رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدين وقضايا التقدم

يعتبر الحديث عن الدين فى علاقته بقضايا التقدم والتنمية حديثاً شائكاً متعدد الأبعاد والزوايا، هذا فضلاً عما يرتبط به من تحيزات أيديولوجية ظاهرة وكامنة. ولن أدخل هنا فى سرد النظريات التى ألقت الضوء على هذه العلاقة؛ والتى تراوحت بين الحديث السلبى عن الدين فى علاقته بالتقدم، وبين الحديث الإيجابي. ولن أبدأ هنا من أى من هذه النظريات، ولكنى سوف أبدأ بطرح سؤال مهم: ما الذى نريده من الدين فى هذه الحياة الدنيا؟ واعتقد أن هذا السؤال حمال أوجه. فقد يذهب البعض إلى أن الدين هو طريق للعبادة وكفي، وقد يقول آخرون بأن الدين هو سبيلنا إلى الحكم القويم، وقد يذهب فريق ثالث إلى القول بأن الدين هو الذى يرجعنا إلى أمجاد الماضي؛ وقد يقول فريق رابع بأن الدين هو سبيلنا إلى تحقيق الطمأنينة والأمن فى المجتمع المعاصر... وتتعدد الإجابات والرؤى التى لا تنتهى طالما أن كل فريق يرى أنه صاحب الفكرة الأصوب والرأى الأكمل. والحقيقة أن هذا هو حال الخطاب الديني. فقد أكدت الدراسات، التى تصدت لتحليل صور الخطاب الديني، على تعدد هذه الصور، واختلافها الشديد، وهى اختلافات وإن كانت موروثة من الماضى فقد أضاف عليها الحاضر الكثير من الزيت الذى أشعلها وعمقها بشدة.

ويدلنا هذا التشظى فى المواقف والخطابات إلى أن ما هو أمامنا ليس الدين بوصفه يشكل مجموعة من المعتقدات والرموز المقدسة ذات الطبيعة المتعالية. فنحن هنا أمام تفسيرات للدين، وليس الدين فى حد ذاته، أو قل أمام أشكال من التدين انزل كل منها الدين من تعاليه وقداسته إلى عالم الحياة الدنيا، بما فيها من تشابك المصالح وتداخلها، وبما فيها من تعدد الأيديولوجيات وصراعها. وكذلك فإننا لن نستطيع أن نقول بصلاحية أى خطاب من هذه الخطابات، أو أى رأى من هذه الآراء. بل إن هذا الظرف يفرض علينا أن نعيد صياغة السؤال بحيث يسير على النحو التالي: كيف تساعد تفسيراتنا للدين فى صياغة الحياة الدنيا التى تمتلئ بالانجاز والتقدم الدائم إلى الأمام، والقدرة الفائقة على المساهمة الفعالة فى حضارة العالم المعاصر؟

إن المتأمل لهذا السؤال يجد أنه يختلف عن السؤال الأول من وجوه عديدة: فنحن هنا لا نتحدث عن دين وإنما نتحدث عن تفسيرات دينية أو خطابات دينية، ونتحدث بصيغة الجمع مما يدل على انتقالنا من عالم المطلق إلى عالم النسبي، من عالم السماء إلى عالم الأرض، هذا بالإضافة إلى أن هذا السؤال يؤكد الطريقة التى يساعد بها الدين فى بناء شروط التقدم. الأمر الذى يدل بشكل صريح على أن الدين فى حد ذاته ليس شرطاً كافياً للتقدم، وإنما هو شرط لازم؛ فهو يساعد ضمن عوامل أخرى مثل البحث العلمي، والتطوير التكنولوجي، وكل ما يتصل بعمليات إنتاج الثروة واستثمارها، وكل ما يتصل بتوفير سبل العيش الكريم لعموم الناس. وأخيراً فإن السؤال موجه لهدف نهائى وهو بناء التقدم أو الحضارة الزاهرة، مع التأكيد الدائم أن صناعة التقدم هى عملية بشرية بحتة، ولها مقدمات وشروط يفهمها البشر الآن وهم يتحدثون عن مجتمع المعرفة، أو عن التنمية المستدامة، أو عن الطفرة الحضارية، أو عن الإرادة السياسية القوية.

وأحسب أن فهم السؤال على هذا النحو هو الذى يمكننا من أن نحدد شروط الاختيار، وأن نحدد للدين مكانه الصحيح فى الحياة الحديثة، وأن نسعى إلى التخلص نهائياً من الخطابات التى تعارض التقدم وتتجافى مع روح الحضارة. وثمة عدد من الشروط العامة التى تحكم مسار الفكر، ومن ثم مسار الاختيار فى السعى نحو الإجابة عن السؤال الأساسى الذى طرحناه هنا. من هذه الشروط أن المجتمع الناهض الحديث يجب أن يقوم على توازن بين حقول الحياة المختلفة، ومن ثم فلا سبيل إلى أن يسيطر أحدها على الآخر، فى ضوء علاقات التخصص وتقسيم العمل. ولذلك فإن شرطاً مهماً لأداء الحقل الدينى أن يحقق درجة عالية من الاستقلال، وألا يسعى بحال إلى الوصاية أو الهيمنة أو صد التدفقات الحديثة للحقول الأخري. وإذ يسعى الحقل الدينى إلى ذلك فإنه يحقق شرطاً ثانياً وهو المساعدة فى بناء الدولة الوطنية المدنية الحديثة التى تتأسس على حكم القانون ومبادئ المواطنة والتعددية. ولا يجب أن تتأسس هذه المساعدة على أى شكل من أشكال التدخل فى شئون السياسة أو أى شأن آخر غير ديني، بحيث يظل الحقل الدينى عاملاً فى المجال الخاص للأفراد دون الدخول قط إلى المجال العام، ويكون سعيه مثله مثل كل الحقول إلى الحفاظ على الدولة الوطنية، وإلى تحقيق المصلحة العليا لها فى الحياة الكريمة وفى التقدم والازدهار. ومع كل هذه الشروط يتحول الدين إلى مظلة مقدسة تبقى هناك فى علياء، تبوح لنا بقيم إنسانية فاضلة تمكننا من أن نتكيف مع ظروف عصرنا وأن نحقق إنتاجاً رابياً، وأن نتعايش فى ضوء الثقة والاحترام والانجاز الذى لا تحده حدود.

ونستطيع فى ضوء هذه الاعتبارات أن نميز بين الخطابات الدينية الهدامة وبين الخطابات الدينية البانية والمشيدة، لا بل أن نحارب الخطابات الهادمة ونغلق أمامها كل أبواب الشر التى تفتحها، وأقصد هنا كل الخطابات التى تدخل الدين إلى عالم السياسة، وتفرض على عالم البشر وصاية وتسيداً وغلظة، فتمنع الحياة من تدفقها الطبيعي، وتفرض على الناس الدخول فى دائرة العنف والقتل والفوضي؛ كما أقصد كل الخطابات التى تركز على الشكل دون المضمون، والتى ترسم للبشر طريقاً نحو الماضى تارة ونحو القبر تارة أخري. وإذ نرفض هذه الخطابات نطمح فى خطاب يدرك مصالح الأمة، ويسبغ علينا قيماً تدفع المجتمع إلى بناء قاعدة من الإنتاج، ويحقق الحياة الكريمة، والمساهمة الحقة فى مسيرة الحضارة العالمية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: