنى لن ألحنها يا أخى»، فقال شمس: «إن الرئيس ينتظر هذه الأغنية فى العيد»، فأجابه «البلد فيها ألف ملحن أفضل منى والمسألة اجتهاد وتوفيق من عند اللـه ثم أننى لا أرى سببًا لانفعالك، وبالمناسبة ياجماعة أنا صابح مسافر» فانبرى عبدالحليم بثورة قائلا: «إن لم يلحن الطويل الأغنية فلن أغنيها»، فعقب عامر منفعلا «جرى إيه هى البلد لعبة فى إيدك إنت وهو؟!»، وانصرف كمال ليذهب فى المساء مدعوًا على العشاء فى منزل الكاتب الصحفى الكبير محمد التابعى ليروى له ما حدث فى الصباح فجاء تعقيبه: «يا خبر اسود ومنيل ليس أمامك الآن سوى أن تهرب بشنطتك من طلعة الفجر فأنت لا تعرف ماذا فعلت»، وذهب الطويل للجوازات فى الصباح فوجد نفسه ممنوعًا من السفر، وأنكر وزير الداخلية وقتها اللواء عبدالعظيم فهمى علمه بسبب المنع، فلجأ الطويل للدكتور عبدالقادر حاتم الذى نصحه بالإمساك بأول الخيط وذلك بسؤال عبدالحليم فذهب كمال ليسأل حليم فأقسم برحمة أمه أنه لا يعرف، وعاد لمستشاره التابعى الذى نصحه بالانحناء للعاصفة، وعندما بلغ كمال تليفون منزله رفع السماعة ليسأل حليم عن كلمات الأغنية التى قام بتلحينها ناسيًا تمامًا صلف شمس بدران أمام عبقرية كلمات صلاح جاهين مع إحساسه بأن حليم هو الذى سيغنى اللحن فاندمج بالكامل ولحن «صورة» بكامل المزاج، وفى لقائه فى الحفل بشمس بدران قال له الأخير: «كل ده وماكنشى عندك مزاج أمّال لو كان عندك كنت عملت إيه»..

و..قد يكون عبدالحليم أيضًا بشكل غير مباشر أو مباشر وراء عدم لقاء أم كلثوم بألحان كمال الطويل الأمر الذى أثار أسئلة الجميع خاصة أنها كانت قد أبدت إعجابها بألحانه لها فى رابعة العدوية «لغيرك ما مددت له يدًا»، و«غريب على باب الرجاء» من كلمات طاهر أبوفاشا، وأعطته أغنيتين إحداهما دينية لبيرم التونسى والأخرى «لسه فاكر»، وسافر الطويل كعادته مع زوجته إلى أوروبا فى الصيف وبعد عودته استقبله مجدى العمروسى مدير أعمال عبدالحليم حافظ قائلا: إن أم كلثوم قالت فى بيت مصطفى أمين كيف يسافر كمال إلى أوروبا للفسخة رغم أن الآلاف لا يستطيعون السفر للعلاج؟! ولأن مشكلة الطويل المزمنة تتلخص فى كبريائه وعدم المساس بكرامته من أى كائن ما كان فلو تخيل مجرد تخيل أن أحدًا حاول مس تلك الكرامة فإنه يأخذ منه موقفا ويسقطه من حساباته، ومن هنا قرر قطع علاقته بأم كلثوم، وقال بالتنبيه على كل من فى بيته بأنها لو اتصلت فهو غير موجود، ورغم اتصال أم كلثوم مرات فإنه لم يرد فطلبت من مصطفى أمين معرفة السر فتحجج الطويل بأنه لم يجد بعد اللحن الذى يتناسب مع قامة أم كلثوم، وظل على موقفه المتعنت حتى رحيلها ليسأله مصطفى أمين بعدها عن الحقيقة فأخبره بما قاله العمروسى فثار فى وجهه قائلا: «انت مغفل.. لم يحدث أى شيء مما قيل فى بيتى» فسأله الطويل: ولماذا يقول العمروسى ذلك؟! فأتاه الرد الحصيف: «لأن مجدى وعبدالحليم خافا أن تتفرغ لأم كلثوم وتنشغل يا أبو المفهومية عن عبدالحليم».. ويواجه الطويل العمروسى فيأتيه الرد الثلجي: مصطفى أمين كبر فى السن وتخونه الذاكرة ثم فيها إيه يعنى لو كان القصد التفرغ لعبدالحليم؟!!».. وبالفعل تفرغ الطويل لحليم حتى بلغت ألحانه التى شدا بها العندليب 56 أغنية بدايتها قصيدة صلاح عبدالصبور «لقاء»:

بعد عامين التقينا ها هنا والدجى يغمر وجه المغرب

وشهدنا النور يخبو حولنا فسبحنا فى جلال الموكب

ومع الشاعر مرسى جميل عزيز التقيا فى باقة من الأغانى مثل موشح «يا ضنين الأمس» التى غناها حليم فى بداياته إلى جانب مجموعة لا تنسى كلماتها مثل «الحلو حياتى»، «هى دى هى»، «قولوله الحقيقة»، «بتلومونى ليه»، «فى يوم فى شهر فى سنة»، «جواب»، «راح.. راح»، «الحلوة» «بلاش عتاب» إضافة إلى ثلاث أغان وطنية هى «ذات ليلة» فى 1959 و«بلدى يا بلدى» فى 1964، و«ياكويت يا حبيبة» فى 1970، وكان للشاعر مأمون الشناوى نصيب الأسد فى أغانى عبدالحليم حافظ التى لا تنسى ومنها «كفاية نورك»، «حلفنى»، «صدفة»، «فى يوم من الأيام»، «بعد إيه» إضافة إلى الأغنية الوطنية «إنى مــلكت فى يـدى زمـامى» عام 56، ومع الشاعر عبدالرحـمــن الأبنودى قــدما مجمــوعة وطنية أثناء حرب يونيه منهـا «اضرب»، «أحلف بسماها» كما التقى الطويل مع عبدالحليم فى أغان أخرى لشعراء مثل اليوزباشى محمد على أحمد فى «لا تلومنى» التى أذيعت للمرة الأولى فى 7 يوليو 54 وجاء فيها:

إن آتيت الروض يوما لا تلومنى فمن العطر انتشيت

إن جَنيْتُ الورد يومًا لا تلومنى فعلى الشوك مشيت

لو عشقت البدر يومًا لا تلومنى فأنا أهوى الضياء

وكانت «على قد الشوق» أيضا من كلماته والتى ساهمت فى بناء شهرة عبدالحليم: شبابى الغالى ضيعته أناجى فى الهوى اسمك/ وأملى لمّا صورته فى أجمل صورة كان رسمك»، إلى جانب «سمراء» للأمير عبداللـه الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود... وخارج إسار عبدالحليم قدم كمال الطويل العديد من الأغانى الجميلة لنجاة مثل «الشوق والحب» و«استنانى»، «لو يطول البعد»، «عيش معايا»، ولليلى مراد «ليه خليتنى أحبك» لمأمون الشناوى، ولفايزة أحمد «أسمر يا أسمرانى» لإسماعيل الحبروك و«ياما قلبى قاللى لأ»، ولوردة «بكرة يا حبيبي»، «أصلك تتحب»، «اسأل الحلوين»، ولمحمد قنديل «يارايحين الغورية»، «بين شطين وميه»، ولمحمد عبدالمطلب «الناس المغرمين»، ومن آخر ما لحن الطويل «على صوتك بالغنا» لمحمد منير التى غناها خلال أحداث فيلم «المصير» عام 97 التى رقصت على أنغامها ليلى علوى.. وبعدها الموسيقى التصويرية لفيلم «العاصفة» إخراج خالد يوسف، ورغم أنها لم تطرق باب الغناء من قبل إلا وهى طفلة فى برنامج الأطفال الذى كان يقدمه بابا شارو فى الإذاعة عندما غنت سعاد حسنى« أنا سعاد أخت القمر» فقد قام كمال الطويل بتلحين 20 أغنية لها منذ فيلم «شفيقة ومتولى» عام 79 وقدمها مع كلمات صلاح جاهين فى أغانى «خللى بالك من زوزو»، «أميرة حبى أنا»، «المتوحشة»، وعندما أعطاه صلاح جاهين كلمات أغنية الأم التى تقول كلماتها «يا ماما يا أمى يا أماتى» ليسأله: «تفتكر مين يقدر يقولها بإحساس؟» رد الطويل على الفور: «مفيش غير سعاد»، وفى يوم التسجيل تواجد جاهين والطويل فى الاستوديو، وأثناء غناء سعاد فوجئ الحاضرون بدموع العملاقين، وعقب الانتهاء التقى جاهين بسعاد ليقول لها: «تعودنا منك أن تسعدينا بصوتك المرح قولى لنا جبت الشجن ده كله منين يا سعاد؟!» ولم يكن صلاح يعلم بأمر غد ابتلعهما فيه معًا بحر الشجن.. جاهين فى مصر.. وسعاد السندريلا فى لندن!!

ورغم أن كمال الطويل كان يحمل لقب الموسيقار عن جدارة فإن الباشا الراحل فؤاد سراج الدين زعيم الوفد المصرى القديم والجديد قد اختاره ــ لخلفية أسرته الوفدية ومكانة عمه عبدالفتاح الطويل باشا الذي شغل عدة وزارات متعاقبة آخرها «العدل» في وزارة النحاس باشا فى يناير 1952 ــ ليكون مرشح الحزب فى دائرة شرق القاهرة مصر الجديدة ضمن قائمة الوفد التى تدخل المنافسة فى مواجهة قائمة الحزب الوطنى الحاكم التى كانت تضم أسماء سياسية بارزة فى مقدمتها الدكتور زكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية والدكتور حمدى السيد نقيب الأطباء وقتها وثريا لبنة نقيب الاجتماعيين وذلك فى أول انتخابات تجرى فى مصر فى ظل القوائم الحزبية المطعمة بالمقعد الفردى فى عام 1987، ورغم أن كمال الطويل كان يمارس السياسة لأول مرة تحت القبة فإنه قد أعطى مذاقا خاصا للمعارضة الوفدية البيضاء التى لا تنطق من أحقاد وضغائن الماضى، ولا تصوب سهامها إلى سلبيات مرحلة سياسية كانت لها أيضا إيجابياتها، ومن مقترحات الطويل فى البرلمان تحديد النسل وذلك عن طريق ألا يتمتع الطفل الثالث بالمجانية، وأن يحرم الراسب فى الامتحان من الإعادة إلا بعد سداد المصروفات، كذلك ألا تتجاوز أى بطاقة تموينية 5 أفراد، وطالب بشدة بإنشاء الجامعات الأهلية كطريق وحيد لتقديم عمالة تحتاج إليها البلاد وليست عمالة مغلوطة كما هو الحال، ويشاء القدر ألا يكمل البرلمان مدته بعد الطعن بعدم دستوريته ليصبح عُمر كمال الطويل قصيرا فى عالم السياسة.. ثلاث سنوات أمضاها النائب الفنان فى البرلمان اختلف خلالها مع قيادات الوفد وكان قراره الأخير هو الاعتزال ليس بهدف الانضمام للأغلبية ولكنه كان قرارًا عبَّر عنه فى عبارة شهيرة كان يرددها: «لعن اللـه ساس ويسوس وسائس ومسوس».

حول مشواره الثرى فنًا ولحنًا وصداقة وسياسة وشعرًا قال الكثير الذى جمعتُ له من كل بستان زهرة مما قاله للصديق وللابن زياد ولأجهزة التسجيل ولكمال الطويل سر وعلانية:

«تخرج أبى فى كلية الهندسة وسافر إلى لندن للحصول على دبلومة بدرجة الماجستير فى تخصصه وتركنى وإخوتى مع أمى فى القاهرة وعمرى ثلاث سنوات، وغاب الوالد خمس سنوات أمضيت العامين الأولين مع أمى فى القاهرة لأنتقل إلى طنطا مسقط رأس أبى لأعيش مع عماتى، وأمضت أمى معنا عامًا كاملا ثم غادرت لزيارة أهلها فى الصعيد وتوفيت ودفنت هناك.. الشعور باليُتم فى الصغر أمر بالغ الصعوبة، وقد ازددت يُتمًا عندما عاد أبى وأنا على أبواب دخول المدرسة فقد أدخلنى مدرسة الأورمان الابتدائية القسم الداخلى.. طفل يتيم نحيل صغير السن وسط غابة من الأولاد الكبار حتى أن أحدهم عندما توفى والده العمدة تم ترشيحه وهو تلميذ ليخلف والده ويصبح عمدة! كنت أرهبهم وألهمنى المولى للتقرب منهم أن أغنى لهم ووصلت سمعتى إلى مفتش الموسيقى الأستاذ أحمد خيرت فضمنى إلى فرقة الموسيقي، لأصبح مطرب المدرسة وبدأ الطلبة يخطبون ودي، وفى احتفال آخر العام قرر الأستاذ خيرت أن أقود كورال الأناشيد على أن أحضر ببدلة سوداء رسمية والقميص الأبيض والبابيون، وخجلت أن أقول لأبى لِما يشوب علاقتنا من التحفظ والبرود فاستبدلوا بي طالبا آخر استطاع الحضور بالملابس الرسمية، ويومها صاح الأستاذ خيرت فى وجهى قائلا: (اجرى يا شاطر وبلاش لعب عيال) ومرضت من الحزن وأقسمت ألا تكون لى بعدها علاقة بالموسيقى، وانتهيت من المرحلة الثانوية فى السعيدية لألتحق بالفنون الجميلة قسم زخرفة لأُعين بعد التخرج مدرسًا فى الاسكندرية بمرتب عشرة جنيهات قبل الخصومات، وأقمت فى شقة على البحر بإيجار ثلاثة جنيهات وحاولت تدبير أمرى بالباقي، وسألت بعض الزملاء عن مكان للتسلية بعد العمل فنصحونى بزيارة بعض المحلات على الكورنيش، وكانت عطيات حسنى أخت الفنانة سعاد حسنى ووالدة سماح أنور تملك محلا كبيرا فيه المزيكا مع المشروب البارد والساخن بخمسة قروش فقط، وهناك تعرفت على القانونجى الأستاذ جمجوم الذى يمتلك معهدًا لتعليم الموسيقى نظير ثلاثين قرشا فى الشهر فالتحقت بالمعهد وتعرفت على اثنين من الموسيقيين المهمين: عازف الكمان أنور منسى والملحن رؤوف ذهنى الذى كان يعمل مديرًا لمكتب الأستاذ محمد عبدالوهاب وطلبا منى بعد التعارف زيارتهم فى معهد فؤاد (الموسيقى العربية) بالقاهرة.. وذهبت لزيارة أنور منسى فى المعهد وكان يعمل فى بروفة مع الأستاذ عبدالوهاب.. فتحت الباب ودخلت دون استئذان، وجلست منبهرًا وإذا بعبدالوهاب يوقف البروفة وينظر ناحيتى باستهجان وأسرع أنور منسى يهمس فى أذنه فعاود العمل لكننى قمت مغادرًا مكسورًا فقال لى منسى بعدها (لازم تعرف إن البروفة هى مطبخ الأغنية فيها يتم تبادل الرأى فى الجملة الموسيقية، وتدور المناقشات التى قد تحتد، وما يراه أو يسمعه المشاهد يكون بعد التلميع، وعبدالوهاب لا يحب أن يطلّع أحد من الغرباء على أعماله قبل نشرها)، وتمضى الأيام ويشاء القدر أن يتكرر الموقف ولكن هذه المرة يكون فيها الموسيقار هو الدخيل الذى دخل علينا ليحضر بروفة لحنى لأم كلثوم (لغيرك ما مدت له يدا) فى رابعة العدوية وإذا بأم كلثوم توقف البروفة حتى يخرج الأستاذ محمد عبدالوهاب..

بعد سفرنا أنا وحليم للاسكندرية فى إجازة العام الدراسى بالمعهد قمنا بتأليف أغنية خفيفة تقول (يا اسكندرية صبرك علىّ ضيعت المهية وبقينا فى ورطة قوية)، وتحمَّسَ حليم وذهبنا إلى شكوكو نسمعه الأغنية فقام بطردنا قائلا (إيه الأغنية الخواجاتى دى) والطريف أن شكوكو قام بتحديد إقامتى فى مركب نيلى بعدما أصبحت كمال الطويل ولم يتركنى ليلتها إلا بعدما قمت بتلحين مونولوج له يقول مطلعه (أحلف لك بشرفى وبمماتى)... صلاح جاهين فى تقديرى مات مكتئبا والتعبير الأصوب مات كمدًا، وهو كان عنده أحلام فى الحياة والحب والحُرية، وكان فيه تناقض بين صلاح وحليم، عبدالحليم كان يحب يعيش فى خيالات الحب وجميعها صناعة عبدالحليم حتى نكاد نقول إن 1٪ منها حقيقة و99٪ خيال وأحلام، والحب عنده معناه أن الناس كلها تحبه والبنات والنساء غارقات فى حبه وهذا كان يعطيه السعادة التى هى وقود شحنة الغناء عنده، أما صلاح فقد ظل فى حالة وجدانية شديدة جدًا لكنه لا يعلن ولا يفصح، وأكاد أقول إن أحزان سعاد حسنى كلها ارتبطت بفراق صلاح جاهين ليس بسبب الأغانى والسيناريوهات ولكنه كان بمثابة سندها فى الحياة... التقيت بعبدالمطلب فى إحدى الأمسيات بكافيتريا الهيلتون وأثناء حوارنا قال لى: لن تدخل التاريخ إلا من خلال صوت عبدالمطلب، لا تقول لى عبدالحليم ولا شادية ولا نجاة ولا أى أحد، عبدالمطلب هو اللى حيدخلك التاريخ، فقلت له أنا جاهز يا أبوالنور بس شوف لى كـلام حلو، فقام أبوالنور بإخراج ورقة من جيبه وقال لى: إيه رأيك فى الكـلام ده، وقريت (بتقول وتعيد لمين، وبتشكى لده وده، الناس المغرمين ميعملوش كده)، وبعد أيام كنا فى الاستوديو نسجل أغنية الموسم لعبدالمطلب (الناس المغرمين)..يوم تنحى عبدالناصر، كنا جميعا في منزل عبدالحليم، أنا والأبنودى وبليغ، وانهار بليغ، وراح يولول كالثكالى، وأذكر أن حليم سألني حنعمل إيه يا كمال!! قلت له: نعمل إيه، يعنى إيه، لابد من منعه ليتراجع..

كمال الطويل.. له عندى مكانة خاصة بعدما حوَّل أفكارى وقناعاتى إلى موسيقى وألحان وارتقى بألف باء الحروف درجات السلم الموسيقى لتغدو فا صول لا سى دو فى أول درس تلقنه سعاد حسنى لتلميذاتها فى مسلسل «هو وهي» الذى كتبت فيه إن البنت زى الولد وليست كمالة عدد، وعندما ثار أحمد زكى معلنًا توقفه عن العمل فى المسلسل بسبب موقفى الناعم المناصر للمرأة فى كتابة جميع الحلقات قام صلاح جاهين بترضيته بأغنية أودعها كمال الطويل طلقات رصاص الآلات الموسيقية الغاضبة: (لا لا اثبت.. متخليش ولا واحد يشمت.. ارسم على وشك تبسيمة اوعى تلف بجرحك تشحت.. لا لا اثبت.. البنت فى تفسير الأحلام دنيا سبحان العلاّم.. الدنيا طلعت غدّارة والحلم خديعة وأوهام.. فاهم.. اوعى تصدق أنثى.. المرأة خلاص إلغاء!! إعدام!!.. غشاشة من ضلع أعوج وزى البحر فى قلبه ضلام.. لا لا.. اثبت»..

و..الكل راح.. سعاد وأحمد وكمال وصلاح.. صحبة كنت أنا معهم.. راحوا.. وبقيت أنا لأجتر كل الأفراح.. وأكتب أنا عنهم.


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: