رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شركات ما بعد العملاقة

صباح اليوم الخامس من سبتمبر الحالى كان الخبر الأول فى نشرات الأخبار الأمريكية أن شركة أمازون تجاوزت قيمتها تريليون دولار؛ وعلى سبيل التذكرة أنه منذ أسابيع قليلة حازت شركة أبل على شرف التريليون الأول.

لم يكن الخبر الجديد مفاجئا، فقد كان متوقعا أن ثلاث شركات فى طريقها إلى هذه القيمة العظمى وهى أمازون وجوجل وفيس بوك. لن يمر وقت طويل، وربما قبل أن ينتهى العام، فإن أربع شركات عالمية سوف تزيد قيمة كل منها على التريليون الذى هو كما نعلم ألف مليار، وبالمعايير المصرية فإن كلا منها سوف تكون قيمتها ثلاثة أمثال القيمة الاسمية للناتج المحلى الإجمالى المصرى أو مثله مقوما بالقدرة الشرائية للدولار، أو ما يساوى مجموع السلع والخدمات فى دولة بكاملها تقع على مساحة مليون كيلومتر مربع من الأرض ويعيش فوقها 100 مليون من البشر.

لاحظ هنا أن هذه الشركات لا تملك لا آبار للبترول أو الغاز أو مناجم للماس أو الذهب أو الحديد أو النحاس أو اليورانيوم. وللعلم فإن شركة أبل التى كانت فى الأصل تنتج أنواعا من الحاسبات (الكومبيوتر) فإن مصدر ثروتها الأساسية الآن هو دكان آبل الافتراضى الذى يستحوذ على مبيعات 80% من التطبيقات التى تستخدم على التليفون المحمول؛ أما فى الموسيقى فإنها تستحوذ على الثلث.

شركة جوجل لديها الآلة التى من خلالها يمر 9 من كل 10 مستخدمين؛ وعلى الفيسبوك يوجد ملياران من البشر؛ أمازون حازت وحدها على نصف كل ما ينفقه الأمريكيون على الشراء الإلكتروني، هى بالتأكيد أكبر سوق عرفته البشرية.

هذه الشركات مختلفة بشكل جذرى عن كل الشركات العملاقة التى عرفتها البشرية من قبل. فى القرن التاسع عشر، ونتيجة الثورة الصناعية الأولي، كانت شركات الحديد والصلب هى العملاقة لأنها باتت تبنى السفن، ومن بعدها فى القرن العشرين السيارات، ومعها أدوات المطبخ. وكما حدث مع الحديد جرى مع الألومنيوم وكوابل النحاس حتى جاء البترول لكى يحرك ذلك كله فباتت الشركات التى تشمل استاندارد أويل وشل وإكسون موبيل وأخواتها تتصدر قائمة الشركات العملاقة فى العالم.

هذه الشركات ارتبطت بالثورات الصناعية الأولى والثانية، وكلها قامت على منتج محسوس يقوم به من يوفر الأرض ورأس المال والعمل كما هو معروف. وهى معادلة أنتجت فكرا يقوم على تقسيم العمل والتناقض أيضا بين الطبقات ومن ثم ينحو إلى إعادة توزيع الثروة حسب نصيب كل طرف فى العملية الإنتاجية. الشركات الأربع ليس فيها عمال بالمعنى التقليدى للكلمة، ومن زار مقارها وجد أن العاملين والموظفين بها يعملون فى نوع من الحدائق التى تنتشر فيها الجماعات للحديث عن الابتكارات وتطبيقاتها ثم تصديرها إلى السوق فى كل أنحاء العالم.

فى الأزمنة القديمة كانت العولمة تتم عن طريق شركة الهند الشرقية أو شركة كوك للسياحة على سبيل المثال حيث ينتقل المنتج من نقطة فى دولة إلى نقطة أخرى فى دولة بعيدة لديها جمرك على البضائع والسلع والكلام أيضا. الآن فإن عشرات المنتجات تعبر الحدود والثقافات فوراء الشركات الأربع يوجد طابور قصير من الشركات المشابهة مثل على بابا الصينية، وسبوتفاى للموسيقى ونتفليكس للأفلام وكلها حتى وقت قريب لا تقبل لا صعوبة ولا حواجز بين دولة وأخري.

فى هذه الشركات الجديدة لا مجال لحديث لا عن صراع الطبقات ولا عن فائض القيمة حتى وقت قريب عندما بدأت الدول البحث عن طريقة تفرض بها الضرائب، أو تمنع فيها الاحتكار لمنتج بعينه.

ورغم أن ألمانيا وأمريكا اخترقتا هذا المجال فإنه لا يزال معلقا عما إذا كان واجبا على شركة أبل أن تفك شفرة تليفوناتها إذا ما كان حامل المحمول قد ارتكب جريمة من نوع أو آخر؟ ما جعل الموضوع أكثر تعقيدا من أى وقت مضي، أن الشركات ما بعد العملاقة تستحوذ على الكم الأكبر من المعلومات فى الكون كله، وهو ما يعنى النسبة الأكبر من سوق الإعلانات، وهى معلومات يمكن أن تستخدم ليس لمطاردة شخص، وإنما مطاردة مجتمعات، وأحيانا التدخل فى الانتخابات العامة كما جرى أخيرا فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

وحدث الأمر نفسه فى العديد من الانتخابات الأوروبية وفى التصويت على الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى بريكسيت. الخلاصة أن عددا محدودا من الشركات، وليس الدول، تستحوذ على سر أسرار الدول عما يفعله ويفكر فيه الشعب والجماهير والأحزاب والجماعات بكل أنواعها على مدى الساعة؟ هناك خطر ما بلا شك كما حدث مع كل الشركات العملاقة فى الماضي، ولكن الشركات ما بعد العملاقة لا تعمل فى مجال منتج بعينه وإنما فى مجالات التفاعل المختلفة بين البشر، وفيها نزعاتهم وأفكارهم وشهواتهم أيضا.

ماذا تفعل مصر مع شركات ما بعد العملاقة، أو ما هو فى السوق ما يوازى عالم البشر التعامل مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبى والفارق بين الشركات والدول أنه فى هذه الأخيرة هناك تبادلات دبلوماسية وتوازنات قوى وأمم متحدة وربما قانون دولى أيضا؟.

الرأى عندنا أن نفعل ما فعلته الصين، وهناك فى الصين الكثير الذى ينبغى التعلم منه، فشركة أبل تنتج على أراضيها منتجات الشركة الرئيسية، وكذلك باقى الشركات الأخري، وبالطبع فإن هؤلاء لا يأتون إلى دولة إلا إذا قدمت أولا التسهيلات اللازمة من أرض وضرائب وترحاب؛ وثانيا وهو الأهم أن يكون لديها الكوادر الكفء والكافية للتعامل مع هذه الشركات؛ وثالثا أن تكون الدولة نفسها سوقا إلكترونية مهمة وتامة التجهيز للتعامل مع العالم الافتراضى بمقدار القدرة على التعامل مع العالم المحسوس.

هذه الشركات لا يهمها كثيرا نظام الحكم بقدر ما يهمها أن يكون النظام يعمل بكفاءة عالية وهم فى ذلك ربما يقدمون لجديد من النظريات السياسية التى تصورت أن العولمة تعنى بالضرورة انتصارا للفلسفات الغربية فالأمر فى النهاية ليس فقط من يمتلك المعلومات وإنما أيضا لمن يعرف كيف يستخدمها؟!.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: