رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كـامل الأوصـاف

ليس كمثله لحن يشحنك بطاقة من الرضا والنور تسمو بك إلى قمم ما يتمناه المرء من سعادة غامرة عندما تزفه ملائكة الرحمن فى موكب الرضا والغفران ومراتب الصالحين والتائبين والصديقين والركع السجود إلى جنّات بعرض السماوات والأرض.. لحن تهيمُ فى ذرى روحانياته.. تنتشى مع قدوم إرهاصاته.. تحلق مع سباحاته الصوفية..تسبح مع تجلياته النورانية.. تنضو عنك أسر قيد الجسد لانعتاق الروح.. تذكر العلى القدير العزيز الحكيم الرؤوف الرحيم الملك القدوس السلام القوى الجبار المهيمن العادل السميع المجيب لتعلو بذكره الآفاق لسدرة المنتهى.. تشف كالبللور، وترف كاختلاج شريان، وتخف كدخان، وتهفهف كجناح فراشة، وتلمع كحبة ندى وتومض كجبين عذراء وتتفتح كزهرة.. ترنو من بُعد.. تشاهد من حالق.. تحتوى الجزء والكل.. تثقب بناظريك جدران العتمة وجبال الأوهام وجلمود صخر وركام الأحزان.. تغدو أثيريًا.. تنبت لجوانحك أجنحة تخفق تحلق تدور تطير تصفق تصاحب عزف ونقر الدفوف فى موكب الزاهدة العابدة رابعة العدوية

فى رحلتها السماوية إلى درّة منزلتها السامية.. آن للغريب أن يرى حماه يومه القريب شاطئ الحياة، والمنى قطوف فى السماء تطوف انقروا الدفوف.. الموت فى إطار البهجة والشفافية.. النهايةإلى بعث الخلود.. يا حبيب الروح تائه مجروح كله جروح، لائذ بالباب، شوقه دعاه والرضا رحاب يوقظ النيام، عهده الوثيق واحة النجاة.. الشجن الشفيف الباعث على التطهر وتصفية الروح من ركام الألم وأوجاع الهموم.. نشوة النفس التواّقة للارتحال فى عوالم فسيحة مزدانة بزهور البهجة وآفاق التطلع المثمر الخلاّق.. ذلك اللحن العبقرى الصوفى للموسيقار محمد الموجى «الرضا والنور» لسيدة الغناء أم كلثوم الذى شدت به من مقام حجاز وكلمات طاهر أبو فاشا فى البرنامج الإذاعى رابعة العدوية عام 1959، ليتبعه الفنان الملهم بلحن عبقرى آخر اكتملت فيه ثلاثية لآلئ النغم شعرًا ولحنًا وأداءً «حانة الأقدار» بمدلولها الروحانى الصوفى، فلا الكأس فيها يملؤها منكرًا، ولا الساقى يقدمها فى حانة عربدة، ولا المخمور من تأثيرها الوجدانى ينوء بذنبه:

 

حانة الأقدار عربدت فيها لياليها/ ودار النور والهوى صاحى.. هذه الأزهار كيف نسقيها/ وساقيها بها مخمور كيف يا صاحى.. يا غريب الدار ملِْ بنا فيها/ واترك اللاحى (اللائم).. سألت عن الحب أهل الهوى/ سُقاة الدموع ندامى الجوى.. فقالوا حنانك من شجوه/ ومن جِده بك أو لهوه.. ففى حانة الليل سمّاره/ وتحت ثياب الدجى ناره.. ولما طوانى الدجى والجوى/ لقيت الهوى وعرفت الجوى.. ففى الليل يُبعث أهل الهوى/ وفى الليل يكمن سر الجوى..

و.. يتأخر الموجى فى تقديم اللحنين فتشكوه كوكب الشرق لجمال عبدالناصر ليداعبها بقوله: «أحبسهولك حتى ينتهى من التلحين؟!».. وكانت من قبل قد عهدت للموجى بتلحين نشيد «الجهاد» من كلمات رامى الذى غنته فى نادى الجلاء للقوات المسلحة بالقاهرة، وبعد الحفل أخذت الموجى من يده وقدمته للجمهور الذى يضم قيادات ثورة يوليو 52 وعلى رأسهم ناصر.. واستمرت مسيرة الموسيقار مع كوكب الشرق لتغنى من ألحانه الوطنية كلمات صلاح جاهين «محلاك يا مصرى وانت عالدفة» التى شدت بها تحية للمرشدين المصريين بعد تأميم قناة السويس وأزمة انسحاب المرشدين الأجانب، وأغنية «بالسلام احنا بدينا» و«يا سلام على الأمة» و«صوت بلدنا».. ثم تأتى أغنيته لها «للصبر حدود» فى عام 1964 لتدخله أم كلثوم بسببها للمحكمة، فقد اتفقت معه على الانتهاء من اللحن ــ الذى كانت قد أجازته مسبقا ــ ولم ينته من تسليمها، فأقامت دعوى قضائية ضده، وفى البدء لم تقبل باللحن بل قالت بغطرسة: «خد لحنك واديه لعايدة الشاعر».. وبعد أشهر من الإحباط أمسك الموجى فى ليلة إلهام بالعود بمشاعر تجرد بالغ ليوافق أم كلثوم على رأيها فأعاد اللحن من جديد ليسمعه لها بالتليفون فقالت بلهفة: «أيوه يا محمد هو ده اللى كنت مستنياه منك»... ووقف الموجى أمام حضرة القاضى ليسأله بقوة القانون: محمد أمين محمد الموجى الشهير بمحمد الموجى.. أفندم.. لماذا لم تُنْه اللحن يا محمد فى موعده المحدد؟!.. فأتى الرد المفحم: احكم سيادتك عليّ بالتلحين.. قال القاضى: حكمنا يا محمد.. وعاد الموجى: إذن على المحكمة الموقرة القيام بتنفيذ الحكم بنفسها.. فسأله: إزاى يا محمد؟!.. أجابه: إكسرلى دماغى وطلع اللحن.. ويكمل الفنان مدافعًا عن نفسه: يافندم لست بآلة تدور بالبخار ولا بالكهرباء ولا تشتغل تروسها ميكانيكيًا لتخرج الألحان معلبّة إنها مشاعر وأحاسيس تحتاج إلى زمن يكتمل فيه الجنين داخل الرحم ليخرج لحنا سليمًا سويًا على وسادة الإلهام.. وحكمت المحكمة بحفظ القضية.. روح يابنى إنت حر مع أم كلثوم.. وراح الموجى يعاتبها ليختلف معها مرة أخرى حول الكوبليه الأخير فى الأغنية «ماتصبرنيش ماخلاص أنا فاض بىّ ومليت» ولم يتراجع الموجى هذه المرة، ولم يغيّر اللحن، بل ترك العود فى صالون أم كلثوم ومضى غاضبًا ليعتكف فى منزله رافضًا الحديث مع أى من كان.. فطلبت ثومة من الحفناوى وعبده صالح الذهاب إليه وإقناعه بالعودة لمناقشته، وفى جلسة المصالحة تم الاتفاق على الخضوع لرأى الموجى.. ونجحت الأغنية التى شدت بها كوكب الشرق فى موسم 1964، وفى الشهر التالى مباشرة فوجئ الموجى بأم كلثوم تغنى «انت عمرى» أول عمل فنى يجمعها بمحمد عبدالوهاب، واجتاح الموجى جنون الغيظ لأنها لم تعط لأغنيته الفرصة فى الانتشار، فقد عودت أم كلثوم جمهورها على تقديم لحن غنائى جديد كل عام، وهى هنا لم تحافظ على هذا التقليد معه.. ورغم الحب الشديد الذى يكنه الموجى لأستاذه عبدالوهاب ـ الذى قال عنه: «الموجى يحمل فى رأسه مكتبة موسيقية كاملة» ــ إلا أنه شعر بغبن وإحباط شديدين، فالناس بطبيعة الحال سوف تهتم باللقاء التاريخى الأول بين القمتين «ثومة وعبدالوهاب» مما سيؤثر ولا بدَّ على إشعاعات أغنيته «للصبر حدود» ليؤخرها لموقع حكومة الظل، وكانت قد ظلمتها أم كلثوم أيضًا بغنائها فى الوصلة الثانية لحفلها الذى أقامته يوم الخميس 5 فبراير 1964، وفى اليوم التالى اتصل الموجى بسيدة الغناء معاتبًا: كده برضه!! فأجابته: بكره تشوف نجاحاتك بلا حدود.. وآهى غلطة.. ومش حتعود ولو إن الشوق موجود وحنينى إليك موجود والحب كمان موجود ومفيش فى الدنيا غرام بيعيش كده ع الأوهام والحب الصادق عمره ما يحتاج لكـلام.. وآهى غلطة!


محمد الموجى (1995 ــ 1923) سريع الغضب بحب.. سريع الرضا بفهم

وتخرج للآذان والأسماع وقلوب العاشقين المعذبين على جميع الساحات فى عام 1970 تحفة ثلاثية الموجى أم كلثوم عبدالوهاب محمد «اسأل روحك» من مقام حجاز كار.. اسأل قلبك قبل ما تسأل إيه غيرنى.. أنا غيرنى عذابى فى حبك بعدما كان أملى مصبرنى. غدرك بىّ أثر فىّ واتغيرت شوية شوية. اتغيرت ومش بإديه، وأخذت أبعد وعرفت أعند، حتى الهجر قدرت عليه، شوف القسوة بتعمل إيه!! و..تخلع أم كلثوم خاتمًا من البلاتين الأبيض من إصبعها لتهديه للموجى ليلة شدت باللحن للمرة الأولى واستعادها الجمهور عشرات المرات خاصة عندما تكتنف نبراتها مسحة الألم والشجن فتزلزل آهاتها جنبات المكان والصدور فى قولها: وصلتنى للحال ده بإيديك بعدما كانت روحى فى إيدك. سبتك من غير حتى ما أفكر حقدر أسيبك أو مش حاقدر!!

ويتشكل صوت عبدالحليم حافظ كلون جديد تمامًا فى الغناء الحديث على ألحان محمد الموجى المؤسس الأول لصوته، ليكتمل البناء الموجى على مدى 77 أغنية و25 عاما بداية من صافينى مرة وجافينى مرة، وظالم وكمان رايح تشكى، ويا أبوقلب خالى مالك ومالى، ولايق عليك الخال ياللى الهوى خالك، ويامواعدنى بكره، وحبك نار مش عايز أطفيها ولا أخليها دقيقة تفوتنى ما أحسش بيها، وقوللى بكرة قلبك حيعطف، ومكتوب على جبينك وفوق رموش عينك الجنة للصابرين، ومالك ومالى ياأبو قلب خالى، واسبقنى يا قلبى اسبقنى ع الجنة الحلوة اسبقنى.. و.قالوا الصبر بحوره بعيدة قالوا شفايفه نايات بتقول تنهيدة.. و.حبيبها لست وحدك حبيبها أنا قبلك وربما جئت بعدك وربما كنت مثلك.. و.إن كنت حبيبى ساعدنى كى أرحل عنك، وإن كنت طبيبى ساعدنى كى أشفى منك، ولو أنى أعرف أن الحب خطير جدًا ما أحببت، ولو أنى أعرف أن البحر عميق جدًا ما أبحرت، ولو أنى أعرف خاتمتى ما كنت بدأت.. و.يا مالكًا قلبى رحماك من هذا العذاب.. و.ليه تشغل بالك ليه على بكره وتبكى عليه.. و.وأقول ماأقولشى أنا خايف أقول.. و.لو كنت يوم أنساك إيه أفتكر تانى.. و.وكان فيه زمان قلبين الحب تالتهم اتفرقوا الاثنين فى عز فرحتهم ليه وعشان إيه دا يجرى ليه ليه؟!.. و.مشغول وحياتك مشغول ولآخر الأسبوع مشغول.. و.راح أقول لك إيه أجمل من الكلمة اللى فى بالى.. أحبك.. و.كل كلمة حب حلوة قلتها لى.. و.مغرور حبيبى كتير عايز أكلمه.. و.باحبها باحبها وفى قلبى ساكن حبها.. و.جبار فى رقته فى قسوته وماكنتش أعرف قبل النهاردة إن العيون دى تعرف تخون بالشكل ده.. و..ابكى تحت الليالى والخوف ملو الضلوع قلبى يا بلاد غريبة بتنورها الدموع.. و.حتى فى أحضان الحبايب رميت نفسك فى حضن سقاك الحضن حزن.. و..قارئة الفنجان التى لم تقرأ أبدًا فنجانًا يشبه فنجانه ولا أحزانا تشبه أحزانه، وأن سماءه ممطرة وطريقه مسدود مسدود.. يا ولدى.. وكانت آخر أغانى العندليب الوطنية للموجى «مالت ع القمر فوق فى العلالى ده النور على شط القنال سهران يلالى» بمناسبة إعادة السادات فتح قناة السويس فى يونيه 1975..

الموجى صاحب مدرسة عدم الاستخفاف بعقلية المستمع.. الموجى عبقرى اللحن الذى فيه احترام للنفس.. الصدق فى المشاعر أساس موسيقاه ومبتغاه، وإن قال لحنه أحبك فأنت تصدقه على الفور، لأنه ناضح بمشاعر الحب المكلبش فى شغاف القلب، وإن كان لحنه ابتهالا فالإطار شفافية وجلال، وإن عبّر عن الغضب فأنت فى صفه فى ظهره فى ميعته فى ضيعته مترافعًا عنه عندما يكتوى بنار الحبيبة «بعضى يمزق بعضى، ما أنت يا قلبى قل لى، أأنت لعنة لحبى، أأنت نقمة ربى»..

الموجى صاحب لحن ليس فيه تضحية بالمعنى فى سبيل جملة براّقة خاوية، ولا بالقيمة فى سبيل هزّة وَجدٍ طروبة..

لحن الموجى متسق معتبر رصين محبوك «شغل يد» كما يقول المثل، يقيم معك حوارًا شديد الجاذبية والحميمية حيث يخطفك من أول نغمة ببراعة الاستهلال المشرق «كامل الأوصاف فتنى والعيون السُود خدونى» ليُعطيك فرصة هادئة لكى تتذوق تستطعم العسل المصفى.. لحن يصفى مشاعرك بمصفاة منخل حرير.. لحن يكتمل فى رحم الفن ليخرج فى توقيت مقدر لوجه اللـه.. لحن يأخذ بيد مطرب موهوب مغمور من وسط الزحام وكدابين الصاجات ليُجلسه متفردًا فوق المنصة وعلى رأسه ريشة..

لحن الموجى لا يلعب مع الذئاب، لأن العواء يشوّه رجعْ الكمان وأنين الناى ودوزنه العود والربع تون والراست والنهاوند ومقام حجاز كار..

ذلك الوفاق الفنى المذهل.. تآخى المواهب الربانية.. الصحبة المثمرة. التناسق والانسجام الذى أهدانا أجمل الأغانى وأعذب الألحان.. العندليب المتفرد يترجم ألحان الموسيقار الملهم على أحبال الحنجرة القطيفة لنعيش سنينًا حبًآ ووجدًا وهيامًا وعشقًا وهجرًا ووصالا وانتظارًا وأملا فى التلاقى، وعطاء وفيضًا عند التلاقى.. ولكن لا شيء يدوم فى أجواء السباق ولا يظل مجرى النهر خاليًا أبدًا من السدود والصخور والجنادل وورد النيل الذى يعوق المسيرة..

الموجى طالب برفع أجره من 200 جنيه إلى 500 جنيه فى الغنوة الواحدة وذلك مع فيلم «يوم من عمرى» الذى بلغ أجر عبدالحليم حافظ فيه أربعة عشر ألف جنيه، وكان الموجى ترضيه الثلاثين جنيها عندما كان أجر حليم 250 جنيها.. ويأتى دفاع الموجى بأن شهرة عبدالحليم تأتى من كونه مطربًا مبهرًا وليس ممثلا مبدعًا، ومن هنا فليس فى طلبه جور كبير فالألحان عنصر أساسى فى النجاح، ثم إن عبدالحليم لن يدفع له من جيبه الخاص، وإنما من جيب المنتج الذى يستطيع حليم إقناعه بدور الألحان فى الفيلم.. ويمضى الموجى فى شرح سر الجلطة الفنية التى اعترضت شريان التواصل بين القمتين ليستمر الخصام على مدى سبع سنوات فيقول: «يسوؤنى أن أعتصر أعصابى لأقدم له ألحانًا ناجحة ثم لا أرى تقديرًا، اللحن لعبدالحليم يكلفنى من وقتى أكثر من خمسة أشهر، وأنا أقدم له لحنين فى السنة، فهل كثير أن أتقاضى عليهما معًا 1000 جنيه وهى الألحان التى اعترف هو وغيره بأنها أروع ما غنى.. لقد كانت مشاعرى تجاهه تحمل كل ود وصداقة إلى أن تقابلنا فى النادى الماسى، وشهد لقاءنا أحمد فؤاد حسن، عندما عرضت عليه مساندتى عند منتج الفيلم، فتقديرى لنفسى لا يقل عن خمسمائة جنيه للأغنية ولكن رد عبدالحليم جاء على اقتراحى صادمًا إذ قال: بتاع إيه تاخد 500 جنيه؟!.. وكانت هذه الإجابة بمثابة اللطمة التى لم أتوقعها يومًا من عبدالحليم.. بتاع إيه يا عبدالحليم؟!.. بتاع الليالى الممطرة التى سهرنا فيها تحت وابلها بالساعات غرقانين ننتظر حفلة أو فرحًا.. بتاع الأيام السوداء وركوب التروماى وفرحتنا بتزويغنا من الكمسارى حتى نوفّر قرش صاغ.. بتاع المشى على الأقدام من المنيل من بيتك يا عبدالحليم لبيتى فى العباسية لأنى لا أملك ثمن المواصلات.. بتاع السعى والكفاح والعود فى إيدى اليمين وانت يا عبدالحليم فى إيدى الشمال نروح سوى للمنتجين نسمعهم إنتاجنا لعل وعسى أحدهم يقبل منى لحنًا تغنيه.. بتاع لطعتنا قدام باب الإذاعة لعل وعسى يطلع فى وشنا مخرج منوعات يأخذ بإيدنا.. بتاع العرق والدموع والكفاح والنصائح.. نسيت كل ده!! بتاع صافينى مرة وبتقوللى بكرة وظالم.. بتاع ضربنا بالطوب والطماطم على مسرح الإسكندرية ونجاحنا فى القاهرة بنفس الألحان.. بتاع أيام ما كنا نستأجر ناس يصفقوا لنا فى الصالة.. ياريتك يا عبدالحليم قلت طيب ولو على سبيل الكذب.. وعمومًا فعبدالحليم ليس أول المتنكرين ولن يكون آخرهم. فايزة أحمد بعد أن وضعت لها لحن «أنا قلبى إليك ميال» و«ياما القمر ع الباب» ارتفع أجرها على مسارح بيروت من 400 إلى 4000 ليرة وعندما عادت من رحلتها هناك أحضرت لى هدية ثمينة.. كرافتة ومنديل!!».. و..يبكى الموجى عندما يستمع فى إذاعة دمشق قبل السحور إلى عبدالحليم يغنى «صافينى مرة» ورجا فى نفسه أن يكون عبدالحليم قد استمع إليها.. «ساعتها توقعت أن أرى عبدالحليم يدق باب بيتى ليتناول معى طعام السحور»...

ويكتب عبدالحليم عن مشوار الكفاح الفنى فى مذكراته عام 1973 التى نشرتها روزاليوسف: «كان الموجى يجلس دائمًا بالعود ليعزّف خلفى فى كل الحفلات، ولم ينسحب إلا عندما لحن لى عبدالوهاب أغنية «توبة»، يومها قال لى الموجي: «اسمع يا عبدالحليم أنا وكمال الطويل بنحب بعض، بيسمعنى ألحانه قبل ما تُذاع علشان كده أنا راضى أعزف ألحان كمال من خلفك، أماغير ذلك فلا.. لم أغضب منه ومازلت أنظر إلى غيّرته على نجاحى بحب، إنه يعرف ثلاثتنا أننا هو وكمال وأنا بداية طريق ومازلنا معًا، وبينى وبين الموجى ذكريات تبدأ بالعود الذى كنا نغطيه معًا بالبالطو لنسير فى الشارع من معهد الموسيقى إلى بيتى فى المنيل خوفًا من المطر، بينى وبين الموجى ذكريات الجلوس فى شادر البطيخ الذى يملكه مرسى جميل عزيز فى الزقازيق عندما كان يكتب «يابو قلب خالى».. قلب الموجى متسع.. سريع الغضب بحب سريع الرضا بفهم»..

وعاد الوفاق لتستمر التجربة الفنية المثلى على مدى 25 عامًا لتغيّر وجه الغناء المصرى فى القرن العشرين التى بدأت بـ«صافينى مرة» وانتهت بـ«قارئة الفنجان».

محمد الموجى المولود فى 4 مارس 1923 بمدينة دسوق بمركز بيلا محافظة كفرالشيخ، البلدة التى تلتف بيوتها وقلوبها حول ضريح العارف باللـه الشيخ إبراهيم الدسوقى أشهر الأولياء الصالحين فى عصر المماليك البحرية الذى أكسب الإطار من حوله إشعاعًا متوارثًا من محبة الأولياء والإنشاد الدينى وإن لم يدفع الجو العام بالموجى لمعهد دسوق الأزهرى وإنما لسلك الدراسة الابتدائية والزراعة المتوسطة فى شبين الكوم عاصمة المنوفية.. وعلى لسانه فى سيرته الذاتية قوله: «بحثت عن وظيفة فى الحكومة فلم أجد بعد تخرجى، فسافرت للتل الكبير واشتغلت كاتبًا فى أحد معسكرات الإنجليز، وكنت كلما زرت «بيلا» أزن على رأس أمى «ماتجوزينى يا أمه»، وحارت معى حتى وقفت قسمتى عند بنت عمى وخطبتها وانتظرت سنتين حتى حوّشت المهر، واستطاع أبى بالواسطة أن يجد لى وظيفة فى مصلحة الأملاك الأميرية ببيلا، وليلة الدخلة استأجرنا مزيكة الحاج عبداللطيف، وجاءت الفرقة من المنصورة لتزفنى سيرًا على الأقدام، ومن حولى شباب البلد بالبلط والبنادق والكلوبات والشموع والملح الرشيدى الذى ينزل علينا كالمطر، وعلى طول الطريق كانت الموسيقى تشنف آذاننا ثم تتوقف فجأة ليزعق أحد مريدى الشيخ إبراهيم الدسوقى: «الورد كان شوك ومن عرق النبى فتح»، ووصل الموكب إلى بيت العروس، وجلست مع المدعوين داخل «النصبة» فى وش البيت، بينما العروس مع صديقاتها فوق فى «المقعد»، وجاءت اللحظة التى حملت فيها العروس من بيتها إلى بيتنا وصعدت بها لاهثًا إلى الدور الثانى.. ابنة العم التى أنجبت لى أبنائى السبعة، وكنت ناظر زراعة فى إيتاى البارود سنة 49 عندما كانت زوجتى على وشك أن تلد ابننا البِكرى «أمين» عندما قررت فى نفسى السفر للقاهرة لأكون بجانب «الوسط» الفنى وأبدأ من هناك رسالتى الفنية، فطلبت من زوجتى أن تسافر لتلد فى البلد، وبعد سفرها بساعة كنت قد بعت عفش البيت وركبت القطار إلى قاهرة الأضواء لأصل إليها فلاحًا تبهرنى أضواء المدينة وحسان لياليها اللاتى يلعلعن فى المساء ليلاقيهن الصباح زرقاوات كابيات، ومشكلتى أننى كنت أراهن بالليل تحت الأضواء المزيفة ــ تزوج الموجى فى تلك الفترة على الأقل ثمانى مرات من مطربات وممثلات وراقصات منهن سعاد مكاوى ووداد حمدى وأحلام وعايدة كامل وأميرة سالم.. وقد دعته سعاد مكاوى إلى عيد ميلادها بعد طلاقها منه الذى جاء تعليقها عليه: «المسألة قسمة ونصيب، وأبدًا لن أنسى الـ455 يومًا أى السنة وثلاثة أشهر التى قضيتها مع الموجى فى سعادة غامرة»، وكانت سعاد هى الزوجة رقم أربعة التى قضت معه أطول فترة قضتها أى زوجة أخرى باستثناء شريكة العمر كله أم أولاده، وقد استمر زواج الموجى من الراقصة سميرة فتحى سبعة أشهر ومن المطربة أحلام ثمانية أشهر ــ وفى سكة الفن ولقمة العيش افتتح الموجى مدرسة لتعليم الغناء وأغلقها بعد عدة شهور لاكتشافه مشروعها الفاشل حيث كانت تضم ثلاثة مدرسين وسكرتير وساعى يتناولون مرتبات شهرية منتظمة وكانت مصاريف كل تلميذ ثلاثة جنيهات فى الشهر، لكن غالبيتهم كانوا يهربون من الدفع، وافتتح الموجى مطعمًا فى ميدان باب الحديد أثبتت تجربته فشل الفنان فى أن يكون تاجرًا ــ ومازلت أذكر محمد الموجى بالبالطو المعملى الأبيض يعمل مساعدًا للأستاذ «كمال» مدرس العلوم بمدرستنا العباسية الثانوية للبنات فى أوائل الخمسينيات، لنفاجأ به فى حفل نهاية العام يعزف على الكمان المصاحب لغناء الزميلة فوزية الأنصارى التى عملت بعدها فى عالم الفن ـ وكان الموجى فى بداياته قد التحق بصالة بديعة مصابنى والصالات الأخرى، وتقدم لاختبار الإذاعة فأجيز ملحنًا مغنيًا من ملحنى مختارات الإذاعة فى موقعها القديم بشارع علوى ليرفض ألحانه محمد عبدالمطلب، ومن بعده عبدالغنى السيد، ويلتقى بحليم ليُغنى له «صافينى مرة» على مسرح الأندلس صيفًا على ضفاف النيل ليبدأ مشواره معه ومع جانب جميع مطربى مصر المعروفين ما بين الخمسينيات والستينيات فى أشهر أغانيهم فيلتقى مع فايزة فى مثل «أنا قلبى إليك ميال»، «بيت العز»، «القمر على الباب»، «حيران»، «ياللأسمرانى»، «قلبى عليك يا خىّ»، «إلهى يحرسك من العين وتكبر لى يا محمد».. وتغنى له نجاة أجمل أغانيها وعلى رأسها «عيون القلب سهرانة مابتنمشى لا أنا صاحية ولا نايمة مابقدرشى»، ومحمد قنديل «منديل الحلو»، وماهر العطار «بلغوه»، ووردة «أكدب عليك»، ولشادية «شباكنا ستايره حرير» و«غاب القمر يابن عمى ياللا روحنى»، وعزيزة جلال «هو الحب لعبة»، وعفاف راضى «يهديك يرضيك»، ولصباح «الحلو ليه تقلان قوى» و«الدوامة» و«زى العسل»، وفى رمضان «الراجل ده هيجننى».. و.. عشرات الألحان التى بلغت 1500 لحن تحمل جملا لحنية طازجة مفعمة بعبير المشاعر الحية ودفء القلب الإنسانى، فهو الموجى النهر فى جريانه المستمر وفيضانه المتلاحق، وكل لحن له يعتبر شريانا قائما بذاته لتجربة فنية مستقلة تتحدى الأزمنة وتكتسب عمقا وجلالا كلما تقدمت بها السنون، وما أن ينساب أى من ألحانه إلى مسمعيك حتى تستيقظ فى نفسك فترات كاملة من حياتك عاصرت فيها هذا اللحن أو ذاك بقدر ما عاصرها فكان معبرًا عنها وعنك.. وأبدًا كان التقدير لألحان الموجى غابنًا ومؤسفًا ومخجلا حتى عندما أقدم على تلحين الأوبريتات الشهيرة للمسرح الغنائى ـ هدية العمر، والشاطر حسن، ووداد الغازية، وحمدان وبهانة، ودنيا بيانولا، وممنوع يا كروان ــ حددوا له كمثال ـ عن ألحانه لهدية العمر تأليف إحسان عبدالقدوس وسيناريو يوسف السباعى ـ ألف جنيه يتسلمها على دفعات على أن تضم 25 لحنًا فكان يترك العمل فيها لخواء الجيب ليُلحن أوبريت «وداد الغازية» ليقبض دفعة منها ليعود لاستكمال هدية العمر التى أكلوا عليه بقية أجره فيها..

ويعود للموجى الفضل فى تقديم سعاد حسنى كمطربة وذلك فى فيلم «صغيرة على الحب» فى عام 1966 لتُغنى له «خدنا أجازة» و«حزنبل»... وعلى رأى المثل العامى «اللى خلّف ماماتشى» يشير الموجى الصغير نجل الموسيقار الراحل إلى أهمية دور والده الذى دخل اسمه موسوعة كبار الملحنين العالميين، وكان من القلائل الذين تمنحهم جمعية الملحنين فى باريس معاشًا شهريًا لتسجيله أعلى نسبة توزيع وإذاعة لأعماله فى شتى وسائل الإعلام العربية والأوروبية تمامًا مثل الموسيقار محمد عبدالوهاب، ويتساءل الابن إذا ما كان هناك متحف لعبدالوهاب فلماذا لا يخصص داخل الأوبرا متحف لكبار الموسيقيين الشرقيين أمثال زكريا أحمد وفريد الأطرش ومحمود الشريف وبليغ حمدى والقصبجى.. و..محمد الموجى.. ويسألون الابن عن مقترحاته لهذا المتحف فتأتى إجابته: لم نُفرط فى شيء استخدمته يداه من أول ملابسه إلى البيانو الذى أخرج عليه ألحانه والعود الذى ضمهُ إلى صدره وكـلاهما بغرفة مكتبه كما تركها، إلى جانب نوته الموسيقية ومئات التسجيلات بصوته، وعشرات الشرائط لجميع المطربين والمطربات، والأوسمة والنياشين التى حصل عليها، ومذكراته الخاصة بخط يده تروى أحداث حقبة هامة من تاريخ الطرب على أرض مصر..

وإذا ما كانت أم كلثوم قد غنت «الرضا والنور» للموجى الذى لم ينضب يومًا معينه من الألحان ولم ينقطع له فيض من إلهام فقد حمل أدواته ونغماته ومقاماته وأبيات طاهر أبوفاشا ليضعها تحت إمرة صاحبة الصوت المبهر المقتدرة «سعاد محمد» لتغنى له خاتمة فيلم «الشيماء» عام 1973 «كم ناشد المختار ربه» التى تستدعى الآية القرآنية «إنك لا تهدى من أحببت ولكن اللـه يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين» فتنشد سعاد «كم ناشد المختار ربه فى هدى إنسان أحبه.. ولكن وحى اللـه جاء.. إنك لا تهدى الأحبة واللـه يهدى من يشاء»..

و.. كنا فى رحابة وثراء عالم الملحن العبقرى محمد الموجى أحد أركان البهجة والسلطنة فى النصف الثانى من القرن العشرين الذى لا شيء يطرّى على القلب والقيظ والغيظ أبلغ من لحنه لقيثارة الغناء نجاة: واللـه براوة واللـه براوة دوّار حبيبى طراوة آخر طراوة..

[email protected]


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: