رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مشروع قومى للقراءة

منذ أكثر من عشر سنوات خلت انتظمت ومجموعة من الشباب والأصدقاء من محبى القراءة، فى جلسات أسبوعية أطلقنا عليها «منتدى القراءة» وقمنا منذ خمس سنوات تقريباً بتسجيل المنتدى كجمعية أهلية، ولا أنوى هنا الحديث عن المنتدى أو الجمعية الأهلية أو عن أعضائه، ولكن أنوى أن أسجل لفكرة طرحتها فى منتديات عدة، وطرحتها من قبل فى مهرجان القراءة للجميع، حيث كنت عضواً فى لجنته العليا، وتدور الفكرة حول مشروع قومى للقراءة. ولقد نتجت هذه الفكرة لا من انغماس فى شئون القراءة بشكل مؤسسى أو شخصي، ولكن لما ألمسه من تأثير للقراءة على عقول الشباب ونفوسهم، فالقراءة هى مفتاح التفتح والانطلاق، وهى معيار حقيقى للتميز الثقافي، فقد قيل لأرسطو: كيف تحكم على إنسان، فأجاب: أسأله كم كتاباً يقرأ، وماذا يقرأ؟

وإذا كان للقراءة دور فى تكوين العقل المستنير، فلماذا لا تستخدم القراءة لكى تفتح آفاقاً جديدة لأجيال أقل تطرفاً وعنفاً، وأكثر ميلاً نحو الحياة المدنية القائمة على التسامح والثقة؟ لقد عانت مجتمعاتنا أشد المعاناة من التطرف والعنف، كما تشهد ميلاً نحو تمدد الأطر الفكرية الجامدة، ذات القدرة الفائقة على نشر منصاتها فى كل مكان. ومن ناحية أخرى، فإن المجتمع يتعرض لخطر العولمة وتدفقاتها التى لا تنقطع، وما يترتب على ذلك من انخراط أعداد من الشباب فى منظومات الاستهلاك الترفى، مع ما يصاحب ذلك من ميول انحرافية مختلفة، يبدو الشباب فى المجتمعات العربية وكأنه بين شقى رحي، يأخذه الشق الأول نحو إطار جامد من التطرف يرتمى من خلاله فى أحضان الماضى ويفقد القدرة على التعامل مع معطيات الحداثة، ويأخذه الشق الثانى إلى ثقافة حديثة مشوهة أبعد ما تكون عن المدنية، يساعد على ذلك جفاف التعليم، وجفاف الثقافة، وتكون النتيجة وجود مخاطر كثيرة تعمل كمصدات للتقدم والازدهار، تتدرج من مخاطر السلبية والالتواء إلى مخاطر التطرف والإرهاب.

ولا أدعى هنا أن مشروع القراءة الذى سوف أبدأ الحديث عنه الآن هو الذى سوف يواجه ما نعانيه من مشكلات، فبناء العقل الإنسانى الحديث، تتضافر عليه مصادر تعليمية وثقافية واتصالية، تم التأكيد عليها تفصيلاً فى مقالات ثلاث سابقة، وفى هذه المقالة نفتتح الحديث عن إجراءات عملية لتحريك الرمال الراكدة فى المجال الثقافي، تحت ما يمكن أن نطلق عليه المسابقات القومية، فى كل مجالات الثقافة فى الشعر، والرواية، والمسرح، والقصة القصيرة، والنثر، والفنون التشكيلية...إلخ. ولا أقصد هنا تلك المسابقات المحدودة التى تجرى هنا وهناك، فيقدم إليها عشرات من الناس، ولا يكون لها تأثير يذكر، إنما أقصد هنا إقامة مسابقات قومية كبرى، يشارك فيها المجتمع بأسره، وتجرى على مستويات تبدأ من القرية، فالمدينة، فالمحافظة، فالوطن بأكمله، ويخرج منها فائزون على كل مستوى يحصلون على جوائز قيمة، وأن تجد إدارة ومساندة من أعلى مستويات الدولة، وألا ينظر إليها على أنها لعب أو لهو، وإنما ينظر إليها على أنها أداة تحريك للمياه الآسنة، وبناء أصيل للعقول، وتوجيه لها بعيداً عن مصادر التطرف والغلو، وأحاول فيما تبقى من المقال أن أقدم نموذجاً لهذه المسابقات، من المشروع القومى للقراءة الذى أحلم به، والذى أتمنى أن تشارك جمعية منتدى القراءة يوماً ما فى تنفيذه، فإذا بدأنا بتحديد أهداف هذا المشروع، فسوف يكون أمامنا نوعان من الأهداف، أهداف أشرنا إليها بالفعل؛ تتعلق ببناء العقل المستنير، ودحض ثقافة التشدد والغلو، وأهداف مباشرة تتعلق بخلق ثقافة مجتمعية تنافسية فى مجال القراءة، وتنمية مهارات القراءة والاهتمام بها، وتنمية القدرات التعليمية والتربوية، وشغل أوقات الفراغ بأنشطة مفيدة، وغرس قيم الانتماء والمواطنة، أما إجراءات المسابقة فتسير على النحو التالى: يبدأ الإعلان عن المسابقة عبر كل وسائل الاتصال الجماهيرى والاجتماعي، ويحدد مستوياتها «القرية - المدينة - المحافظة - الوطن» ومراحلها، وطريقة تنفيذها، وتحديد جهات الإشراف على المسابقة فى القرى والمدن «ويفضل أن تكون جمعية أهلية بنفس القرية أو المدينة»، مع تشكيل لجنة قومية للإشراف العام، وتحديد الكتب المطلوب قراءتها فى كل المستويات، ماعدا المستوى الوطنى الذى يقترح أن يترك حراً، تقام المسابقة بنظام التصعيد إلى أعلي, فالفائزون فى القرى هم الذين يتسابقون فى المدينة «المركز» التابعين لها، والفائزون على مستوى المدينة هم الذين يتسابقون على مستوى المحافظة، بحيث تقام احتفالات فى القرى والمدن والمحافظات لتكريم كل المشاركين فى المسابقة بشهادات تقدير وبجوائز مالية، يحضرها المحافظ ووزير الثقافة وأعضاء مجلس النواب فى المحافظة ولفيف من المثقفين، وبعد انتهاء كل المحافظات من احتفالاتها، يتم تجميع العشرة الفائزين من كل محافظة ويقام لهم معسكر لفترة زمنية معينة «ما بين شهر إلى شهرين» بحيث تترك لهم فرصة القراءة الحرة فى هذه المدة، كما يتم توفير معيشة مريحة لهم، يعبرون فيها عن ذواتهم الثقافية بالقراءة الحرة، والنقاش المفتوح، والسمر، ومشاهدة الأفلام، والمسرحيات، وزيارة دار الأوبرا، وعديد من الأماكن الثقافية. ثم يتم عمل مقابلات ثقافية بينهم فى نهاية المدة لاختيار العشرة الأوائل الذين يمثلون قراء العام يتم تكريمهم مع بقية المتسابقين فى حفل كبير يحضره رئيس الجمهورية، أو من ينوب عنه.

وإذ انتهيت من عرض إجراءات المشروع على هذا النحو المختصر، فأنا أطلب من القارئ الكريم لا أن يؤكد معى أهمية هذه المسابقات، بل أن يسرح بخياله فى حال المجتمع المصرى بعد إجراء مثل هذه المسابقات مع المسابقات الأخرى فى كل الفروع التى أشرت إليها، وأن يتخيل صورة مصر على المستوى العربى والعالمى. وإذا ما أوصلنا خيالنا إلى تخيل أحوال أفضل، وصورة لمصر أفضل، فيجب أن ننسى حجم التكاليف المادية، التى هى تكاليف قليلة جداً ولكن عائدها أكبر، وبعد لقد كان هذا المشروع الثقافى أحد الهموم التى كنت ومازلت أطالب بها فى كل محفل، والآن وقد ثبتها على هذه الصفحة الثقافية الجليلة، فإنه يحدونى الأمل فى أن أجدها يوماً ما ماثلة أمام عينى.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: