رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فات الميعاد

تفيد بإيه يا ندم وتعمل إيه يا عتاب طالت ليالى الأمل واتفرقوا الأحباب وستاير النسيان نزلت بقالها زمان وعايزنا نرجع زى زمان قول للزمان ارجع يا زمان فات الميعاد وبقينا بعاد والنار بقت دُخان ورماد.. فات الميعاد على ما نقول للشمس تعالى تعالى بعد سنة مش قبل سنة دى ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة بكل العمر هو العمر إيه غير ليلة زى الليلة.. فات الميعاد على كلمة الحب اللى بيها تملك الدنيا وما فيها واللى تفتح لك كنوز الدنيا ديه.. فات الميعاد على ما تقولها لىّ وتقولها للطير للشجر لكل الدنيا.. فات الميعاد على قول الحب نعمة مش خطية وإن اللـه محبة والخير محبة والنور محبة.. فات الميعاد على دعوة يارب تفضل حلاوة سلام أول لقاء فى إيدينا وفرْح أول ميعاد تنقاد شموع حوالينا ويفوت علينا الزمان يفرش أمانه علينا ويارب لا عُمر كاس الفراق المرّ يسقينا ولا يعرف الحب مطرحنا ولا يجينا وغير شموع الفرح ماتشوف ليالينا.. فات الميعاد على ما كنت أتمنى أقابلك يوم بابتسامة أو بنظرة حب أو كلمة ملامة بعد ما نسيت الابتسام زى ما نسيت الآلام والزمن بينسى الحزن والفرح ياما.. فات الميعاد وكنت طول عمرى بخاف من الحب وسيرة الحب وظُلم الحب لكل أحبابه وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وأنين والعاشقين دابوا ما تابوا طول عمرى بقول لا أنا قد الشوق وليالى الشوق ولا قلبى قد عذابه وقابلتك إنت لقيتك بتغيّر كل حياتى مااعرفشى إزاى حبيتك ماأعرفشى إزاى يا حياتى.. فات الميعاد وأكدب عليك لو قلت بحبك لسّه وأكدب عليك لو قلت نسيتك همسة أُمّال أنا إيه قل إنت أنا إيه واختارلى برّ وأنا أرسى عليه إنت حبيبى عشان كنت حبيبى ولاّ حبيبى عشان لسّه حبيبي.. فات الميعاد.. ولم لا أحيا وظل الورد يحيا فى الشفاه ونشيد البلبل الشادى حياة لهواه لم لا أحيا وفى قلبى وفى عينى الحياة سوف أحيا سوف أحيا يا رفيقى ليس سرًا أن أيامى قليلة ليس سرًا إنما الأيام بسمات طويلة إن أردت السر فاسأل عنه أزهار الخميلة عمرها يوم وتحيا اليوم حتى منتهاه سوف أحيا سوف أحيا.. فات الميعاد وجايين الدنيا مانعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه مشاوير مرسومة لخطاوينا نمضيها فى غُربة ليالينا يوم تِفرحنا ويوم تِجرحنا واحنا ولا احنا عارفين ليه من غير ليه وعد ومكتوب أى واللـه وعد ومكتوب الدنيا لو مالت ميل ماتقولشى كتير ولاّ قليل قلبى عليك يا خىّ من حرقولة آى طيب يا صبر طيب يرحم زمان وليالى زمان والناس يا متهنى يا فرحان الدنيا كانت وردة وشمعة ولسّه مااخترعوش أحزان ساعات ألف أزف عرايس وساعات أدور مع نور عرسان ولما أقول شى الزفة تمشى ولما أقول هس كله سمع هس آه يا زمان العِبر سوق الحلاوة جبر وأعاتبك ليه وأنا باحبك عيونك سود وأقول مش سود عشان الناس تتوه عنك يا مزوق يا ورد فى عود والعود استوى والكحل فى عنيك السود جلاّب الهوى يا عايق ولا النوار يا مكحل عنيك أسرار يا جار الهوى يا جار يا أسمر يا جميل آه يا سمارة إنت أمارة م السما جاية ياأبوالخلاخيل ياللى المنديل راح ياكل من حاجبك حتة ياللى كعابك فوق قبقابك ورد فى ميه يابو المنديل أويه فى أويه دُخت يا خويا سمى عليّا كعبه محنى وكفه محنى والورد اللى فى خده محنى حتى شفايفه بلون الحِنة لون الفرح ولون الجنة قول يا عزول مهما تقول احنا حبايب وانت عزول يا حلو صبّح يا حلو طُل نهارنا فُل زغرودة حلوة رنت فى بيتنا لمت حارتنا وبنات حارتنا يا أمْةَ القمر ع الباب نور قناديله يا أمّه أرد الباب ولاّ أناديله يا أمْة القمر زعلان مسكين بقى له زمان عينه على بيتنا باين عليه عطشان وحد من الجيران وصفله قلتنا أسقيه ينوبنا ثواب ولاّ أرد الباب يا أمْة ماعدش فيها كسوف يا أمّه اعملى معروف قومى افتحى له الباب أنا قلبى إليك ميال ومفيش غيرك ع البال إنت وبس اللى حبيبى مهما يقولوا العُزال وقفوا الخطاب سنتين ع الباب مارضيش أبويا بعتوا المراسيل بكتير بقليل مارضيش أبويا لأجل نصيبى راح له حبيبى وافق أبويا لواحظ أختى خطبوها والفاتحة من بدرى قروها والشبكة من قبل ميعادها جونا الحبايب وجابوها يا بيت أبويا معزتك فى عنيه بيت العز يا بيتنا على بابك عنبتنا اوصفوا لى الحب يعمل إيه فى القلب بيحير بيغيّر آه يا خوفى لا حب بنحب يا ناس ومحدش فى الدنيا ماحبش ناوى على عِندى ومعزتك عندى فى العين دى والعين دى وبيّاع الهوى راح فين راح فين؟! إفرد جناحين الشوق وتعالى نطير على فوق نسكن مع نجمة بعيد مشغولة بحب جديد ولا حد هناك يسمعنا مهما نقول ولاّ نعيد ونطير نطير نطير زى العصافير..


مرسى جميل عزيز (1912 ـ 1980) ليس سرًا أننا نحيا على كلماته

فات الميعاد بعدما كان عبدالحليم حافظ بكلمات مرسى جميل عزيز يمثل رمزًا للحب بجميع ألوانه البهيجة، وكل الشعراء كتبوا حبًا ولكنهم جميعًا لم يكونوا فى عذوبة ولا طزاجة إحساس كلمات حب مرسى جميل عزيز على حنجرة حليم التى قال عنها إنها تماثل فى سلاستها ودخولها إلى القلب مباشرة حنجرة الشيخ محمد رفعت:

«يا فرحة كانت ماليه عنيه واستكترتها الدنيا عليّ فى يوم فى شهر فى سنة تهدأ الجراح وتنام وعمرى جرحى أنا أطول من الأيام حبك نار مش عاوز أطفيها ولا أخليها دقيقة تفوتنى ما أحسش بيها راح راح خد قلبى وراح خد أملى وراح خد نور أحلامى خد من أيامى كل الأفراح وبتلومونى ليه لو شفتم عنيه حلوين قد إيه ده مش نصيبى لكن حبيبى وأكتر شوية يا حبيبى كفاية أحبك وأرتوى من عطف قلبك يا خلىّ القلب يا حبيبى إبعد الخوف عن رموشك إوعى شيء فى الكون يحوشك أحبك كلمة بقى لها أيام وليالى يا عنيه يا قلبى جرى إيه الدنيا إحلوت كده ليه يا أصحابى يا أهلى يا جيرانى أنا عايز آخدكم فى أحضانى الحلوة برموشها السوداء الحلوة وعدتنى بحاجات حلوة ضحك ولعب وجد وحب وعيش أيامك عيش لياليك خللى شبابك يفرح بيك واسبقنى يا قلبى اسبقنى عالجنة الحلوة اسبقنى ودقوا الشماسى ع البلاج من الضحى لحد التماسى الحلو الغالى شغل بالى ولا عارف إيه اللى جرى لى ولا قادر أقول له على حالى قولوا له الحقيقة باحبه من أول دقيقة مغرور حبيبى كتير عايز أكلمه عايز أقول له كـلام يهديه ويفهّمه وإن ماسألشى فيّ يبقى كفاية علىّ عشت ليالى هنية باحلم بيه وياما قلبى داب من عذاب الحب ياما بكرة خلاص هاأقول لها روحى لها عقلى لها أيام بتبعد وأيام بتوعد ولا بُعد يغنى ولا وعد يسعد ع اللى جرى لى يا أبوقلب خالى.. ويحلى الكلام على سبع لكن سبع شرقاوى الاسم الأدهم ولكن نقبه شرقاوى حكايته ياللعجب فيها العقول بتتوه ومنين أجيب ناس لمعنات الكـلام يتلوه ومن بعد الأدهم ح تطرح أرضنا ثوار يردوا المظالم كلها فى نهار ومن بعد الأدهم ح تطرح أرضنا بساتين أنوارها تكتر وتتبعتر على الملايين».. ويرحل عبدالحليم حافظ عام 1977 ليكتب مرسى جميل عزيز فى ذكراه الأربعين قصيدة بالفصحى جاء فيها: «أربعين ليلة مضت كفجرها النائى المزار/ ونحن فى انتظاره يهل فى نسمة عطر من شذى أحلى الديار/ وعن قريب يا حليم تلتقى أحضاننا ولن يطول الانتظار».. ولم يطل الانتظار فقد لحق به مرسى «الشرقاوى» شاعر الألف أغنية فى 1980 أى بعد ثلاثة أعوام فقط فى التاسعة والخمسين ليدفن فى مسقط رأسه بالزقازيق التى حصل فيها على البكالوريا ثم التحق بكلية الحقوق لتتفتح مواهبه الفذّة فتذاع له أول أغنية باسم «الفراشة» من تلحين رياض السنباطى، ويفيض نهر العطاء بإشارة البدء عندما كتب « يا مزوق يا ورد فى عود ليغنيّها عبدالعزيز محمود ليتصدر بعدها ساحة الغناء والطرب عن جدارة واستحقاق بعدما ترك بصماته الواضحة على الأغنية العربية عبر أرخم وأقوى وأشجى وأحلى وأرق وأعذب وأجمل الأصوات العربية بداية من أم كلثوم، ومرورًا بفريد الأطرش وفيروز وفايزة أحمد وأحلام ومحرم فؤاد ونجاة ومحمد فوزى ووردة وكارم محمود وصباح وعبدالحليم حافظ و.. محمد عبدالوهاب الذى غنى من كلماته «من غير ليه»، وبالأرقام غنى له عبدالحليم 24 أغنية، وشادية 12 أغنية، ونجاة 12 أغنية أولها «يا أسمر يا أسمرانى» وآخرها «الليلة دى»، أما فريد فغنى ست أغنيات هى «يا حبايبى ياغاليين» و«اسمع لما أقولك» و«قلبى وعينى اختارو» و«متحرمش العمر من عطفك علىّ» و«أنا وانت ولا حد تالتنا» و«زمان يا حُب»، وغنت له وردة من تلحين محمد عبدالوهاب «لولا الملامة» وبعد رحيله غنت له «أكدب عليك» تلحين الموجى و«يا خبر» تلحين حلمى بكر، وكانت «سوف أحيا» هى الأغنية الوحيدة التى غنتها فيروز لشاعر مصرى معاصر..

على مدى عمر قصير كالشهاب قرأ وكتب وصور وقال الكثير مرسى جميل عزيز، ومما قاله فى عام 1960: «أنا عاوز أكتب اللى أنا عاوزه لأنى هاوى، وهم عاوزينى أكتب اللى هم عاوزينه. أن أنقلب لمحترف.. لا.. أنا ح أرجع لشغلى القديم أعيش عليه وأكتب اللى أنا عاوزه. عجبهم كان بها ماعجبهمشى يبقى أرضيت هوايتى ومزاجى.. بالطبع أجدى لى عملى بالتجارة فأنا قبل ما انقطع للتأليف كان عندى تلات عربيات فى وقت واحد، وعلى تلك العربيات تعلم عبدالحليم وكمال الطويل القيادة، وبعد ما أصبحت مؤلف أغانى محترف أصبحت أملك مكانا فى كل الأوتوبيسات والتاكسيات. أهم شىء إنك تحس بعملك، إنه يعجبك انت قبل ما يعجب الناس. أكثر عمل أعجبنى فى يوم فى شهر سنة، أما الأغنية التى شعرت بإساءة الملحن لكلماتى فيها فكانت «يا وحدتى يانا» التى غنتها فايزة أحمد ولحنها الموجى، والحقيقة إن الموجى بالنسبة لى أريح وأقرب إلى فهم كتاباتى.. محمد عبدالوهاب هو المستثنى عن النقد فى مسألة الأصوات، ليأتى من بعده عبدالحليم الذى جَمَعَ بين حلاوة الصوت وإعجاز الأداء والحساسية المتناهية لدرجة أنى أراه فى الأداء امتدادًا متطورًا لتلاوة الشيخ محمد رفعت، ولا آخذ عليه سوى إطالته للأغانى على المسرح، فالأغنية بعد سنوات قليلة لن تطول عن ثلاث دقائق فقط، وهذا لا يمنع من أن صوت فريد الأطرش يبهرنى ويهزنى، أما بخصوص محمد قنديل فهو فى رأيى من أخطر الأصوات فى تاريخنا، وصباح صوتها أنيق مثلها، وفايزة أحمد صوتها «أركز» منها، ونجاة لديها قيم جمالية متفردة فى صوتها وستظل تفاجئنا بكنوزها مع مولد كل أغنية جديدة، وأرى فى أغنية «أيظن» أنها قفزة بشعر الغناء العربى، ولقد جعلَ نزار قبانى للكلمة العربية ظلالا وألوانًا، وأبرز الطاقة الإيجابية فيها كما لم يفعل أى شاعر فى تاريخنا.. وأرى نزار قبانى أهم شعراء العربية بعد شوقى مباشرة.. وبالنسبة لى استفدت من كل من سبقونى لأستطيع أن أكون صاحب شخصية مستقلة، وقد حفظت المعلقات السبع فى العاشرة من عمرى وتأثرت بعمر بن أبى ربيعة، والشريف الرضى، وأبونواس وبيرم ورامى، وكتبت من الأغانى الوطنية من الموسكى لسوق الحميدية، وحموى يا مشمش، وحى على الكفاح، وع الزراعية، ويا ليلة بيضاء، وأغنية محمد فوزى بلدى أحببتك يا بلدى حبا فى اللـه وللأبد/ فثراك الحر تراب أبى/ وسماك تزف صبا ولدى/ أهواك ضفافا لم تزل/ مرعى للحب وللغزل/ أهواك ربيعا كالأزل/ للعيش الحلو وللرغد.

ماتت أمى وعمرى سنة وشهران لأنادى زوجة أبى شفيقة على أنها أمى، وكانت أمنية الحاج جميل بعدما أفك الخط وأتعامل مع جدول الضرب أن أعمل معه فى تجارته التى يكسب فيها من جنينة الموالح فقط فى كل موسم ألف جنيه، وكانت فلسفته إن آخرة العلام إيه غير الوظيفة أنا أقدر أدفع لك يا ابنى يا حبيبى كل شهر مرتب عشرة موظفين، وظل يطاردنى بفلسفته المادية تلك كلما دخلت مرحلة من التعليم حتى الجامعة.. فى سن 12 سنة وأنا فى الثالثة ابتدائى شبك الهوى قلبى وقلت فى حبيبتى شعرا منه:

وأنى يكون النوم والدمع هاطل

وطيف الحبيب أمام عينى ماثل

واختلف أساتذة اللغة العربية فى المدرسة حول ما إذا كان البيت موزونًا أم مكسورًا، وأصبحت زبونًا فى مكتبة الزقازيق ودرست عروض الخليل بن أحمد، وبعد سنة نافسته فى بحوره لأنى مؤمن بالاجتهاد فى تقصير البحور أو تطويلها، وعندى أن أى تركيبة تفعيلات تقبلها الأذن ويلتزمها الشاعر فى قصيدته من الشِعر السليم.. كان قرارى فى كتابة الأغنية أن أبدأ بالمألوف ثم أجر الأذن إلى آفاق جديدة، فكتبت «ياليالى ملاح» وغنتها شافية أحمد وفاطمة على كما غناها كارم محمود، وغنى لى محمد عبدالمطلب «باصعب على روحى» فى فرح إحدى بنات المنصورة وبعدها غناها فى فرح ابنتها، أى أن الأغنية صمدت لجيلين تباعًا. قمت بكتابة عدد من الأغانى الفردية الفلكلورية رفضتها الإذاعة المصرية وقبلتها محطة الشرق الأدنى، وكان أجرى عن الأغنية 150 قرشًا أضعها فى جانب بارز من محفظتى بعيدًا عن عشرات الجنيهات مكسبى من تجارة الفاكهة، وأصرف منها فقط فى المناسبات التى تمس أهميتها قلبى.. فى السنة الثانية بكلية الحقوق طاردنى أبى وعرض عليّ مبلغ 6 آلاف جنيه رأسمال أفتح به شونة بطيخ فى المنصورة، ولم يهن علىّ أن أغضبه هذه المرة أو أغضب المبلغ الجسيم، فقبلت، وكنت أكسب يوميًا فى المتوسط مائة جنيه أصرفها ببذخ لأخرج فى نهاية المدة مدينًا لبعض التجار بعدة ألوف.. تزوجت فى عام 1946 ابنة أحد أصدقاء أبى فى حلوان ولى منها ثلاث بنات وولد ـــ «اللواء مجدى والراحلة وجدان المحامية بالنقض، والدكتورة ماجدة أستاذ الفلسفة بآداب طنطا والدكتورة نهاد أخصائية طب الأطفال بالتأمين الصحى» ـــ الزواج لا يضر الفنان. أيضا لا يفيده. إنه كالنظر إلى الحجر لا يدمى عينيك ولا يعكس الصورة! بدأت فى تلك الفترة مع حنجرة عبدالعزيز محمود لونا جديدًا من الغناء الشعبى الممتزج بالعصرية: جلاب الهوى، وكعبه محنى وغيرها، وقامت القيامة ليقول عبدالوهاب: «ده رجوع لعصر الحريم والقباقيب» وكتب عبدالمنعم السباعى فى روز اليوسف: «المؤلف لقيط غنائى» لكن الناس أقبلت على هذه الأغانى لتطلبها من الإذاعة بإلحاح، ونشأت طبقة جديدة من المطربين يرددونها فى الأفراح.. لم أصعد على أكتاف مطرب أو مطربة، بل الكتف فى الكتف.. فايزة صباح عبدالحليم.. قلت له مرة عندما سمعته فى قعدة خاصة سنة 1951 انت خطير!.. قال لى ببسمة أمل: يعنى حيبقى عندى شيفروليه؟! قلت له: جراج بحاله خلال سنتين على الأكثر.. واتحد الفرسان الخمسة حليم والموجى والطويل وحلمى حليم وأنا، وكتبت لحليم أغلب أغانى أفلامه من أول «يا قلبى خبى» فى فيلم «أيامنا الحلوة» إلى باحلم بيك فى فيلم «حكاية حب»، ثم انفرط عقد الفرسان الخمسة، والمسئول عبدالحليم الذى ابتعد، ولم يكن بيننا من يسمح لنفسه بأن يجرى وراءه، وظلم الموجى فى أحاديثه الصحفية لحساب الطويل.. أنا فنان وتاجر، ولهذا أعتز بمقدار أجرى عن الأغنية التى دخلت ميدانها وأكبر أجر لمؤلف 10 جنيهات، واستطعت أن أتقاضى من صباح 200 جنيه عن أغنية «م الموسكى»، بينما تقاضت هى من الإذاعة مع فرقتها الموسيقية 80 جنيها فقط، وأرقامى الآن 500 جنيه عن الأغنية، والاسطوانة 1700 جنيه التى قبلتها عن أغنية «سيرة الحب»، وهم يقولون عنى «جزار»، لكنى أعتبر المسألة شطارة فى تسويق فنى.. أعتز بأن أم كلثوم غنت لىّ «سيرة الحب» وترنمت فيروز بكلماتى «لم لا أحيا».. أخيرًا حصلت على دبلوم معهد السيناريو بتقدير جيد جدًا.. وحدى من دون كل الفنانين أعيش فى الزقازيق على بعد 100كيلو من القاهرة! حسبت مشاويرى إلى القاهرة ذهابا وإيابا فى 27 سنة من الاشتغال بالفن فوجدتها 48 ألف كيلو، أى أننى درت حول الكرة الأرضية حوالى 12 مرة، يعنى رائد فضاء «أرضى» مثلى ألا يستحق من الدولة شقة فاضية فى القاهرة بدون خلو رِجل.. مشغول الآن بفيلم «أبى فوق الشجرة» مطلوب منى أكتب فيه لعبدالحليم ثلاث أغنيات، لكن عبدالحليم تايه عن نفسه ومتوهنى معاه! مش عارف أكتب كلمة له، مع أنى قبضت 1500 جنيه وصرفتهم والحمد للـه.. مصادر إلهامى أن عندى القدرة على أن أستلف بخيالى أى بنت حلوة شفتها أكتب بها أغنية وأرجعها مطرحها تانى! الخناقات العائلية أيضًا مصدر مهم! كذلك صوت فيروز وموسيقى أخوان رحبانى أعتبرها «عدة شغل»!.. أما حول الصدق الفنى فإن أجمل الشِعر أصدقه فنيًا وأكذبه منطقيًا، وحول الحدود بين الإلهام والتأثر والاقتباس فالإلهام حالة نورانية توصل الفنان إلى فكرة غير مسبوقة، وهى لحظات نادرة بالنسبة لأى فنان، والتأثر هو فى الغالب الطريق الطبيعى الذى يلد به الفنان فنه، فهو لاشك يتأثر بتجاربه وتجارب الآخرين، وعن الاقتباس فهو نقل أو ادعاء ببنوة أطفال الغير، وهى حالة إفلاس لابد معها من الاعتزال، وفى مسألة الإلهام فإنه بالطبع يتأثر بالجوع والشبع فأنا أجن إذا لم أجد الثلاجة مرصوصة بأنواع الطعام، وقد لا آكل طوال يومين، لكن مجرد وجود الطعام يعطينى إحساسا بالأمان. لا أقبل تدخلا فى كلماتى حتى ولو من محمد عبدالوهاب ذاته فتدخله فى الأغانى داء قديم منذ بداية حياته عندما أخذ من «أبوبثينة» أغنية «لما انت ناوى تغيب علطول مش كنت آخر مرة تقول» فقد كان الأصل شيئا آخر هو: «لما انت ناوى تغيب علطول/ طب كنت ليه بتطمعنى/ مش كنت آخرة مرة تقول/ وأودعك وتودعنى»، وعندما ضاق أبوبثينة بهذا الأمر ترك لهم «الشغلانة» ولم يعد يكتب الأغانى لأحد من المطربين...فى كل بلاد العالم تسمع الأغنية الواحدة وعلى الأخص الناجحة من أكثر من مطرب ومطربة وبأكثر من أسلوب مما يضمن لها أكبر عدد من الأمزجة والمستمعين لأطول وقت، فى لبنان مثلا تسمع أغنية «يا غايبين» من وديع الصافى ونجاح سلام وصباح، وأغنية «يا حنينة» من فيروز ونور الهدي، وهو ما يحدث فى كل بلد إلا مصر، فالأغنية ترتبط بمطربها ارتباطا لا يسنده عرف ولا قانون، فالدنيا تقوم ولا تقعد لأن سعاد محمد غنت نهج البردة، ونجاة غنت «ليه خلتنى أحبك، ولو رجعنا للوراء لسمعنا أغنية «شبيكى لبيكى» من صالح عبدالحى والشيخ أمين حسنين والشيخ زكريا أحمد، بل إن الكثير من أغانى أم كلثوم القديمة مسجلة على اسطوانات بأصوات ملحنيها الشيخ أبوالعلا محمد والشيخ زكريا، بل كانت شركات الاسطوانات تفضل تسجيل الأغنية الناجحة لأكثر من مطرب عن تسجيل الأغانى الجديدة ومثال كشركة الجرامافون التى سجلت أغنية «البنت الشلبية» لكل من عبدالحى حلمى ويوسف المنيلاوى وسيد الصفتي، كما سجلت أغنية «آه يا أسمر اللون» بصوت نعيمة المصرية وزكى مراد والد ليلى مراد.. إنها دعوة منى لسماع نجاة فى «رايداك والنبى رايداك» ومحمد قنديل فى «كل ده كان ليه» وحورية حسن فى «مال الهوى يامه» إن على الإذاعة الإقدام على تلك التجربة فى أغانيها المعروفة على أن تكون مقدمة لإعادة النظر فى غيرها من الأغانى التى قضى عليها سوء اختيار الأصوات وولدت ميتة وهى جديرة بالحياة.

صاحب الكلمات الحيّة الغنية المليئة بالمعانى والصور والانفعالات التى تنافس قوة النغم اللحنى، فمع كلمات مرسى جميل عزيز لا يأخذك اللحن من الكـلام أبدا، بل يظل الكـلام فارسا مغوارًا يركب اللحن ويلجمه مهما يكن اللحن حصانا جموحا.. شاعر أجلسته كلمته فوق القمة ومنحته صولجان الريادة.. شاعر كان من أيسر اليسير عليه أن ينشر دواوينه بالفصحى، وأن يواصل الكتابة بها ليُسجل لنفسه مكانة تتجاور وتتجاوز كلا من الشاعرين على محمود طه وإبراهيم ناجى وغيرهما، ولكنه اختار العامية يتغنى بها فى سبيل أن يرتقى بالذوق الشعبى إلى مستوى الشعر الرفيع ليستمع إليه كافة القوم بجميع مستوياتهم ومراتبهم ليجد كل منهم فيها إثراء لمشاعره وتعميقا لوجدانه..

شاعر يعب من بئر البساطة الشعبية سيلا من البلاغة الفلكلورية الفذّة فى منطقها ومنطوقها ولهذا فأنت تسمع كلماته فكأنها ليست من التأليف فى شيء، بل كأنها فلكلور صرف شارك فى تأليفها عقل جماعى تصب فيه مشاعر التجربة الإنسانية الجمعاء.. شاعر قال فيه الأديب يحيى حقى كلمة حق وعدل: «من الظلم ألا يدرس مرسى جميل عزيز كشاعر مرهف الحس بارع الإشارات حلو العبارة يعنى أشد العناية بوحدة الأغنية وضرورة احتوائها على معنى جديد.. إنه يعبّر عن الحب أدق تعبير، وعن الجنس بأجمل الكلمات، انظر إلى الفتاة عنده، إنها تبث دائما همها إلى أمها فأحس من هذه المناجاة بطبيعة الشعب وأشجانه. إن مرسى جميل عزيز شديد الالتصاق بالشعب وفى شعره ملامح فلكورية».. ويرجو الأديب الكبير أنيس منصور من الزميل الشاعر مصطفى الضمرانى أن يحقق له لقاءً مع مرسى جميل عزيز الذى اكتشف مع طول المدة والسماع أن لا أغنية هناك تشده كلماتها وخصوصية مصريتها وأجواؤها وطلاوة عباراتها وحبكة صياغتها وخصوصية مصريتها إلا وصاحبها هو الجميل العزيز..

وتصوروا.. تخيلوا أن صاحب هذا الكم من العطاء الفنى الذى يفوق فى ضخامته جبل المقطم بذله الشاعر مرسى جميل عزيز للأغنية المصرية يأتيه يوم عاصف منكود تلهب فيه نيران الحقد مسيرته، تحاصره، تطارده، تريد أن تأكله لحما وترميه عظاما، تنهش تاريخه، تتهمه فى أمانة كلماته لتقوِّض بنيانه الشامخ.. وبدلا من أن يجلس الفنان ليطرز الخيال بخيوط الجمال، ويزوّج الأطياف برحيق الوصال، وينطق الحب عشقا والحلاوة لقاء والابتهالات رجاء، فإنه يجلس ليكتب رسالة باكية غمس فيها قلمه فى جرحه لينزف سطورا دامية يضعها أمام رئيس تحرير مجلة الإذاعة وقتها ـ نوفمبر 1961 ــ الكاتب الكبير حلمى سلام يقول فيها:

«تحية وبعد.. لا أعرف بالضبط لماذا اخترتك أنت بالذات لأسألك النصيحة؟ ربما للنزاهة المطلقة التى لم تتخل عن سطر واحد مما قرأته لك. وربما لأنك الصحفى الكبير الوحيد الذى لم تربطنى به صلة أو صداقة.. بعد أن سكت الأصدقاء والمعارف. وربما أنك حين تعرضت بالنقد لبعض أعمالى لم استشعر أى هوى فى نفسك، ولا أى رغبة فى التجريح. وربما لأنك الصحفى الوحيد الذى ألقى بكثير من الضوء على ضعاف النفوس من المنتسبين للصحافة.. المهم.. أنى شعرت أنه لابد أن أكتب. وأن أكتب إليكم أنت بالذات.. ماذا جرى فى الدنيا؟ وكيف تمكن «الشر» وبهذه البساطة من أن ينشر ظلاله السوداء على مسيرة رجل شريف؟!! صفحات.. وصفحات.. وصفحات من جريدة يومية كبرى، تتناول اسمى، وشرفى وسمعتى بفاحش القول، وأقذر السباب «السارق»، «اللص»، «القرصان».. صاحب «العود الأعجف»، وغير ذلك الكثير مما لم تطلقه الصحيفة على عصابات «الخط» و«سويلم» ولا على «الجواسيس» الذين باعوا ضمائرهم، وباعوا أوطانهم، وحكم القضاء بإعدامهم!! أجل. ماذا جرى فى الدنيا؟! وماذا أقول.. وماذا أفعل؟ قالوا: لا تفعل شيئا لأنك لا تستطيع إلا أن تسكت، وتتحمل الصفعات صاغرًا لأن اثنين ممن يديرون «الحملة» ضدك صحفيان.. وهناك شبه اتفاق بين الصحفيين على كتم أنفاس كل من يتعرض لصحفى ظالما كان أو مظلوما. لكننى لا أستطيع أن أصدق مثل هذا الكـلام!... حاولت الرد. حاولت الدفاع عن نفسي. عن شرفي. وسمعتى فنُشرت كلماتى مشوهة ومبتورة وبأصغر بنط فى أسفل الصفحة، بينما نشر فحشهم، وسبابهم، بالعناوين الضخمة وفى أماكن بارزة!! بل إنهم نشروا مقالا طويلا عريضا جعلوا عنوانه بعرض الصفحة وملأوه بالسباب والشتائم.. وفى أسفله «برواز» انظر صفحة كذا، ولم يفتهم إلا أن يكتبوا على الصفحة الأولي: «عدد خاص عن مرسى جميل عزيز»!! ماذا أفعل؟! ماذا أقول؟!.. لقد أرسلت إلى رئيس التحرير شيكا بخمسمائة جنيه، وطلبت منه أن يتفضل بتشكيل لجنة من كبار أدبائنا ونقادنا وبعض أساتذة الجامعات لفحص ذلك «الكتاب» الذى يزعمون أنه تحت أيديهم وفيه مطلع أغنيتى «يامه القمر ع الباب» وأيضا لفحص عشرات الأغانى التى يدعون أننى ــ والعياذ باللـه ــ سرقتها.. ثم لفحص حوالى خمسمائة قصيدة وأغنية أضعت فيها ثلثى عمرى ـــ وليتنى ما فعلت ـــ فإذا أدانتنى هذه اللجنة فى مطلع واحد لأغنية من كل إنتاج حياتى كانت الـ500 جنيه حلالا عليهم.. مثلما أصبح «شرفى» نهبا لهم!! فهل أسكتهم هذا التصرف الذى ظننت أنه سيخرّس ألسنتهم؟!! أبدًا لقد نشروا، فى نفس العدد وبالخط العريض جدًا مزيدا من الشتائم.. ومزيدا من الاتهامات التى يعلم اللـه ــ وحده ــ كيف وأين يدبرونها!. ماذا أفعل؟! وماذا أقول لمئات الألوف من الناس الذين ظلوا يستمعون لأغنياتى، ويرددونها وينفعلون بها لأكثر من عشرين سنة؟!

وماذا أقول لأبنائى الذين أخذوا يقرأون أن أباهم «لص» و«قرصان شعر وأغانى»؟!.. هل حدث شىء كهذا، من قبل فى تاريخ صحافتنا؟! ثم. ماذا أفعل وأنا هنا فى الزقازيق يفصلنى عن ليالى القاهرة وشلل القاهرة أكثر من ثمانين كيلومترًا؟! تصور يا سيدى أن أحد الزملاء الصحفيين نشر فى مجلتكم دفاعا عنى قال فيه: «إن مرسى جميل عزيز ليس أول من سرق.. ولا هو آخرهم ــ سامحه اللـه ـ فقد ذكرنى بالذى قال لصاحبه «صباح الخير يا أعور» فرد صاحبه: «انت بتصبح ولا بتعاير؟» ماذا جرى فى الدنيا. وماذا أفعل؟. هل أرفع قضية؟. وماذا تجدينى القضية؟ هل سآخذ تعويضا؟ ولكن التعويض «مال» بينما الشرف والسُمعة شيء أكبر بكثير من كل المال، ومن أى مال.. وسؤالى الآن لك.. هو ما رأيك أنت؟.. وما حكمك الشخصى على هؤلاء القوم الذى سوغوا لأنفسهم ولأقلامهم أن ترمى مواطنا شريفًا بأحط التهم وأقذر الكلمات! لاشك أنى أطلت عليك، لكن عزائى أنى أزحت عن صدرى بالكتابة إليك، بعض «الظلم» الذى أحس به يكاد يخنقني.. وختاما أدعو لك. ولكل مواطن شريف. بالنجاة من كيد الخائنين.. وحقد الحاقدين».. الإمضاء: مرسى جميل عزيز.. وتبعًا لرغبة الشاعر المكلوم عقدت لجنة تحكيم مكونة من د. على الراعى ود. لويس عوض والشاعر صلاح عبدالصبور ود. عبدالقادر القط ود. محمد مندور فى أول يناير 1961 وبعد الاستغراق فى الفحص والمقارنة وتبادل وجهات النظر والاتجاه العام لتهدئة الأمور تمت تبرئة الشاعر الكبير مرسى جميل عزيز من كل اتهام حاقد خبيث موتور، وصنفت الاتهامات الكاذبة بأنها غير مهنية وتجنٍ فاق الحدود سعيًا وراء خبطة صحفية مثيرة قد يكون من خلفها مكيدة مدبرة سلفًا لغرض فى نفس يعقوب لم تطلع عليه اللجنة بحال من الأحوال..

وأمر طبيعى أن لسعة الظلم حارقة حتى النخاع، فما بالها إذا ما تعرض لآلامها النفسية وتوابعها فنان فى رهافة مرسى جميل عزيز، ليظل معتكفًا داخل جدرانه غير مصدق لما جرى، وما قد جرى يعيده شامخا لميدانه بعدما دبت الأنيميا مع غيابه فى أوصال الأغنيات.. عودة للشرقاوى حفيد الأدهم فارس الكلمة وسيدها ليشدو بها حليم وفايزة ونجاة وفريد وصباح وأم كلثوم سيدة الغناء.. الجميل العزيز الأصيل مع عودته الظافرة يحصل على وسام الجمهورية للفنون والآداب عام 1965 من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وتطلق محافظة الشرقية اسمه على شارعه بالزقازيق ومحافظة الاسكندرية اسمه على طريق يقود لمسكنه المطل على البحر.. وأبدًا لن يفوت الموعد.. ويبقى لعطر الزمان مذاقه الخلاب فى كأس شربات تقدمه نجاة «وأدوّب لك فى شرباتى شفايف الورد وأقولك دوق دوق حلاوة الحب»..

 

[email protected]


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: